الحقيقة الضائعة | شجاعة الثوار المغاربة أحبطت مؤامرة الفرنسيين في عقد الحماية
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 138"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

هل كان المولى عبد الحفيظ مالكا لجوارحه وهو يمضي هذا العقد؟ وهل أمضاه فعلا؟ هل كان تحت تأثير ضغط، أم تحت تأثير اعتقال أو تحت تأثير أي نوع آخر من أنواع المساومة ؟
إن هذا العقد يضع حدا لسيادة المغرب، ويفوت مصير المغرب بين أيدي فرنسا. والذي يتعمق في حياة المولى عبد الحفيظ وفي الظروف التي أحاطت به بعد أن أصبح سلطانا للمغرب، وللمصاعب التي عاناها والمناورات والمغامرات التي كان ضحيتها.. لا بد له قبل أن يصدر أي حكم، أن يتعمق مليا في ظروف توسع هذا الكتاب في شرحها بالحجج والأدلة والمراجع.
ونظرا لخطورة القرار، ولما نتج عنه من تسليم في سيادة المغرب، وجب استعراض المعطيات الزمنية التي أحاطت بإمضاء العقد، وأعقبت هذا الإمضاء حتى يجعلها كل دارس باحث في حسابه قبل أن يحمل المولى عبد الحفيظ مسؤولية حرص الفرنسيون على أن يذيعوها وينشروها ويكتبوها، ويلبسوا المولى عبد الحفيظ قميص عثمان ملطخا بدماء الشهداء المغاربة، وهذه المعطيات هي كما يلي:
– أولا: لم يحضر أي أحد ساعة الإمضاء، وليست هناك لا وثيقة مكتوبة ولا خبر ولا تعليق في كل ما كتب في تاريخ المغرب عن هذه اللحظة الرهيبة، لحظة الإمضاء.
– ثانيا: كتب المؤلف الصحفي ويز بيرجر، أن الوزير رينيو جاء لمقر إقامته ونزل من حصانه وقال: “سي في”، يعني “لقد حدث”، وكأنه بوليسي يتحدث عن حصوله على اعتراف من متهم.
– ثالثا: ارتبط إمضاء العقد بتنازل المولى عبد الحفيظ عن العرش، ولو كان قد أمضاه رغبة في الحفاظ على منصبه والدفاع عن مصالحه.. لما وجد أحسن من أن يتمتع بالطمأنينة والملك والمتعة تحت حماية الجيش الفرنسي.
– رابعا: كسر المولى عبد الحفيظ كل شارات الملك والعرش قبل أن يخرج للتوجه إلى المركب الذي سينقله إلى المنفى، وكسر مظلته وهو يشتم ويلعن وهو على ظهر المركب.
– خامسا: كانت وثيقة التنازل عن العرش محررة بخط يده سلمها للمقري وطلب منه أن يحتفظ بها حتى يغادر المغرب.
– سادسا: استقر بطنجة بضعة شهور قبل أن يتوجه إلى الديار المقدسة، حيث اعتكف طويلا قبل أن يقوم بزيارة إلى عدة دول عربية، كان خلالها يقدم تفسيرات عن ظروف فقدان المغرب لحريته.
– سابعا: قدم لعائلة الكتاني – التي أعدم سابقا أحد أقطابها – اعتذاراته وندمه، وتصالح مع الكتانيين أمام قبر الرسول، وكتب عدة رسائل لأقطاب العائلة الكتانية يقدم فيها بيانات عن ظروف تصرفه، ولم تنشرها هذه العائلة خوفا من أن تبين حقيقة موقفه وتصلح سمعته التي قضى الكتانيون حياتهم في إفسادها.
– ثامنا: عاد المولى عبد الحفيظ إلى طنجة ثم توجه إلى إسبانيا، حيث نظم عدة تجمعات سياسية حضرها عدد من زعماء المعارضة المغربية للحماية، مما أغضب الفرنسيين فقرروا مصادرة أمواله وأملاكه بقرار صدر عن المقيم العام الفرنسي في 14 أبريل 1922.
– تاسعا: ورغم القرار الفرنسي، انتقل إلى باريس، حيث توفي في حال من الغربة وأزمة الضمير يوم الأحد 14 أبريل 1937، رحمه الله، ونقل إلى فاس حيث دفن في ضريح مولاي عبد الله.
ولعل أحسن ما نختم به السطور الأخيرة من حياة هذا الرجل الذي يعتبر معلمة من معالم المغرب، هو ما كتبه المؤلف مارتان صاحب كتاب “أربعة قرون من تاريخ المغرب”: ((لقد بقي وفيا لمبادئه متشبثا بفكرته، مما يؤكد فعلا أنه كان ضحية مؤامرة)).
وهل هناك أكثر من الفرنسيين خبرة في المؤامرات ؟
لقد استطاع الفرنسيون استغلال حرب المولى عبد الحفيظ ضد أخيه المولى عبد العزيز، وأشعلوا بينهما نار الفتنة وهما سلطانان في المغرب، وعند إبعادهما معا عن العرش، استمرت في إثارة نار الحرب بينهما وهما في المنفى، فكان المولى عبد العزيز مستمرا في حربه ضد أخيه، ولذلك، فعندما قرر الفرنسيون توقيف دفع التعويضات للمولى عبد الحفيظ لأنه يهاجم فرنسا، قرروا في نفس الوقت رفع التعويضات للمولى عبد العزيز، وتلك أساليب المناورات.
وخسر الاستعمار..
إن حر ضرب السوط لا يعرفه إلا المكتوي بلسعاته.
وإن الشعب المغربي هو الذي ذاق مرارة المناورات الاستعمارية الأجنبية، وتشتتت وحدته وتمزقت أطرافه، واستحل الجيش الفرنسي والإسباني نساءه ورجاله، وأصبح المغاربة عبيدا بعد أن كانوا أحرارا، وانكسرت ألوية الإسلام في أرض كانت مغرب الإسلام، حيث بدأ الفرنسيون في بناء الكنائس والتزوج بالمسلمات وتنصير بعض ضعاف الإيمان، وتحطمت آمال المؤسس المولى الحسن الأول، وعوقب المغاربة من أجل أمجاده في عهد أولاده، وسجلت المناورات الاستعمارية نصرها الكبير.
لكن حسابات الفرنسيين والإسبان كانت مخطئة لسوء حظهم..
لقد ذاقت القوات الاستعمارية الأمرين على أيدي الثوار المغاربة كما سبق واستعرضناه، وكان المتناورون والمتآمرون يتأكدون أن رفض الشعب المغربي هو سر المصاعب التي عانوا منها والتي دفعوا ثمنها غاليا آلافا من القتلى من خيرة أبنائهم.
وحسب الفرنسيون والإسبان أن إمضاء عقد الحماية هو سدرة المنتهى، وأن حصولهم على عقد يبرر لهم حرية التدخل والتصرف وإبعاد السلطان العنيد، كفيل بأن يتجه المغاربة للغرق في “خير الفرنسيين وحضارتهم” ومظاهر المدنية والرفاهية، لكن الحقيقة التي برزت على صعيد الأحداث، هي أن عقد الحماية إنما كان بداية للمناورات الاستعمارية الأجنبية ضد السيادة المغربية.
وعندما صرف الفرنسيون آلاف الملايين على مناوراتهم وقدموا آلاف الضحايا على عتبة استقلال المغرب، وخططوا وهاموا في دوامة من المناورات على المستوى العالمي والمزايدات والمبادلات من أجل إمضاء وثيقة الحماية، لم يكونوا يتصورون أن حساب استثماراتهم لن يكون مربحا.
إن الثورة الحقيقية الذكية المنظمة ضد المؤامرات والمناورات الاستعمارية، بدأت في ثلاثين مارس 1912، حيث لم يتوقف إطلاق الرصاص في المغرب منذ ذلك التاريخ إلى يوم عودة المرحوم محمد الخامس من المنفى سنة 1956، ليقول: ((لقد انتهى عهد الحجر والحماية وبزغ عهد الاستقلال والحرية)).
وتبقى المعارك الطاحنة التي خاضها الشعب المغربي ضد الاحتلال انطلاقا من سنة 1912 إلى سنة 1980، وهي معارك وحروب فقد الفرنسيون والإسبانيون فيها أكثر مما فقدوه في مرحلة المناورات التي خاضوها من أجل اغتصاب وحدة وحرية المغرب.
وهذه المراحل المشرفة من تاريخ المغرب، عرفت تأجج حرب السبعين سنة التي خاضها المغرب بكل عنف وإيمان وإصرار، وما أعقبها من حروب تحريرية على مدى المراحل الآتية:
1) الحرب المباشرة التي اشتعلت غداة إعلان إمضاء عقد الحماية والتمرد العسكري الأول في تاريخ المغرب؛
2) حرب الريف التي خاضها المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي؛
3) حرب جبال الأطلس والريف وتزنيت والصحراء الشرقية من سنة 1912 إلى سنة 1937؛
4) المعارك السياسية التي خاضتها الحركة الوطنية التي أخذت زمام الاستمرار على الصعيد الوطني والدولي إلى سنة 1953؛
5) الحرب الشجاعة التي خاضتها قبائل أيت باعمران لاسترجاع الشعب
المغربي موحد الصفوف، والقوات المسلحة الملكية سنة 1975 لاستعادة الوحدة الترابية والأقاليم الصحراوية ضد المرتزقة الذين كانوا سنة 1980 يقدمون من الجزائر، مثلما كانوا يأتون منها سنة 1880، ذلك لأن التاريخ يعيد نفسه.



