ملف الأسبوع | هل يشجع الدعم المالي للمرشحين الشباب ظاهرة النواب اللامنتمين في البرلمان ؟
ملامح حكومة 2026

يعيش المغرب منذ أيام على وقع زخم جديد في السياسة الداخلية والخارجية بصفة عامة؛ ففي يوم واحد، تلقى الشعب المغربي حزمة من الأخبار كانت كلها مبعث تفاؤل وارتياح.. فقد فاز المنتخب الوطني لأقل من 20 سنة بكأس العالم لكرة القدم، وهو إنجاز كان حلما وقد تحول إلى حقيقة صدقها البعض بينما الآخر لا يزال يعيش على وقع الصدمة، وقبل ذلك بساعات، اجتمع مجلس الوزراء برئاسة الملك محمد السادس ليعلن عن قانون مالية 2026، الذي كان ظاهريا استجابة لمطالب حركة “جيل زد”، إذ تم الإعلان عن تخصيص مناصب مهمة في قطاعي الصحة والتعليم ورفع ميزانية القطاعين بـ 20 مليار درهم إضافية مقارنة مع السنة الماضية، وهو ما يعتبر استجابة فورية لمطالب الشباب الذي خرج في عدة مدن قبل أيام، كما حمل اجتماع المجلس الوزاري حدثا مهما سيكون له ما بعده، وهو المصادقة على مشروع القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، والذي جاء بمستجدات تهدف إلى تشجيع مشاركة الشباب دون سن 35 سنة في الحياة السياسية، من خلال تبسيط شروط الترشح وتقديم دعم مالي يغطي 75 % من مصاريف الحملات الانتخابية، ويهدف هذا الملف لمناقشة ما قد يحمله هذا المستجد من نتائج على الحياة السياسية مستقبلا اعتمادا على تجارب سابقة مر بها المغرب.
أعد الملف: سعد الحمري
تخوف من هجرة الشباب من الأحزاب
كانت ردود فعل بعض الأحزاب السياسية، مباشرة بعد مصادقة المجلس الوزاري برئاسة الملك محمد السادس على مشروع القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، الذي حمل تشجيع الشباب دون سن 35 سنة على الترشح في الانتخابات التشريعية والجماعية عن طريق تمويل 75 في المائة من حملتهم الانتخابية، كانت قوية على اعتبار أن هذا الإجراء له ما بعده، وما هو مثير، أن مشروع القانون المصادق عليه، ينص على دعم الشباب الذين سيترشحون بدون تزكية حزبية، بمعنى يمكن لهم الترشح بصفة مستقلة، أو تحت مضلة حزبية.
فقد كانت أولى ردود الفعل عن طريق حزب العدالة والتنمية، حيث عبر عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية، عن تخوفه من “تبخيس الأحزاب السياسية” بسبب هذا الإجراء، مشيرا في افتتاح الاجتماع الأسبوعي للمجموعة النيابية للحزب يوم الإثنين الماضي، إلى أن “تشجيع الترشيح المستقل، خاصة في الانتخابات التشريعية، من شأنه أن يقوض دور الأحزاب، وبالتالي الإخلال بالمقتضيات الدستورية”، ومن جهة أخرى، رأى قياديو عدة أحزاب، أن الترشيح المستقل خلق ضجة داخل بعض الأحزاب، لأنه يعني تشجيع الشباب على فقدان الثقة في الأحزاب، في حين يرى البعض أنه يجب انتظار إحالة مشروع القانون على البرلمان لمناقشته والتعليق عليه.
وحسب عدد من المراقبين، فإن هذا الإجراء يهدف إلى إفراز نخب جديدة تحظى بالشرعية والثقة وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية وضمان تكافؤ الفرص، ويضمن تحولا نوعيا في المشهد الانتخابي المغربي، وأن الدعم المالي يشكل الحافز الأكبر لأن التكلفة المالية كانت تشكل حاجزا حقيقيا أمام الشباب الراغبين في دخول غمار السياسة، حيث أن الكثير من الأموال المخصصة سابقا للدعم الانتخابي، كانت تمر عبر الأحزاب دون أن تتسم بالشفافية المطلوبة في توزيعها، كما أن هذا الأمر شكل مانعا للكثير من الشباب أمام ولوج الحقل السياسي، خاصة عن طريق الانتخابات، في حين يشكل هذا الإجراء الجديد تحولا نوعيا يضع الانتخابات المغربية في مسار انتخابات عدد من الدول الديمقراطية، ما من شأنه منح الشباب استقلالية أكبر وفرصة فعلية للمشاركة السياسية، ذلك أن الدولة بهذا القانون الجديد، تسعى إلى تصحيح الاختلالات السابقة التي حدّت من مشاركة الشباب في الانتخابات، وأن الدولة تكرس مبادئ الشفافية وحسن الإنفاق العمومي.
وفي حالة مر القانون التنظيمي أمام البرلمان وخرج بصيغته الحالية، أي إمكانية ترشح الشباب بصفة مستقلة دون أي عباءة حزبية، فإن من شأن ذلك خلق وضع ونفس جديد داخل قبة البرلمان المغربي، حيث أن الشباب أظهر اهتماما كبيرا بالحياة السياسية منذ أيام عندما خرجوا في حركة “جيل زد”، لكن كيف يمكن أن يكون البرلمان؟ وكيف ستكون الحياة السياسية في المغرب في حال اكتسح المترشحون المستقلون الحياة السياسية في المغرب وحصلوا على عدد مقاعد كبيرة في البرلمان، أو لنقل حصلوا على المرتبة الأولى ؟

سنة 1977.. عندما فاز المرشحون المستقلون بأغلبية المقاعد البرلمانية
إلى هنا نحن أمام تخمينات.. قد تبدو غير واقعية أو ضربا من الخيال والجنون، لكن قراءة تاريخ المغرب القريب جدا، تظهر أن هذا الأمر حصل فعلا سنة 1977، عندما حصل المترشحون الأحرار في الانتخابات التشريعية ليوم 3 يونيو على 141 مقعدا من أصل 246 مقعدا في البرلمان بموجب دستور 1972، وللإشارة، فقد جاءت هذه الانتخابات في وقت كان مطبوعا بالتحديات الداخلية والخارجية، كما هو الشأن اليوم.. فقد كان المغرب قد خرج من أزمة سياسية خانقة، بعد سنوات من حالة الجمود التي كرسها الجيش، العمود الفقري للحكم، والتي انتهت بنتائج كارثية، تتجسد في محاولتين انقلابيتين سنتي 1971 و1972، وكان على الملك الحسن الثاني أن يقوم بخطوات من أجل إعادة الحياة السياسية إلى مسارها الصحيح، حيث طرح سنة 1972 استفتاء دستوريا أعطى نفسا جديدا للحياة السياسية، حيث أعلن عن إجراء انتخابات تشريعية سنة 1975، غير أن حدث المسيرة الخضراء حال دون إجراء الانتخابات سنة 1975 وتأجلت إلى سنة 1977.
ويوم 8 يوليوز 1977، ألقى الملك الحسن الثاني خطابا أكد من خلاله تنظيم ثلاث مستويات انتخابية نص عليها دستور 1972، ووضع ميثاق الجماعات في شتنبر 1976، فكان تدشينا للامركزية، وقد كانت له أهداف محددة منها تقريب الإدارة من المواطن، غير أن هذا الإصلاح سيصير معيقا، حيث منح مزيدا من الاستقلالية للمنتخبين والمسؤولين المحليين، فكان سببا في ظهور قرابة مائة مناطق نفوذ في أنحاء المملكة، تخضع لمشيئة صاحب النفوذ المحلي تحت وصاية وزير الداخلية، وقد أطلقت أيادي عملاء وزارة الداخلية المكلفين بتسيير شؤون البلد، للتحكم في مختلف الأنشطة، وقد كان ذلك الأساس الذي قام عليه نظام البصري.
أجريت الانتخابات الجماعية يوم 12 نونبر 1976 وتقدم لها 43 ألف مرشح بينهم 20 ألفا من المستقلين، الذين كانوا في واقع الأمر مترشحين عن وزارة الداخلية، حيث انتهت الانتخابات بفوزهم بغالبية المقاعد، وحصل حزب الاستقلال على المرتبة الثانية، فيما حل حزب الاتحاد الاشتراكي في المرتبة الرابعة، ثم جاءت انتخابات الغرف المهنية في مارس 1977 لانتخاب ثلث أعضاء البرلمان وفاز فيها مجددا المستقلون، ما جعل امحمد بوستة زعيم حزب الاستقلال، ينعت الانتخابات بـ”المزورة مائة في المائة”.
غير أن هذا الأمر لم يمنع زعماء الأحزاب من المشاركة في الانتخابات التشريعية ليونيو 1977، التي أفرزت نتائجها فوز المستقلين بـ 81 مقعدا من أصل 176 مقعدا برلمانيا، وهكذا شكلوا الأغلبية البرلمانية، وقد قال بيير فيرمورين تعليقا على نتائج هذه الانتخابات وما أفرزته، بأن ذلك يعود إلى “طبيعة الاقتراع وإلى المشروعية المفرطة المقدمة للمناطق القروية، وإلى النشاط الذي بذلته الإدارة واستنكرته الأحزاب السياسية”.
وبذلك ترأس أحمد عصمان المستقل، حكومة أكتوبر 1978، ثم عمل مباشرة على تأسيس حزب التجمع الوطني للأحرار، وجمع البرلمانيين المستقلين في حزب واحد، وقد أسس حزبه تحت مقولة “المغرب الجديد” الذي يعبر – حسب عصمان – عن المسيرة الخضراء “رمز توحيد التراب المغربي” وعن عودة النظام التعددي إلى المغرب، فتوجه أحمد عصمان توجها وطنيا ديمقراطيا يعتبر نفسه بعيدا عن أي إيديولوجية، بل هو تنظيم مغربي في هويته ونشأته وأهدافه حسب خطاب الحزب السياسي، وشكل هذا الحزب الذي قيل بأنه تم التخطيط له وتأسيسه من طرف الملك الحسن الثاني ووزير الداخلية، الأساس البرلماني خلال سنوات ثمانينات القرن الماضي، ثم خفت نجمه خلال التسعينات وبداية الألفية الجديدة، قبل أن يعود مجددا إلى الساحة السياسية بقوة خلال انتخابات 2021 ويفوز بالانتخابات ويترأس الحكومة الحالية، التي أفرزت حاجة الدولة لنخب جديدة للمستقبل القريب والمتوسط والبعيد.

أوجه الشبه بين حركة “15 ماي“ بإسبانيا وحركة “جيل زد“ بالمغرب.. هل نشهد تأسيس حزب سياسي جديد؟
كان المغرب بعد عقود من هذه التجربة على موعد جديد مع حركة “20 فبراير” التي لم تعط نخبا جديدة لتأثيث المشهد السياسي المغربي، بل وقفت عائقا أمام مشروع حزب الأصالة والمعاصرة فقط، دون أن تعطي حزبا جديدا أو تجربة برلمانية جديدة، وبخلاف ذلك، خرجت حركة “15 ماي” في إسبانيا سنة 2011 والتي تبدو تجربة قريبة لمقارنتها مع حركة “جيل زد” هنا في المغرب، بعدما فشلت الحكومات الإسبانية في وقف الأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد منذ سنة 2008، تجمع الشباب في ساحة “بويرطا ديل صول”، حيث رفعوا شعار ضد البرلمان وصدحوا عاليا “نحن 99 في المائة من الإسبان لا يمثلنا البرلمان”، ومعنى هذا أن الأحزاب التقليدية في إسبانيا لم تعد تمثل الشعب، كما طالب المتظاهرون بإصلاح قانون الانتخابات الذي يقصي الأحزاب الصغيرة.
لكن نتائج انتخابات نونبر 2011 بإسبانيا كانت مفاجئة، حيث أن كل الشعارات كانت ضد الحزب الشعبي اليميني، وأعلن شباب “15 ماي” وقوفهم ضد هذا الحزب، إلا أن المفاجأة كانت أكبر، عندما فاز الحزب اليميني بأغلبية مطلقة وهي 186 مقعدا، وكان من نتائج ما مرت به إسبانيا هو ولادة حزب “بوديموس” الذي انتظر إلى سنة 2014 ليعلن عن تأسيسه، وكانت المفاجأة أنه خلال الانتخابات الأوروبية في نفس السنة، حصل الحزب على خمسة مقاعد في البرلمان الأوروبي، غير أن تأكيد قوة الحزب الجديد الذي أفرزته حركة “15 ماي” كانت في انتخابات 2015، حينما حصل الحزب على المرتبة الثالثة في الانتخابات التشريعية الإسبانية.
ما الذي ستفرزه انتخابات 2026 في المغرب ؟
قدمنا تجربتين: الأولى مغربية حصلت سنة 1977، عندما فرضت الدولة الأمر الواقع من خلال مساندة المترشحين المستقلين للفوز بأغلبية برلمانية، ثم تحول الأمر فيما بعد إلى حزب سياسي يقود الحكومة اليوم، أما حالة إسبانيا، فقد اقتضى الأمر تأسيس حزب سياسي جديد يعبر عن طموحات الشباب، لكنه لم يتصدر الانتخابات، إلا أنه ظل يشارك في الحكومة باستمرار.
غير أنه لا يمكن التكهن أو توقع شكل البرلمان المغربي القادم، إذ يبقى المؤكد هو أن إعلان الدولة عن دعم حملات الشباب في الانتخابات التشريعية القادمة، يعتبر إقرارا بعدم قدرة الأحزاب السياسية الحالية على استقطاب الشباب، كما أننا نؤمن بنظرية سياسية مطبقة في المغرب، وهي نظرية التحالف، حيث أن الدولة تتحالف مع حزب سياسي معين لتجاوز مرحلة معينة، إلا أنه يجب التنويه بأن الدولة استهلكت مختلف الأحزاب السياسية، وعليها إيجاد البديل للتحديات القادمة.. فهل بدأت الدولة فعليا في الإعداد لهذا الأمر ؟
لننتظر الانتخابات القادمة ونرى ماذا تحمله.



