تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | ثورة الملك والشباب

رسالة محمد السادس لـ"جيل Z"

نجح منتخب “جيل زد” الذي فاز يوم الأحد الماضي بنهاية كأس العالم للشبان، على فريق الأرجنتين، في جعل العالم ينتبه من جديد إلى بلد صاعد بقوة هو المغرب(..)، كما أن فوز المنتخب بهذا اللقب كان كفيلا بـ”دفن” الاحتجاجات المنسوبة لنفس الجيل(..)، بعد خروج المواطنين للشوارع من أجل الاحتفال وليس من أجل الاحتجاج، ذلك أن فرحة كرة القدم تفوق كل التوقعات، بل إن الصحافة العالمية بقيت مشدوهة أمام إنجازات هذا المنتخب، وأمام هذا الشارع الذي يحتفل تارة ويحتج تارة أخرى، وحتى صور القوات العمومية التي ظهرت وهي تمنع بعض المحتجين من الاحتجاج، غطت عليها صور رجال الأمن والقوات العمومية وهم يحتفلون في الشوارع إلى جانب المحتفلين..

إعداد: سعيد الريحاني

من الشارع إلى القصر الملكي، احتشدت الجماهير لاستقبال أبطال العالم، والمفاجأة كانت هي تكليف الملك محمد السادس لابنه ولي العهد بترأس حفل استقبال المنتخب الوطني للشبان، ليظهر في الصورة ملك المستقبل وجيل المستقبل وكأنهما ثورة للملك والشباب(..)، وقد كانت الفرحة فرحتان، فرحة بالكأس وفرحة بتخصيص أكبر ميزانية للصحة والتعليم، وهما المطلبان الأساسيان لـ”جيل الشباب”، فالمعركة اليوم وفي المستقبل هي معركة بناء الإنسان المغربي الجديد(..).

تتمة المقال تحت الإعلان

في المغرب، هناك شباب احتجوا وطالبوا بالصحة والتعليم، ثم دخلوا لبيوتهم آمنين، باستثناء من تورطوا في أحداث الشغب والتخريب(..)، وفي نفس البلد أيضا، وخلال نفس الأيام، خرج آلاف المتظاهرين في مختلف المدن المغربية للاحتفال بنجاح المنتخب المغربي في تحقيق الفوز بكأس العالم، عقب ليلة بيضاء(..)، وفي نفس التوقيت تقريبا، يترأس الملك محمد السادس، وإلى جانبه ولي العهد مولاي الحسن، حفل تدشين المركب الصناعي الجديد لمحركات الطائرات التابع لمجموعة “سافران” الفرنسية، والذي أقيم في النواصر، وهو المشروع الذي يمثل ((جزء من الرؤية الملكية لتطوير الصناعة الوطنية، من خلال نقل التكنولوجيا المتقدمة، وتأهيل الكفاءات المغربية، وإدماج المملكة في سلاسل الإنتاج العالمية، لتصبح ضمن الدول القليلة القادرة على تصنيع وتجميع محركات الطائرات، إلى جانب الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والصين وبولندا)).. وقبلها أعلنت إدارة الدفاع الوطني ووزارة الدفاع الهندية، وكذا شركة “تاتا أدفنسد سيستمز ليميتد” (TATA Advanced Systems Limited)، عن تدشين مصنع “تاتا أدفنسد سيستمز-المغرب” (TASM)، في برشيد، بتوجيهات ملكية، وهو ما سيمكن من إنتاج المركبات المدرعة القتالية WhAP 8×8 لفائدة القوات المسلحة الملكية، وكذلك للأسواق الدولية ذات فرص النمو العالية..

تتمة المقال تحت الإعلان

هكذا إذن، يتحرك المغرب من أجل السلام، ومن أجل التنمية، ومن أجل الحرب في نفس الوقت(..)، وكل التحركات التي تحاكي تطلعات “جيل زد”، تعطي فكرة عن ذلك المغرب الذي سيقوده مولاي الحسن مستقبلا (الحسن الثالث)، بعد عمر مديد لوالده الملك محمد السادس، وكما هي عادة الملوك، فإن التجاوب مع المطالب الشعبية في دولة يفترض أن تنتقل إلى منطق المؤسسات(..)، لا يكون برد الفعل(..)، لذلك جاءت إشارة التفاعل الملكي مع احتجاجات الشباب في خطاب افتتاح السنة التشريعية الأخيرة في البرلمان، وهو الخطاب الذي فهم منه توجيه للجميع نحو ضرورة التغيير عبر صناديق الاقتراع(..)، قبل أن تأتي الإشارة الكبرى، يوم الأحد الماضي، بعد عقد مجلس وزاري حاسم تضمن توجيهات صارمة فيما يخص قانون المالية، وتغييرا استراتيجيا في ميزانية المغرب، حيث تم رفع ميزانية الصحة والتعليم بشكل غير مسبوق إلى رقم مهول تداولته الصحافة العالمية بشكل كثيف، وهو 15 مليار دولار(..).

شرطي يحتفل مع المواطنين بمناسبة فوز المنتخب المغربي للشبان بكأس العالم

دون كثرة كلام.. تضمن المجلس الوزاري إشارات سياسية للشباب، وهو ما تؤكده المصادقة على مشروعي قانونين تنظيميين يتعلقان بمجلس النواب وبالأحزاب السياسية، حيث حرص المجلس الوزاري على: ((تحفيز الشباب الذين لا تفوق أعمارهم 35 سنة، على ولوج الحقل السياسي، ويتوخى هذا المشروع مراجعة شروط ترشحهم وتبسيطها، سواء في إطار التزكية الحزبية أو بدونها، وإقرار تحفيزات مالية مهمة لمساعدتهم على تحمل مصاريف الحملة الانتخابية، من خلال منحهم دعما ماليا يغطي 75 % من مصاريف حملاتهم الانتخابية))، حسب بلاغ للديوان الملكي، علما أن الشق السياسي من اجتماع المجلس الوزاري، حرص على التأكيد على أن ((مشروع القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، يهدف إلى تخليق الاستحقاقات التشريعية المقبلة وضمان سلامتها، وإفراز نخب تحظى بالشرعية والثقة، وذلك من خلال تحصين الولوج إلى المؤسسة النيابية في وجه كل من صدرت في حقه أحكام يترتب عليها فقدان الأهلية الانتخابية، واعتماد الحزم اللازم لاستبعاد كل من تم ضبطه في حالة التلبس بارتكاب أي جريمة تمس بسلامة العمليات الانتخابية، علاوة على تشديد العقوبات المقررة لردع كل المحاولات التي قد تستهدف سلامة العمليات الانتخابية في جميع أطوارها.. وفيما يخص مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية، فيهدف بالأساس إلى تطوير الإطار القانوني المنظم لها، ووضع القواعد المساعدة لتعزيز مشاركة النساء والشباب في عملية تأسيس الأحزاب، وكذا تحسين حكامتها، وضبط ماليتها وحساباتها، في أفق تأهيل العمل الحزبي ببلادنا، ليواكب التطورات المتسارعة التي يشهدها المجتمع المغربي)).

خلاصة القول: إن المجلس الوزاري فرض إصلاحات سياسية، وفرض تأهيل الحقل الحزبي لمواكبة التغيرات المجتمعية(..)، كما أن مشروع قانون المالية كما أشر عليه المجلس الوزاري، تفاعل بشكل أو بآخر مع مطالب “جيل زد”، الذي ساهمت نتائجه، سواء في كرة القدم أو في الصحة والتعليم، على رسم معالم مغرب المستقبل، مغرب الحسن الثالث(..)، وهو ما تؤكده الأولويات الأربع التي تضمنها مشروع قانون المالية لسنة 2026، وهي:

– أولا: توطيد المكتسبات الاقتصادية لتعزيز مكانة بلادنا ضمن الدول الصاعدة: من خلال تحفيز الاستثمارات الخاصة، سواء منها الوطنية أو الأجنبية، والإسراع بالتنزيل الفعال لميثاق الاستثمار، وتفعيل عرض المغرب للهيدروجين الأخضر، والتحسين المستمر لجاذبية مناخ الأعمال، وتقوية الشراكة المبتكرة بين القطاعين العام والخاص، إضافة إلى تنويع مصادر تمويل الاقتصاد.
وسيتم إيلاء عناية خاصة للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، التي تُعتبر من أهم مصادر التشغيل في النسيج الإنتاجي الوطني، لا سيما عبر تفعيل آلية جديدة للمساعدة التقنية، والدعم المالي لاستثماراتها، لفائدة إحداث مناصب الشغل وتحقيق العدالة المجالية.
وفي نفس الإطار، سيتم تكثيف الجهود لإدماج الشباب والنساء في عالم الشغل، وكذا لتقليص أثار الجفاف على التشغيل بالمجال القروي، بالإضافة إلى مواصلة برنامج دعم مربي الماشية وإعادة تشكيل القطيع الوطني؛

القوة الناعمة.. جماهير أمريكا اللاتينية تشجع المنتخب المغربي

– ثانيا: إطلاق الجيل الجديد من برامج التنمية المجالية المندمجة: من خلال التركيز على ترصيد الخصوصيات المحلية، وتعزيز الجهوية المتقدمة، وعلى مبدأ التضامن بين المجالات الترابية، وسيتم إعدادها بناء على تشاور موسع مع مختلف الفاعلين المعنيين على المستوى الترابي، مع إعطاء الأولوية لإحداث مناصب الشغل للشباب، والدعم الفعلي لقطاعات التربية والتعليم، والصحة، إضافة إلى التأهيل المجالي.. وسيتم إعطاء عناية خاصة في هذا الإطار للمناطق الأكثر هشاشة، خاصة مناطق الجبال والواحات، وللتنمية المستدامة للسواحل الوطنية، وكذا لتوسيع نطاق البرنامج الوطني لتنمية المراكز القروية الصاعدة..

ومن جهة أخرى، وتنفيذا للتوجيهات الملكية السامية، سيتم التركيز خلال سنة 2026، على تعزيز المجهود الميزانياتي المخصص لقطاعي الصحة والتربية الوطنية، ليصل إلى غلاف مالي إجمالي يقدر بـ 140 مليار درهم، بالإضافة إلى إحداث أزيد من 27.000 منصب مالي لفائدة القطاعين. وهكذا، وبالنسبة لقطاع الصحة، سيتم التركيز على تحسين العرض الخاص بالبنيات التحتية الصحية، وذلك من خلال افتتاح المركزين الاستشفائيين الجامعيين بكل من أكادير والعيون، واستكمال أشغال بناء وتجهيز المركز الاستشفائي ابن سيناء بالرباط، ومواصلة أشغال بناء المراكز الاستشفائية الجامعية بكل من بني ملال وكلميم والراشيدية، إضافة إلى إطلاق عملية تأهيل وتحديث 90 مستشفى؛

– ثالثا: مواصلة توطيد أسس الدولة الاجتماعية: من خلال مواصلة تنزيل الورش الملكي لتعميم الحماية الاجتماعية، ومواصلة تفعيل برنامج الدعم الاجتماعي المباشر لفائدة 4 ملايين أسرة، مع الرفع من القيمة الشهرية لإعانات الأطفال بمبالغ تتراوح بين 50 و100 درهم لكل طفل من الأطفال الثلاثة الأوائل، مع تفعيل الإعانة الخاصة بالأطفال اليتامى والأطفال المهملين نزلاء مؤسسات الرعاية الاجتماعية؛

– رابعا: مواصلة الإصلاحات الهيكلية الكبرى والحفاظ على توازنات المالية العمومية: لاسيما من خلال إصلاح القانون التنظيمي لقانون المالية، الذي يجسد تحولا عميقا في نموذج حكامة السياسات العمومية، ويتجه بشكل أكبر نحو المساءلة وتحقيق النتائج، إضافة إلى تكريس الالتقائية والتوطين المجالي لتدبير هذه السياسات.. كما سيتم الحرص على التسريع بإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، من خلال مواصلة إعادة هيكلة المحفظة العمومية، وتحسين مردوديتها، إضافة إلى تعزيز نجاعة استثماراتها، وفق منظور للتوزيع المجالي المتوازن، إضافة إلى مواصلة إصلاح المنظومة القضائية وتحديثها، بهدف تقريب العدالة من المواطن، وتعزيز جاذبية مناخ الأعمال)) (المصدر: بلاغ الديوان الملكي).

بين المشاريع السياسية والمشاريع التنموية التي تهم مستقبل دولة صاعدة بقوة، وبين مجتمع متحرك(..)، تحتل كرة القدم مكانة متميزة في الإشعاع الوطني هذه الأيام، وتقدم خدمة غير مسبوقة للمغرب.. من كان يتصور أن تتحالف كل شعوب ودول أمريكا اللاتينية لمساندة المنتخب الوطني ضد الأرجنتين؟ أليس هذا الأمر نجاحا دبلوماسيا؟ ماذا لو أصبحت كرة القدم قاطرة للتنمية في إطار ما يعرف بـ”اقتصاديات كرة القدم”، حيث أن ما يخسره المغرب اليوم من ملايير سيجني أضعافه مستقبلا ؟

إن ظاهرة “الاقتصادات الكروية” معروفة عالميا، وتدعو إلى التأمل، ذلك أن ((كرة القدم لم تعد مجرد لعبة ترفيهية تُمارس على المستطيل الأخضر، بل أصبحت صناعة كبرى تدرّ المليارات وتعزز صورة الدول ومكانتها في العالم؛ ففوز الفريق الوطني المغربي للشباب ليس إنجازا رياضيا عابرا.. لقد جعل هذا الإنجاز التاريخي من المغرب موضوعا عالميا في محركات البحث ووسائل الإعلام، حيث أصبحت كلمة المغرب من أكثر الكلمات تداولا على “غوغل” في تلك الفترة، دلالة على حجم الإشعاع الذي تحقق للمملكة بفضل الرياضة.. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن كرة القدم تساهم بما يقارب 2 في المائة من الناتج الداخلي الخام في الدول التي جعلت منها صناعة حقيقية.. ففي إنجلترا مثلا، تدر صناعة كرة القدم أكثر من 11 مليار جنيه إسترليني سنويا وتخلق فرص عمل في الإعلام والسياحة والتسويق، أما في إسبانيا، فإن كرة القدم تمثل حوالي 1.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بفضل أندية مثل ريال مدريد وبرشلونة، والتي أصبحت علامات تجارية عالمية، وفي ألمانيا، تجاوزت المداخيل الكروية ثمانية ملايير يورو سنويا بفضل التنظيم والكفاءة في التكوين، فيما تحولت البرازيل إلى أكبر مصدر للمواهب الكروية في العالم بأكثر من عشرين ألف لاعب محترف خارج البلاد يدرون عملة صعبة على الاقتصاد الوطني، كما تعد فرنسا نموذجا في استثمار الأكاديميات الرياضية لتكوين لاعبين كبار مثل مبابي وبنزيما، وهو ما جعل كرة القدم فيها قطاعا اقتصاديا قائما بذاته)) (المصدر: مقال للباحث والمؤرخ عبد الله بوصوف).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى