الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | المغاربة والحرب الطاحنة ضد الاستعمار

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 139"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

عندما كان الملك المقدس، المرحوم محمد الخامس، يتقبل قضاء الله ويغادر عرشه وقصره في ظهيرة يوم 20 غشت 1953، ومعه أفراد أسرته، وهم في حالة اعتقال متعرضين لجزئيات من التنكيل الذي لم تنشر أسراره، منقولين إلى مطار الرباط لامتطاء طائرة بالية في اتجاه المجهول، لمجرد أن ملك المغرب رفض الإذعان لعجرفة الجنرال الفرنسي غيوم، وأصر على حق شعبه في الحرية والاستقلال، فإنما كان التاريخ في تلك اللحظات الحاسمة، القاتمة في أذهان الشعب المغربي، يعيد نفسه.

تتمة المقال تحت الإعلان

لأنه في نفس الشهر وفي نفس الظروف – 13 غشت سنة 1912 – كان الملك المقدس المرحوم مولاي حفيظ يغادر نفس القصر منقولا إلى ميناء الرباط لامتطاء باخرة “دوشايلا”، المستعملة لنقل البضائع، لتنقله في اتجاه المجهول هو أيضا، لمجرد أنه رفض الإذعان لعجرفة الجنرال ليوطي.

لم يكن التاريخ يعيد نفس الأحداث التي كان بطلاها ملكان عظيمان من ملوك الفتح الإسلامي بالمغرب، وإنما كان الجنرال غيوم سنة 1953 يمارس نفس حماقة الجنرال ليوطي سنة 1912.

فقد كان ليوطي – وليس بالموافقة التامة للحكومة الفرنسية – يريد إبعاد النار عن البنزين حتى لا يلتهب المجد الفرنسي بعد ما سمي بإمضاء عقد الحماية، مثلما كان غيوم – وليس بالموافقة التامة للحكومة الفرنسية – يريد إبعاد الروح عن الجسد حتى لا يعود المجد الفرنسي للاحتراق بعد مطالبة الملك محمد الخامس بإلغاء ذلك العقد، ولكن نفس التاريخ شاهد على خطأ الجنرالين.

وإن كان الأمر يتعلق بقصر ذاكرة الجنرال الثاني، وقصر نظر الجنرال الأول، فلأن الحاكمين الفرنسيين الكبيرين كانا ضحيتين لسقوطهما في شرك النسيان بدون شك.

نسي الأول، ليوطي، أن هناك شيئا اسمه الشعب المغربي بعدما أيقن بصحة هذه الظاهرة نتيجة الاحتلال الفرنسي للجزائر منذ سنة 1830، ولم يكتشف الحقيقة إلا عندما كتب قبل موته، أنه أخطأ بعدما شحن تاريخ الاحتلال الفرنسي بالأكاذيب، وزور ضباطه في الاستخبارات واقع المغرب منذ سنة 1912، فوصفوا المجاهدين بقطاع الطرق، ووصفوا الثورة بالسيبة، وفيهم من كتب أنه بحث طويلا عن شيء اسمه ردة الفعل المغربية، فلم يجدها، رغم أن أغلبهم كانوا، وهم يبحثون عن ردة الفعل تلك، يتعثرون في جثث آلاف القتلى الفرنسيين على أرض المغرب.

وجاء الثاني، غيوم، ليصدق أكاذيب الأول، ليوطي، فكانت تلك غلطته الكبرى التي دفع ثمنها غاليا سنتين ونصف من بعد فقط.

ولكن مهما كانت ضخامة أجهزة ليوطي وعبقريته في مسخ التاريخ المغربي بعد سنة 1912، وتهافت فلاسفته على خلط الأوراق، وتزوير الخرائط، ومحو الآثار، وتدجيل عمالقة الجهاد، فإنه ليس من حق أي مغربي مهما كان انتماؤه، أن يسقط في فخ ليوطي.

وكم هو مؤسف أن ذلك هو ما حصل، زادته تزكية رغبة بعض السياسيين المغاربة سنة 1953 في تبني الجهاد والوطنية وحصر الأحداث السابقة في تاريخ مغلوط كتبه ليوطي وصدقه غيوم منطلقا من ربط أحداث سنة 1953 بما يسمى بالمطالب المستعجلة وعريضة الاستقلال، وكأن لا شيء قبلها.

وهذا الحصر من الجانب المغربي ليس في الواقع إلا تقصيرا وظلما وتجنيا وإجحافا وخطئا في حق تلك الأكوام المتراصة من الشهداء المغاربة الذين سقطوا على أرصفة التاريخ المغربي منذ سنة 1912، وقبل سنة 1912.

وليس الأمر متعلقا من طرفي بمبالغة في أهمية حركة “الجهاد” المنطلقة سنة 1912، ولا تقصيرا في عظمة الحركة السياسية سنة 1944، وإنما يتعلق الأمر بتاريخ “الجهاد العسكري” الذي أهمله تاريخ “الجهاد السياسي”.

ولا ينطبق تعبير الإهمال على هذا الإجحاف، فإنصاف الجهاد السياسي يحتم علينا تسمية الإهمال بالانشغال، جبرا لخواطر من لا زالوا يستمدون أمجادهم من سنة 1944 أو من سنة 1936، وأقف هنا وقفة تقدير وإكبار لروح واحد منهم، هو المرحوم محمد بن الحسن الوزاني، الذي جاهد وناضل وخاض “حرب القلم”، لكنه التقى معي في هذه المؤاخذة واعترف بها عندما كتب مجلدات عن أمجاد الوطنية التي تنطلق من سنة 1936، لكنه اعترف بأنه لم يكتب عما سبقها من سنة 1912 إلى سنة 1936 فكتب (في الجزء المخصص من كتابه “حياة وجهاد”) عن طور “المخاض والنشوء”، اعترافه الصريح بهذه العبارات: ((وما أجدر الباحثين والمؤرخين المغاربة خاصة(…)، بأن ينكبوا على دراسة سجلات المقاومة المغربية ضد الاحتلال منذ أن اعتدت قواته على المغرب من سنة 1896 إلى سنة 1936، حتى تبقى عبرة خالدة على مر العصور وترويها الأجيال ما تعاقبت تعاقب الدهور والقرون، فهي مفخرة لا للأمة المغربية وحدها، بل للإنسانية جمعاء ضد الغزو والعدوان)).

إننا نقرأ بين الفينة والأخرى، وفي إطار حملات موسمية، إعادات مكررة وسردا معادا لذكريات بعض الملاحم التي كادت كل الاهتمامات بها أن تحصرها في معركة “بوغافر” وملحمة “موحا وحمو” وبطولات زعيم الريف.

ولكن الواقع، هو أن الأمر لا ينحصر في ثلاثة معارك ارتبطت بثلاثة أبطال، وإنما يتعلق بحرب طاحنة ضد الاحتلال الأجنبي، يجب أن يكون التذكير بها درسا لكل من يحلم بغزو المغرب أو يستهين بشعب المغرب، حرب خاضها المغاربة قاطبة من تطوان إلى الحدود الشنقيطية، ومن مصب نهر ملوية إلى تخوم الصحراء الشرقية، وعبر خط معاكس من وجدة إلى السمارة، وخط عكسي من طنجة إلى تندوف، أما تسميتها بـ”الحرب” فهو منتهى التقصير في اختيار التعبير، وقد لا تفهم القارئة الكريمة أو القارئ الكريم مدلول هذا “التقصير” إلا عندما يقرؤون بين دفتي هذه الحلقات، أول سرد إضافي مدقق مكتوب بأسلوب المحضر البياني، بأسماء المواقع وتواريخها باليوم والشهر والسنة، وأسماء القبائل التي خاضت المعارك، وأسماء قادة الجهاد، إضافة إلى كشف مدقق بأسماء الضباط الفرنسيين والإسبانيين القتلى وهم بالمئات، وأدعو للقراء والقارئات بالصبر والأناة حتى يقرؤوا تاريخ أول حرب في تاريخ العالم دارت بين شعب أعزل مسلم مسالم، كان هادئا مطمئنا إلى أن هبت قبائله كبيرها وصغيرها، عربيها وبربريها، سوسيها وريفيها، صحراويها وفيلاليها، في جبال المغرب وفي سهوله، في وديانه وفي بطاحه.. لتخوض حربا طوعية اختيارية بديهية ضد الأجنبي، حربا إسلامية ضد الكفر الذي جاء بطائراته ودباباته ومدافعه ليفرض الغلبة على العرب والمسلمين.

حرب دامت من سنة 1896 إلى سنة 1936. إذن، تعدت حرب الثلاثين سنة التي طفحت بها أكيال مجلدات التاريخ الأوروبي، وتعدت في طولها الحرب العالمية الأولى والثانية، وتعدت حرب الفيتنام، لتبقى الحروب الظرفية أمامها صغيرة في حجمها وشراستها وطولها وقسوتها.

وحتى يمكن وضع القارئ في عمق الصورة، أبادر بسؤال القراء الكرام، عن أي حرب خاضتها أي دولة في التاريخ بهذا الجيش العرمرم من الجنرالات الذين تهافتوا على المغرب لمحاصرة الجهاد المغربي وتطويق الرفض المغربي للاستسلام ؟

هذا الاستسلام الذي كان غاية الجيوش الفرنسية، فنجد الجنرال غيوم الذي كان ضابطا هو أيضا في هذه الحرب، قبل أن يصبح منفذا لمخطط إبعاد الملك المرحوم محمد الخامس يكتب عن هذه الحرب: ((إن كل قبيلة لم تستسلم لنا عن طواعية وبدون قتال، ولا دون أن تستنفذ آخر ما لها من طاقات في مقاتلتنا)).

وربما يساعد الاطلاع على لائحة بأسماء الجنرالات الفرنسيين والإسبان، وعددهم 93، الذين خاضوا المعارك بالمغرب من سنة 1912 إلى سنة 1936، على تقدير ضخامة هذه الحرب، لتتجلى ضراوتها بالنسبة لأي حرب كبرى.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى