ملف الأسبوع | مطالب الحركات الاحتجاجية بين ملكين
من الملك الحسن الثاني إلى الملك محمد السادس

يبقى أهم مطلب لحركة “جيل زد” هو إقالة حكومة عزيز أخنوش، وهو الملتمس الذي رفعه الشباب المحتجون إلى الملك محمد السادس، الضامن لاستقرار البلاد والملاذ الأخير لكل مطالب المغاربة، وهذه ليست المرة الأولى.. والواقع أن للملكية تاريخا في التعاطي مع مطالب الشعب بعد كل حركة احتجاجية وقعت في تاريخ المغرب الراهن، ويحاول هذا الملف استعراض تعامل الملكية مع المطالب الشعبية بعد كل حركة احتجاجية.
أعد الملف: سعد الحمري
عندما حولت المطالب الاجتماعية طبيعة الحكم إلى ملكية مطلقة بعد أحداث مارس 1965
إن الثابت في تفاعل الدولة مع الحركات الاحتجاجية منذ استقلال المغرب، هو القمع في غالب الأحيان، بيد أنه بعد القمع كانت الملكية عادة ما تتجه إلى القيام بعدة مبادرات من أجل تلبية بعض المطالب، بداية من أحداث 23 مارس 1965 العنيفة التي تم قمعها بالرصاص الحي، حيث أقرت المصادر الرسمية بمقتل 70 متظاهرا وتقديم 2000 متظاهر أمام المحاكم، في حين أقرت مصادر غير رسمية، بمقتل ما يزيد عن 1500 متظاهر.
ورغم العنف والقمع القوي، إلا أن الملك الحسن الثاني دخل في محادثات جادة مع المعارضة التي كانت تمثل الشعب واشترط حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية حل البرلمان وإقالة الحكومة، وإجراء انتخابات جديدة، كما هو حال مطالب حركة “جيل زد” اليوم، فيما صارت الأغلبية البرلمانية إلى الانقسام على نفسها، وبعد أن عفا الملك عن مناضلي حزب الاتحاد الوطني المدانين في سنة 1964، وأفرج عنهم، دعا المهدي بنبركة إلى العودة إلى المغرب وقال له “عندي معادلة أريد حلها مع بنبركة”، بيد أن زعيم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ارتاب في دعوة الملك، ووضع شروطا لعودته، من أهمها صدور العفو الملكي في الجريدة الرسمية، ولم يطمئن إلى الوساطات الكثيرة، وسواء أكانت دعوة الحسن الثاني لبنبركة صادقة أم غير صادقة، وسواء أكان اختطاف الزعيم الاشتراكي قد جرى، أو لم يجر الإعداد له قبل إطلاق تلك الدعوة، فالثابت أن الملك قد أعلن في 7 يونيو 1965 حالة الاستثناء، وتم حل البرلمان، بدعوى عدم الكفاءة، استرضاءً للشعب، وقسم كبير من حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ووعد بمراجعة الدستور، بيد أن الذي وقع بعد هذه الإجراءات، أن المغرب انخرط في مرحلة طابعها السلطة الشخصية المنفردة للملك، طالت به لما يزيد عن الخمسة أعوام؛ فقد بات الملك يستأثر بالسلطات الاستثنائية حسب الفصل 35 من الدستور الذي يقول: ((إذا كانت حوزة التراب الوطني مهددة أو وقع من الأحداث ما من شأنه أن يمس بسير المؤسسات الدستورية، يمكن للملك أن يعلن حالة الاستثناء))، وقد شكل هذا المنعطف انتصارا ساحقا للقصر على الحركة الوطنية، واستمر الوضع إلى سنة 1972.
استغلال أحداث 1981 للقبول بالاستفتاء في الصحراء
تقدم لنا أحداث 1981 بالدار البيضاء حالة أخرى تستحق الذكر والوقوف عندها، حول مدى تفاعل الملكية مع مطالب الحركة الاحتجاجية.. فقد تم الإعلان عن إلغاء الزيادة في الأسعار التي كانت سببا مباشرا في الحركة الاحتجاجية، غير أنه لم يتم إقالة الحكومة في هذه الحالة، وإن ما يتوجب الوقوف عنده في نتائج هذه الأحداث، هو حديث بعض الخبراء عن استغلال الملك الحسن الثاني لهذه الأحداث من أجل القبول بالاستفتاء كحل لملف الصحراء، على اعتبار أن المغرب كان يمر بأزمة اقتصادية خانقة جعلت إمكانية الاستمرار في الحرب شبه مستحيل، وعلى هذا الأساس، وجد ملك البلاد الوقت مناسبا من أجل استغلال الفرصة وإعلان القبول بالاستفتاء، وبهذا الخصوص، سجل المفكر الكبير عبد الله العروي ضمن “خواطر الصباح” ما يلي: ((نظم إضراب عام في البيضاء يوم الأربعاء وفي الرباط يوم الجمعة بسبب الزيادة في أسعار المواد الغذائية، ثم نظم إضراب عام آخر في البيضاء يوم السبت وفي المساء وقعت حوادث شغب تذكر بما حصل في مارس 1965))، وأضاف العروي: ((إذا كان صاحب الأمر (الحسن الثاني) يبحث عن عذر، عن سبة لنفض يديه من المسألة الصحراوية، فإنه يتوفر عليها الآن. سبق أن قال: أذهب إلى حيث يريد الشعب، قد يؤول الأحداث بأنها رخصة لإنهاء النزاع تحت ستار الحل الإفريقي. من العجيب أن تقع أعمال شغب وتدمير كلما أراد بلد عربي – أو أُريد له – أن يتخلى عن حقوقه الوطنية. كان من الممكن تجنبها بشيء من المرونة وإشراك الحكومة والبرلمان في اتخاذ القرار، أما الإعلان بغتة عن ضرورة إنهاء النزاع وانتهاز الفرصة لمهاجمة المعارضة مع أنها وحدها تعي واقع الظروف والأخطار، فلا يمكن اعتبار ذلك التصرف إلا كاستفزاز مقصود)).
ثم أصدر العروي تعقيبا على ما تناولته الصحافة الرسمية يوم 24 يونيو من نفس السنة، من أن الاحتجاجات جاءت لعرقلة انتصارات المغرب في قضية الصحراء، جاء فيه ما يلي: ((من الغريب أن تروج الصحافة الرسمية أن حوادث البيضاء جاءت لعرقلة النصر المبين الذي سيحققه المغرب لا محالة. يمكن بالطبع عكس المقالة وهو الأقرب إلى المنطق، لكن حتى في إطار المقالة الرسمية كيف يمكن اعتبار الخضوع، بعد سنوات من الرفض العنيد، لمنطق المنظمة الإفريقية، أي قبول مبدأ تقرير المصير والاستفتاء كمسطرة لتطبيقه، نصرا للمغرب؟ نحن مطالبون بالتعامل كواقع مفروض علينا، سنحاول بدون شك تأويله لصالحنا كما فعلنا مع فتوى محكمة لاهاي – وهذا أمر وارد – لكن الخطوة نفسها اندحار لا شك فيه، فلم يحن بعد وقت استحضار جميع مراحل القضية والحكم على الكيفية التي عولجت بها كل مرحلة، عندئذ يجب طرح السؤال التالي: هل كان من الحكمة التردد مدة خمس سنوات قبل القبول بمبدأ حق سكان الصحراء في تقرير مصيرهم؟ قيل من قبل، وأعيد القول في الخطاب الذي أذيع قبل التوجه إلى نيروبي، إنه كان على المغرب أن يُحكم سيطرته على الإقليم عسكريا.. ما معنى السيطرة في الظروف الحالية التي نكتشفها تدريجيا بمناسبة الجولات الاستطلاعية التي تنظم من حين لآخر لفائدة الصحفيين الأجانب؟ ثم إن المهم ليس بسط السلطة، بل القدرة على المحافظة على ذلك الامتياز بكيفية دائمة، أما إذا كانت تزعزع دوريا فلا تعد قارة في عين الغير، وأحداث البيضاء تطرح بوضوح، ولو ضمنيا، هذا السؤال بالذات. الوقت الذي استغرقته عملية بسط السيطرة المغربية على الإقليم كان كافيا لتقوية الهوية الصحراوية لمحاربي البوليساريو.. هل كانت، عمليا وموضوعيا، المكاسب العسكرية المغربية في مستوى المكاسب السياسية الجزائرية ؟)).
يمكن القول بأن ما حدث في سنة 1981 يشبه الوضع اليوم بدرجة كبيرة، حيث أنه كثر الحديث عن نهاية نزاع الصحراء هذه السنة، في حين أن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة اليوم أوصى فقط بتمديد مهمة بعثة “المينورسو” سنة أخرى. ومن جانب آخر، سبق لنا أن سجلنا في ملف سابق نشر في يناير 2024، مقارنة بين حكومة أخنوش وحكومة المعطي بوعبيد، نبهنا من خلاله إلى مقارنة غريبة بين المرحلتين، وهي أن المغرب في سنة 1981 واجه مشكلين: وضعية اقتصادية صعبة داخليا ومشاكل في قضية الصحراء، أرغمته على القبول بالاستفتاء، في حين نبهنا في سنة 2024 إلى أن المغرب اهتم بالجانب الخارجي وحقق انتصارات دبلوماسية مهمة، وأهمل الاهتمام بالمشاكل الداخلية، ونبهنا إلى وجود احتقان داخلي من الممكن أن يؤدي إلى هزات اجتماعية، وهو ما وقع اليوم.

عندما ندم الملك على نزع سلاح قوات الأمن خلال أحداث فاس 1990
يجب علينا استحضار أحداث فاس 1990 التي تشبه في بعض تفاصيلها ما حدث خلال احتجاجات “جيل زد”، حيث سجل في الحالتين معا عنف المتظاهرين استدعى تدخل رجال الأمن بالرصاص الحي.. ففي سنة 1990، كانت الإجراءات بسيطة، حيث قام الملك الحسن الثاني بإجراءات إدارية جديدة همت فاس ومراكش، حيث أضاف عمالات جديدة في المنطقتين من أجل تسهيل المأمورية على العمال والولاة في أداء مهامهم، بينما كان الخطاب الذي وجهه للشعب قاسيا على المشاركين في الأحداث، حيث جاء فيه ما يلي: ((خلافا لما يظنه البعض، لا أخاطبك اليوم لأحدثك عما جرى في فاس، فالذي جرى في فاس أقول بكل نزاهة وبكل نقد ذاتي، أنا إلى حد ما مسؤول عنه، فأين هي مسؤوليتي؟ أنا أعطيت الأمر الصارم لقوات الأمن لتتخلى عن أسلحتها في جميع مدن المغرب، وأن تتركها في الثكنات سواء بالنسبة لرجال الشرطة أو الدرك أو القوات المساعدة، فتردد البعض منهم وقال: لنحتفظ بأسلحتنا حتى نتمكن على الأقل من أن نطلق طلقات إنذارية في الهواء، قلت لهم: ولو، ثم زادوا وقالوا: حتى نتمكن على الأقل من استعمال الرصاص المطاطي، قلت لهم: ولو، فنحن أمام يوم عادي كجميع الأيام سيقوم بالإضراب فيه من أراد، وسيذهب إلى عمله من أراد ذلك، ومصالح الدولة لن تتوقف، المهم أن لا تمنعوا التجمعات، وأن تضمنوا للناس حرية العمل. ولكن شعبي العزيز – كما قلت لك – أنا المسؤول عما وقع في فاس، لأنني لم أكن أظن أنني بعد ثلاثين سنة من التعامل والتساكن والتلاحم سأجد في مدينة من المدن ضجة مثل هذه، وروح فتنة مثل هذه، ولما رأينا أن أعوان السلطة من أفراد الأمن والدرك والقوات المساعدة بدأوا يسقطون ضحية مسالمتهم، أعطينا آنذاك الأمر بأن يستعملوا ما يجب استعماله للدفاع المشروع عن النفس لا عن أنفسهم فقط، ولكن عن أنفس المواطنين الذين هم قبل كل شيء في حمايتي وأنا مسؤول عن راحتهم وسلامتهم وأسرهم وأرزاقهم. إذن، طوينا قضية فاس، فما وقع في فاس لا يمت إلى ما سأخاطبك فيه من قريب أو بعيد)).
ومن هذا المنطلق، لا يستبعد أن يحمل الخطاب الملكي رسائل شديدة اللهجة للذين قاموا بأعمال العنف التي ذهبت بممتلكات وروعت المواطنين.

تفاعل الملكية في عهد محمد السادس مع الحركات الاحتجاجية
أما خلال مرحلة الملك محمد السادس، فقد تفاعلت الملكية على الفور مع مطلب حركة “20 فبراير”، حيث تنازلت الملكية عن جزء كبير من سلطتها للسلطة التنفيذية ممثلة في رئيس الحكومة، بعد خطاب 9 مارس 2011، الذي أعلن عن حل الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة وتعديل الدستور، غير أن المحك الحقيقي للملكية كان خلال سنة 2016، عقب الأحداث التي اندلعت بعد مقتل بائع السمك محسن فكري بالحسيمة، حيث اتسمت الإجراءات المتخذة باعتقال قادة المظاهرات وعلى رأسهم ناصر الزفزافي، الذي ما زال معتقلا إلى اليوم.
كما كلف الملك المجلس الأعلى للحسابات بمهمة إعداد تقرير حول تأخر تنفيذ مشاريع تنموية بمدينة الحسيمة أطلقها الملك عام 2015، وبعد تسلم خلاصات التقرير في أكتوبر 2017، أقال الملك أربعة وزراء، وقال بيان الديوان الملكي أن الإعفاء جاء تنفيذا لمقتضيات الدستور، وبعد استشارة رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، ويشمل كلا من وزير التعليم محمد حصاد بصفته وزير الداخلية في الحكومة السابقة، ووزير الإسكان محمد نبيل بنعبد الله بصفته وزيرا عن القطاع نفسه في الحكومة السابقة، كما جرى إعفاء وزير الصحة الحسين الوردي الذي كان وصيا على القطاع في الحكومة السابقة، والعربي بن الشيخ كاتب الدولة مكلف بالتكوين المهني، بصفته مديرا عاما لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل سابقا، وعلى مستوى المسؤولين، أعفي المدير العام للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب علي الفاسي الفهري.
وجاء في بيان الديوان أن الملك محمد السادس قرر تبليغ “عدم رضاه” عن مسؤولين آخرين تقلدوا مسؤوليات في الحكومة السابقة، مؤكدا أنه لن يتم إسناد أي مهمة رسمية لهم مستقبلا، وهم وزير التعليم السابق رشيد بلمختار، ووزير السياحة السابق لحسن حداد، ووزير الشباب والرياضة السابق لحسن السكوري، ووزير الثقافة السابق محمد أمين الصبيحي، بالإضافة إلى كاتبة الدولة المكلفة بالبيئة سابقا حكيمة الحيطي.
وانتقد تقرير المجلس – وهو الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية بالمغرب – عدم اجتماع اللجنة المركزية المكلفة بتتبع المشاريع إلا في فبراير 2017، أي نحو 16 شهرا بعد توقيع الاتفاقية، أما على مستوى تنفيذ المشاريع المبرمجة، فقد ((تمت ملاحظة تأخر كبير في إطلاق المشاريع، بل إن الأغلبية العظمى منها لم يتم إطلاقها أصلا))، ودعا الملك محمد السادس إلى أخذ العبرة من المشاكل التي عرفها البرنامج التنموي “الحسيمة منارة المتوسط”، لتفادي الاختلالات والعوائق التي قد تعرقل إنجاز المشاريع التنموية، حيث كلف وزير الداخلية بالتحريات اللازمة بشأن المسؤولين التابعين لوزارة الداخلية بمختلف مناطق المملكة.



