خاص | هل يمكن أن يصبح محمد السادس أقوى ملوك الدولة العلوية ؟

على بعد أيام قليلة.. ستحل الذكرى 27 لجلوس الملك محمد السادس على عرش المملكة المغربية الشريفة، مملكة تحكمها السلالة العلوية منذ سنة 1666، أي لمدة 360 سنة، وللإشارة فقد تعاقب على حكم المملكة 20 ملكا ويعتبر الملك محمد السادس هو الملك رقم 21 من السلالة العلوية التي تحكم المغرب.. لكن هل يجوز تقييم فترة حكمه؟ خاصة وأنه حكم البلاد مدة تناهز ربع قرن، وهي مدة تجعلنا نقارنه مع الملوك السابقين للدولة العلوية. يسعى هذا الملف إلى موضع مقارنة بين ما أنجزه الملك محمد السادس مقارنة بباقي ملوك الدولة العلوية، في محاولة للإجابة عن السؤال التالي: هل فعلا الملك محمد السادس أقوى ملوك الدولة العلوية ؟
أعد الملف: سعد الحمري
طول فترة حكم الملك هي ما ترسخ إنجازاته
مرت الدولة العلوية بفترات ازدهار، وفترات تراجع.. حسب الأوضاع العامة بالمغرب، وقد تعاقب على حكمها ملوك أقوياء تركوا بصمتهم في تاريخ المملكة، والملاحظ أن قوة الملوك وما خلفوه وراءهم مرتبط بصفة وثيقة بفترات حكمهم، حيث كلما طالت مدة حكم أي ملك إلا وعمّ الاستقرار في البلاد، وكانت إنجازاته كبيرة، ومن بين 21 ملكا من السلالة العلوية، يبرز هناك ملوك أقوياء كانت فترات حكمهم طويلة نسبيا مقارنة مع باقي الملوك، ويتعلق الأمر بالسلطان المولى إسماعيل، ثاني ملوك الدولة العلوية الذي حكم البلاد ما بين سنة 1672 و1727، أي مدة 55 سنة، والذي يعتبر – حسب رأي العديد من المؤرخين – أقوى ملوك الدولة العلوية، ومن طول مدة حكمه أصبح المغاربة يلقبونه بـ”الحي الذي لا يموت”، أما أهم إنجازاته، فهي أساسا إنهاء الانقسامات الداخلية، ثم توحيد المغرب تحت راية الدولة العلوية، كما أقدم على واحد من أعظم القرارات، وهو تأسيس جيش نظامي خاص هو جيش البخاري، الذي تمكن بفضله من حكم البلاد بقبضة من حديد، إضافة إلى تحرير العديد من الثغور المحتلة من طرف الإسبان وعلى رأسها طنجة، وإضافة لذلك، حاول المولى إسماعيل التأسيس لتحالفات استراتيجية وخاصة مع فرنسا، حيث حاول مصاهرة ملك فرنسا لويس الرابع عشر عن طريق الزواج بابنته، غير أن الملك الفرنسي رفض المصاهرة بطريقة ذكية، عندما اشترط تحول المولى إسماعيل إلى المسيحية مقابل الموافقة على الزواج بابنته.
بعد السلطان المولى إسماعيل، دخل المغرب في فوضى تعرف بفوضى الثلاثين سنة، حيث تعاقب عدة سلاطين كان أفضلهم حالا يحكم البلاد مدة سنة، إلى أن استقر المطاف بالمغرب تحت حكم السلطان سيدي محمد بن عبد الله، الذي حكم البلاد ما بين سنة 1757 و1790، أي مدة 33 سنة، ويعتبر هذا الأخير أحد أقوى ملوك الدولة العلوية، حيث تميز بالعقل والرزانة وبُعد النظر، كما اجتهد في المحافظة على بلاده ووحدتها وتأمين الشواطئ المغربية من العدوان الأوروبي، وحرر مازاغان من يد البرتغال، وانتصر سنة 1765م في معركة العرائش على الجيش الفرنسي، كما نهج سياسة الانفتاح على الدول الأجنبية، وكان أول حاكم يعترف باستقلال وسيادة الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1777، ورفض ربط علاقات دبلوماسية مع روسيا بسبب محاربتها للدولة العثمانية، وبعث بالعديد من السفراء لاسترجاع المخطوطات المغربية من إسبانيا، خصوصا الخزانة الزيدانية.
وبعد ذلك، جاءت مرحلة حكم السلطان المولى سليمان، والتي امتدت من سنة 1797 إلى 1822، أي مدة 25 سنة، اعتمد فيها على سياسة الانغلاق أو ما يسمى سياسة الاحتراز، وهذه السياسة الاحترازية تُعنى بالانغلاق على العالم الخارجي؛ فقد قطع جميع الصلات بين المغرب وأوروبا، وقلّل من المُعاهدات التي أبرمها والده، حيث انتقلت من 11 إلى 3 معاهدات، وأغلق جميع المراسي ومنع العلاقات التجارية الدبلوماسية، وذلك كله احتياطا واحترازا من انتشار وباء الطاعون، بجانب حيطته من أوروبا، حيث عاصر عهد الثورة الفرنسية وعصر الحروب التوسعية للقائد العسكري الفرنسي نابليون بونبارت، كما عرفت الفترة التي قضاها سلطانا على المغرب، هزات اجتماعية كانت نتيجة الإصلاحات الدينية التي أحياها المولى سليمان.
أما خلفه المولى عبد الرحمان بن هشام، فقد حكم البلاد من سنة 1822 إلى 1859، أي 37 سنة، وتزامنت بداية حكمه مع بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر، حيث تميز عهده بدعم المغرب للمقاومة الجزائرية التي قادها الأمير عبد القادر الجزائري، وقبول السلطان بهذا الأخير كلاجئ بالمغرب، خاصة وأنه كان مطلوبا لدى السلطات الاستعمارية الفرنسية، ونتيجة لهذا الدعم، حاربت فرنسا المغرب في معركة إيسلي (غشت 1844) التي انتهت بهزيمة المغرب وتوقيع معاهدة “للا مغنية” سنة 1845، والتي أفقدت المغرب هيبته التي كان قد اكتسبها منذ معركة وادي المخازن سنة 1578م، كما كان عبد الرحمان بن هشام من بين سلاطين المغرب الأكثر توقيعا على الاتفاقيات التجارية مع أوروبا والحفاظ على استقلال بلاده، لكن عدم محاربته للقرصنة جعل المغرب يقع في اشتباك مع البريطانيين والنمساويين في منطقة طنجة وأصيلة وتطوان. كما قام سنة 1832م بإعادة بناء مدينة مازاغان المهدومة وإعادة تسميتها بمدينة الجديدة.
ثم جاء عهد الحسن الأول من سنة 1873 إلى 1894، أي 21 سنة؛ فبعدما تولى الحكم خلفا لأبيه محمد الرابع بن عبد الرحمن (1859-1873)، حاول أن يجعل الحكم مركزيا، وأن يبسط سلطة الدولة على كل القبائل دون تمييز، وتمكّن من تحديث الجيش، لكن الإصلاحات الأخرى لم تتم حتى النهاية بسبب تمرد بعض القبائل، ويرجع السبب في عدم تحقيق كل الإصلاحات وبسط سلطة الدولة، إلى سياسة التقشف التي اتبعها الحسن الأول لكي لا يُغرق المغرب في الديون ويفتح الباب على مصراعيه أمام التدخل الأجنبي، الذي أدى في ذلك الوقت إلى التحكم المالي للأوروبيين في كل من تونس ومصر.
وقد تمكن السلطان الحسن الأول من صد الأطماع المتزايدة للأوروبيين في بلاده؛ ففي مؤتمر مدريد سنة 1880، تم الاعتراف بعدم تبعية المغرب لأي قوة أجنبية، بالمقابل حصلت 13 دولة أجنبية على امتيازات مفرطة، ورغم ذلك حاولت كل من فرنسا وبريطانيا فرض الحماية على المغرب، لكنهما لم تتمكنا من ذلك، نظرا للمعارضة التي لقياها من الدول الأوروبية الأخرى، خاصة ألمانيا وإسبانيا والبرتغال، وهكذا إلى أن توفي فجأة سنة 1894 خلال حملة للمخزن لبسط سلطة الدولة على بعض القبائل الثائرة بجبال الأطلس.
بعد ذلك، جاءت مرحلة الحماية الفرنسية الإسبانية على المغرب، والذي وقع الاتفاقية مع فرنسا هو السلطان مولاي عبد الحفيظ، بمعنى أن فرنسا تحكم أو تحمي المغرب بإذن من السلطان، وكان من الممكن أن تكون الملكية في المغرب مع فرنسا على اتفاق ووئام، حتى أن فرنسا بعد وفاة السلطان المولى يوسف، نصبت أصغر أبنائه لتتمكن من التحكم في المغرب عن طريقه، وهو محمد الخامس، هذا الأخير ذهب عكس التيار وطالب باستقلال بلاده، وكان أعظم إنجازاته خلال فترة حكمه التي امتدت لمدة 30 سنة، إعادة استقلال البلاد عن الحماية الأجنبية، وفعلا نجح في مسعاه خلال سنة 1956، ما جعله يسجل في التاريخ كأعظم ملوك الدولة العلوية.
بعد وفاته، تولى حكم البلاد الملك الحسن الثاني، هذا الأخير وجد المغرب أمام تحد جديد، وهو عالم مؤلف من قطبين، وكان عليه أن يتبع أحدهما، إضافة إلى تحديات داخلية كبيرة تكمن في المعارضة القوية التي كان من الممكن أن تنهي الملكية في المغرب، دون نسيان ملف الحدود، وتحرير باقي مناطق البلاد التي كانت تحت الاستعمار الإسباني، فاختار الحسن الثاني المعسكر الغربي على الشرقي، وضرب المعارضة التي كانت تسعى إلى الإطاحة به بيد من حديد تارة، وتفاوض معها تارة أخرى، كما قاد المسيرة الخضراء التي أنهت الاحتلال الإسباني للأقاليم الجنوبية للمملكة، إضافة إلى قيادة البلاد والملكية إلى بر الأمان عندما انفتح على أحزاب المعارضة وتم تشكيل حكومة التناوب الديمقراطي.
القاسم المشترك بين ملوك الدولة العلوية..
يمكن ملاحظة من خلال النُّبَذ التي قدمنا حول ملوك الدولة العلوية وإنجازاتهم، أن الدولة العلوية نشأت في سياق دولي طبعه بداية التفوق الأوروبي على العالم الإسلامي، حيث أن أقوى ملوك الدولة الذين ذكرناهم لم يجرؤ على توسيع مناطق نفوذ المغرب، نظرا لأن البلاد كانت تحدها من الشرق الدولة العثمانية، ومن الشمال أوروبا القوية خلال تلك المرحلة، وعليه، لا نجد أي ملك يتفوق عندما يتعلق الأمر بتوسيع مساحة البلاد، أو الانتصار في المعارك الكبرى ضد الدولة العثمانية أو الدول الأوروبية، وبذلك يمكن القول أن ملوك الدولة العلوية في ظل السياق الدولي المتسم بالتفوق الأوروبي الواضح، عملوا على توقيع معاهدات تجارية مع الدول الأوروبية وربط علاقات معهم من أجل الاستفادة من تجاربهم. ويبقى أهم إنجازات الملوك الأقوياء، هو الحفاظ على وحدة البلاد وتقوية الجبهة الداخلية.
ومنذ بداية عهد الملك الحسن الثاني، كان الحديث عن نهاية عهد الملكيات، وبداية عصر الجمهوريات، حتى أن العديد من الملاحظين توقعوا أن الملك الحسن الثاني سوف لن يستمر في الحكم طويلا، وفعلا كانت هناك عدة محاولات من أجل الإطاحة به، إلا أنه صمد واستمرت الملكية على عهده مدة 38 سنة كاملة، وفي نهاية مرحلة حكمه، بدأت عدة منابر إعلامية دولية تصف الملك الحسن الثاني بآخر ملوك الدولة العلوية.
ملك تحويل الأزمات إلى فرص للنجاح..
ثم جاء بعده محمد السادس، الملك الحالي الذي نطرح حوله التساؤل: هل فعلا هو أقوى ملوك الدولة العلوية؟ وهل المغرب في عهده يعتبر أقوى مما كان عليه سابقا في عهد باقي ملوك الدولة العلوية ؟
سبق أن أشرنا إلى أن أهم إنجازات ملوك الدولة العلوية كان هو الحفاظ على وحدة البلاد، وتجنب أطماع القوى الأوروبية عن طريق توقيع اتفاقيات دبلوماسية وتجارية، كما أن رأسمال البلاد كان هو الانتصار في معركة وادي المخازن التي وقعت في عهد الدولة السعدية، والتي كسرت خلال معركة إيسلي سنة 1844.
من حيث الحفاظ على وحدة البلاد، وجد الملك محمد السادس المملكة مستعدة لحكمه، على اعتبار أن الملك الحسن الثاني كان قد مهد لذلك بتجربة التناوب التوافقي، غير أن الأمر لم يستمر طويلا، حيث وجد المغرب نفسه أمام اختبار حقيقي، يتعلق الأمر بأحداث الربيع العربي، الذي أطاح بعدة زعماء عرب أبرزهم زين العابدين بن علي في تونس، وحسني مبارك في مصر، ثم معمر القذافي في ليبيا، وعلي عبد الله صالح في اليمن، إضافة إلى بشار الأسد في سوريا.. غير أن الملك محمد السادس نجح في التعامل مع الوضع عندما بدأت المظاهرات، حيث قرر دستور 2011، الذي أعطى بعض الصلاحيات لرئيس الحكومة.
إلا أن نجاح الملك لم يكن هذه المرة فقط في إخراج البلاد إلى بر الأمان من فوضى كان من المفترض أن تنجر إليها، بل حول نجاح المغرب في فرصة استثنائية، حيث تمكن من خطف موقع تونس ومصر كوجهات سياحية، حتى أصبح الوجهة الأولى للسياحة في إفريقيا، بفعل الترويج للمغرب كبلد الأمان والاستقرار، وهناك نجاح آخر حققه الملك محمد السادس من الربيع العربي، وهو استغلال الترويج للمملكة كبلد للاستقرار من أجل جلب الاستثمارات الخارجية، حتى تحول المغرب إلى منصة صناعية في طريق النمو لأن تصبح من بين الأكبر في العالم.
انتصارات دبلوماسية لا نظير لها في تاريخ الدولة العلوية
أما من حيث علاقة المغرب بالعالم الخارجي، وهي واحدة من أهم طرق قياس قوة ملوك الدولة العلوية على اعتبار التحولات التي عرفها العالم خلال مرحلة حكم الدولة، فيبدو أن الملك محمد السادس هو الأقوى بلا منازع. لماذا؟ فقد بدأت القصة سنة 2014، عندما نشبت أزمة بين المغرب وفرنسا على خلفية قضية المدير العام للأمن الوطني، عبد اللطيف الحموشي، يومها دخلت العلاقة بين البلدين في أزمة دبلوماسية، ولنا الحق في مقارنتها بنتائج أزمة اغتيال الزعيم الاتحادي المهدي بنبركة، حيث دخل المغرب في الأولى التي كانت على عهد الحسن الثاني، في عزلة دولية وتيهان سياسي تخللته محاولتان انقلابيتان، أما نتائج أزمة 2014، فقد غيرت وجه المغرب وربما إلى الأبد، عندما وقف المغرب بقوة أمام العجرفة الفرنسية، ما جعلها تطالب بإعادة العلاقات بين البلدين، وانتهت الأزمة برضوخ فرنسا لمطالب المغرب.
كانت هذه بداية بروز المغرب على الساحة الدولية، حيث دخل في أزمة جديدة مع أمريكا سنة 2015، بسبب عزم أمريكا أوباما التصويت على مقترح أممي من أجل مراقبة وضعية حقوق الإنسان في الصحراء، يومها وقف المغرب أمام الولايات المتحدة الأمريكية، وانتهت الأزمة مرة أخرى بتراجع أمريكا عن الأمر مقابل إقرارها بأن مقترح الحكم الذاتي حل ذو مصداقية.
ثم كانت هناك محطة جديدة، وهي التي نقلت المغرب إلى مستوى آخر، عندما اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2020 بمغربية الصحراء، ثم جاءت بعدها عدة أزمات مع عدة دول أوروبية أظهر المغرب خلالها عنادا كبيرا من أجل الثبات على موقفه، حيث كانت الأزمة الأولى مع إسبانيا التي انتهت بانتصار دبلوماسي مغربي، وهو إقرار إسبانيا بالحكم الذاتي في الصحراء، بعد ذلك أزمة دبلوماسية أخرى مع ألمانيا، انتهت باعترافها أيضا بأن الحكم الذاتي هو الحل الواقعي في الصحراء.
أما أهم الأزمات وأطولها، فتتعلق بالأزمة مع فرنسا والتي انتهت بانتصار مغربي، حيث أعلنت باريس أنها تعترف بسيادة المغرب على الصحراء، ثم اعتراف بريطانيا بأن الحكم الذاتي هو الأساس الأكثر مصداقية لحل سياسي ودائم في الصحراء.
وهكذا بدا لنا أن مقياس قوة ملوك الدولة العلوية يكمن في علاقة البلاد مع الخارج، وهو ما أعطى تفوقا واضحا للملك محمد السادس، الذي يعتبر لحدود اللحظة صاحب سادس أطول فترة حكم في تاريخ ملوك الدولة العلوية.




