ملف الأسبوع | ما نصيب قضية الصحراء من خطة ترامب للشرق الأوسط الجديد ؟
منذ مدة ونحن نسمع عن تحولات متسارعة يعرفها العالم بقوة، ويخرج الزعماء الكبار ليعلنوا أن العالم الآن قد تغير وسيأخذ مجرى آخر.. ولعل هذا الخطاب قد تكرر خلال فترة “كورونا” أواخر سنة 2019 وبداية سنة 2020، وفعلا شهدنا تغيرا ملموسا على مستوى العلاقات الدولية، ومؤخرا، حل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتل أبيب، قبل وصوله إلى شرم الشيخ المصرية، وقال في خطاب، ربما سيصبح تاريخيا، أمام الكنيست الإسرائيلي، مخاطبا إسرائيل ودول الشرق الأوسط، أن العالم يشهد اليوم “الفجر التاريخي للشرق الأوسط الجديد”، وطالب بالعمل على تحقيق “السلام والازدهار لمنطقة الشرق الأوسط بأكملها”، بينما تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بـ”تحقيق السلام وفقا لرؤية ترامب”، وأضاف ترامب، أن “الأجيال القادمة ستتذكر هذه اللحظة باعتبارها اللحظة التي بدأ فيها كل شيء يتغير.. ويتغير كثيرا للأفضل”.. فهل المغرب معني بهذا التغيير، خاصة وأن مفهوم الشرق الأوسط في الجغرافية السياسية الأمريكية، يعني الامتداد الجغرافي من المغرب إلى أفغانستان، بمعنى آخر، كل الدول الإسلامية؟ وما نصيب المغرب منه، وخصوصا قضية الصحراء ؟
أعد الملف: سعد الحمري
الشرق الأوسط بعد حرب أكتوبر 1973 ومأزق الصحراء
عادة ما كان للمغرب نصيب، سواء أكان إيجابا أو سلبا، من كل التغيرات الكبرى التي شهدها العالم، وخصوصا ما يتعلق بقضية الصحراء، فبداية من سنة 1975، عندما شهد العالم تغييرا جذريا كبيرا، وخصوصا الشرق الأوسط، كانت قضية الصحراء في بداياتها الأولى.. فقد خرج الشرق الأوسط يومها من أزمة كبرى وهي حرب أكتوبر 1973، بين الدول العربية وإسرائيل المدعومة من أمريكا، التي كان من نتائجها انتصار العرب، ثم في تغيير دراماتيكي، وقعت مصر معاهدة السلام مع إسرائيل سنة 1977، والتي نزعت عنها صفة الزعامة العربية، وبالتالي برزت نتائج جديدة وهي تراجع مصر كزعامة كبيرة للعرب، مقابل بروز الجزائر كدولة جديدة تبحث عن الزعامة في الشرق الأوسط، وقد رسخت نفسها كقوة داخل دول عدم الانحياز، التي كان صوتها قويا داخل هيئة الأمم المتحدة في تلك الفترة، وأصبحت بحق قوة دولية كبرى داخل أروقة هيئة الأمم المتحدة، وبالتالي، كان لذلك انعكاس كبير على قضية الصحراء المغربية في مهدها، حيث استغلت الجزائر وزنها الدولي من أجل عرقلة المغرب لضم الصحراء وغلق الملف بصفة نهائية.
كما كان من نتائج حرب أكتوبر 1973، دخول أمريكا في أزمة داخلية جعلتها تحجم لفترة عن الاهتمام بالمشاكل الخارجية مقابل الاهتمام بقضاياها الداخلية، وقد أثر الأمر بشكل كبير على المغرب، الذي كان يعول كثيرا على المساعدات العسكرية الأمريكية من أجل الاستمرار في حرب الصحراء، إلا أن هذه الأخيرة تخلت عنه لمدة أربع سنوات متتالية من سنة 1977 إلى 1981، ورفضت تزويده بالسلاح مخافة إثارة غضب الجزائر، الأمر الذي منع المغرب من تحقيق انتصار عسكري سريع وبسط نفوذه على الأرض، ووجد نفسه أمام أفق مسدود نتيجة التغيرات التي شهدها العالم في تلك الفترة، حيث كاد أن يفقد الصحراء، إذ كانت الموضة المتحكمة في هيئة الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية هي حق الشعوب في تقرير مصيرها، بالموازاة مع موجة من حركات استقلالية جديدة همت المستعمرات البرتغالية والإسبانية، وهو ما جعل المغرب يرضخ لضغوط الجزائر داخل أروقة هيئة الأمم المتحدة، حتى أعلن موافقته على مبدأ تنظيم الاستفتاء في الصحراء، الذي كان يرفضه تماما وظلت ترفضه أحزاب المعارضة، وخصوصا حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ودخل المغرب بذلك في مرحلة من الشك استمرت عقدا كاملا امتد من سنة 1981 إلى سنة 1991.

نهاية الحرب الباردة والانفراج الكبير في قضية الصحراء
كانت سنة 1991 شاهدة على تطور ومنعطف عالمي جديد، حمل معه تغييرا على جميع الأصعدة والمستويات.. فقد شهد العالم نهاية مرحلة وبداية أخرى، وهي تفكك الاتحاد السوفياتي، الذي كان يعني نهاية الحرب الباردة وبداية نظام عالمي جديد وهو نهاية القطبية الثنائية وبداية عصر القطبية الأحادية، أي الهيمنة الأمريكية، وقد كان لهذه التحولات انعكاس مباشر وقوي على الصراع في الصحراء، حيث استفاد منه المغرب الذي كان في صف المعسكر الغربي المنتصر من طبيعة الحال، وكان الخاسر هو الجزائر التي كانت في صف المعسكر الشرقي، حيث خسرت نفوذها داخل أروقة الأمم المتحدة.
وقد انتهى المطاف بالجزائر إلى الرضوخ للضغوط الأمريكية والعربية بإعادة العلاقات مع المغرب وفتح الحدود مجددا والدخول في تعاون اقتصادي، توج سنة 1989 بإطلاق خط أنبوب الغاز المتوسطي المار عبر المغرب إلى إسبانيا، كما شكل ضعف الجزائر نقطة تحول عندما تم التوقيع على معاهدة تقضي بوقف الحرب في الصحراء بين المغرب وجبهة البوليساريو سنة 1991، والمضي في مسلسل تنظيم الاستفتاء، الأمر الذي أدى بكل من المغرب والجزائر إلى التفرغ للاهتمام بالمشاكل الداخلية التي كانت كبيرة في كلا البلدين اللذين أنهكتهما الحرب، حيث دخلت الجزائر في أزمة سياسية واقتصادية عرفت بـ”العشرية السوداء”، مقابل اقتراب المغرب مما يعرف بـ”السكتة القلبية”.
وبما أن العقد الأخير من القرن العشرين كان بمثابة فرصة لإعادة تشكيل وإصلاح الأنظمة السياسية والاهتمام بالمشاكل الداخلية، فقد دخل البلدان في سلسلة إصلاحات كبرى، توجت بحكومة التناوب في المغرب وصعود عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر، والذي كان عليه شبه إجماع في الجزائر كرجل المرحلة.. فقد شهت العلاقات بين البلدين خلال العقد الأول من الألفية الجديدة تقاربا، بينما ظل ملف الصحراء يراوح مكانه، حتى طرح المغرب خيار الحكم الذاتي في الصحراء سنة 2007، والذي شكل منعطفا جديدا، حيث عمل المغرب منذ تلك السنة على إقناع المنتظم الدولي بجدواه، في حين ظلت الجزائر متشبثة بضرورة تنظيم الاستفتاء في الصحراء كحل أول وأخير.
وباء “كورونا” وبداية عهد جديد..
ثم كان العالم على موعد مع منعطف جديد، ويتعلق الأمر بجائحة فيروس “كورونا”، الذي دفع الرئيس الأمريكي إلى التصريح بأن العالم بعد نهاية أزمة “كوفيد” لن يعود كما كان، بل سيشهد تغيرات كبرى، وقد بدأت أولى النتائج على الصعيد العالمي بنشوب حروب غيرت العالم من جديد، من خلال الحرب الروسية-الأوكرانية، التي أدت إلى رفع أثمان بعض المواد الحيوية بشكل صاروخي، ومنها الحبوب والبترول، مما جعل العديد من الدول تذهب إلى إعادة ترتيب أوراقها، كما ظهر توجه جديد، وهو بداية تحالفات كبرى، حيث بدأ الحديث عن خفوت أوروبا على الساحة الدولية وفقدان دول كفرنسا لنفوذها في إفريقيا لصالح أمريكا وإسرائيل.
وقد كان لهذه التحولات تأثير مباشر على المغرب، فخلال عز أزمة “كورونا”، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على قرار رئاسي أمريكي يقضي باعتراف أمريكا بمغربية الصحراء مقابل تطبيع المغرب مع إسرائيل، في ظل الحديث عن “شرق أوسط جديد” وتبع ذلك عودة ملف قضية الصحراء بقوة على الصعيد الدولي، حيث حظي مقترح الحكم الذاتي بدعم قوى كبرى على غرار إسبانيا القوة الاستعمارية السابقة، وألمانيا، إضافة إلى بريطانيا العضو الدائم في مجلس الأمن، في حين أقرت فرنسا بمغربية الصحراء ودعمها لمخطط الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية للمملكة، وتبعت ذلك موجة كبرى من دعم عدة دول إفريقية كانت معقلا لجبهة البوليساريو، لمخطط الحكم الذاتي، على غرار كينيا، وكذلك الحال في أمريكا اللاتينية التي كانت قلعة حصينة للبوليساريو والجزائر، إلى جانب عدة دول أوروبية أعلنت دعمها داخل أروقة الأمم المتحدة لمخطط الحكم الذاتي كحل عملي لإنهاء هذا النزاع الذي عمر طويلا، امتد لمدة نصف قرن.

“الشرق الأوسط الجديد”.. إلى أين تذهب قضية الصحراء ؟
إن حال اليوم يشبه نهاية الحرب الباردة على المستوى الداخلي للبلدين، فالجزائر تعاني من مشاكل داخلية تجلت بوضوح من خلال وقوف الجزائريين في طوابير طويلة من أجل الحصول على بعض المواد الاستهلاكية الأساسية، وأصبح الوضع الاجتماعي الداخلي ينذر باندلاع أزمة اجتماعية واقتصادية في أي لحظة، مما وضع البلاد أمام ضرورة الاهتمام بشؤونها الداخلية أكثر من التركيز على ملف الصحراء وجعله أولوية داخلية، أما المغرب، فقد ركز منذ نهاية أزمة “كورونا” على إعطاء الأولوية لملف الصحراء، حتى حققت البلاد نتائج مبهرة تمثلت في إقناع دول عظمى بجدوى مخطط الحكم الذاتي، غير أن ما قابله على الصعيد الداخلي، هو ارتفاع نسبة البطالة وسط الشباب وبروز أزمة تدني الخدمات الصحية وأزمة جودة التعليم، مما أدى إلى خروج احتجاجات “جيل زد”، الأمر الذي كان بمثابة “قرصة أذن” للدولة بضرورة إعطاء أهمية كبرى للوضع الداخلي وضرورة معالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية ومنحها مساحة أكبر من التفكير.
واليوم، خطب الرئيس الأمريكي أمام الكنيست بأنه يريد وبوضوح شرقا أوسط مزدهر اقتصاديا وخالي من المشاكل، ومعنى المشاكل ليس فقط الصراع العربي الإسرائيلي، بل حتى المشاكل بين دول الشرق الأوسط مع بعضها، حتى أنه لمح إلى إمكانية فرض السلام بالقوة، ومنذ مدة تحاول أمريكا التدخل في ملف الصحراء من أجل طيه نهائيا، في إطار “الشرق الأوسط الجديد”، إلا أن الجزائر ترفض بشكل قاطع الرؤية الأمريكية، غير أن ما يمكن ملاحظته من تطورات متسارعة بالموازاة مع هذا المستجد الدولي، هو ظهور بوادر توافق دولي شامل على مبادرة الحكم الذاتي، بداية من الحديث منذ أشهر عن وجود توجه أمريكي فرنسي لتقليص دور مهمة “المينورسو” في الصحراء والتوجه إلى بعثة جديدة يكون دورها مراقبة تطبيق الحكم الذاتي، إضافة إلى وجود خطوات عملية منها توقيع المغرب والاتحاد الأوروبي على اتفاقية فلاحية جديدة تشمل المنتجات الفلاحية والبحرية القادمة من الصحراء، وهو ما يشكل إشارة ضمنية لاعتراف الاتحاد الأوروبي بمغربية الصحراء.
وإلى جانب ذلك، وفي تطور مثير، خرجت روسيا وعلى غير المألوف، بأول موقف لها من الطرح المغربي المتمثل في الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية، حيث صرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، بأن بلاده مستعدة للترحيب بمخطط الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب لتسوية هذا النزاع ومباركته باعتباره أحد أشكال “تقرير المصير”، شريطة أن يتم ذلك عبر اتفاق جميع الأطراف وتحت إشراف أممي، كما أكد رئيس الدبلوماسية الروسية، الذي كان يتحدث في لقاء صحافي عقده مع ممثلي وسائل الإعلام من الدول العربية في موسكو، أن الموقف الروسي تجاه قضية الصحراء يرتكز على قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، مشيرا إلى أن بلاده “تدعم تقرير المصير عبر الجلوس إلى طاولة الحوار، وليس من خلال إجراءات أحادية”، وفق تعبيره، مضيفا أن “قضية النزاع حول الصحراء كانت مطروحة على الطاولة منذ خمسة عقود، وكان الحل المطروح حينها لتسويتها، هو خيار الاستفتاء، غير أن الواقع تغير لاحقا”، مشددا على أن “مخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب يمكن أن يكون حلا ناجحا إذا حظي بموافقة الأطراف المعنية وأشرفت عليه هيئة الأمم المتحدة”.
لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار هذه التصريحات والتحولات بأنها عادية ونتيجة تصفية حسابات هامشية أو ضغط روسي على الجزائر، بل إن الوضع أعمق وينذر بأن شيئا ما يطبخ في الكواليس يتعدى مجرد حرب تصريحات بكثير.. فقبل أيام حل بالمملكة المغربية مبعوث شخصي للملك السعودي حاملا رسالة شفوية واستقبله الملك محمد السادس بالدار البيضاء، ولم يعلن عن فحوى الرسالة، غير أن الكثير من وسائل الإعلام أعلنت أن الأمر يتعلق بوساطة سعودية بين المغرب والجزائر، خاصة وأن نفس المبعوث، وهو الأمير تركي بن محمد بن فهد بن عبد العزيز آل سعود، كان قد حل بالجزائر قبل المغرب.
غير أنه ورغم كل هذه التحولات، تظل الجزائر تصر على أنها لا تقبل غير حل الاستفتاء لتقرير المصير الغير قابل للتصرف، وهو ما جدد الرئيس الجزائري التأكيد عليه بالتزامن مع توقيع اتفاق شرم الشيخ، في إشارة إلى أن الجزائر ترفض الرؤية الأمريكية الجديدة للشرق الأوسط.. فهل تلجأ أمريكا إلى فرض الأمر الوقع في ظل حديث الرئيس الأمريكي عن استعداده لفرض السلام في الشرق الأوسط بالقوة، أم ستكون لأمريكا بعد إنهاء الحرب في غزة أولويات جديدة من بينها الصين والحرب الروسية الأوكرانية؟ وهل تصرف النظر عن ملف الصحراء وتجعله يراوح مكانه، أم أن هذا الملف سيكون ضمن الأولويات ؟



