تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | ملك للبناء وملك من أجل “جيل z”

وصايا الملوك من أجل الشعب

عندما ترأس الملك محمد السادس الأسبوع الماضي، إحياء الذكرى 27 لوفاة والده الملك العظيم الحسن الثاني، قبل وقوفه إلى جانب ولي العهد مولاي الحسن والأمير مولاي رشيد، للترحم على الملك الراحل، كانت الصورة قد جمعت في حقيقة الأمر ثلاثة ملوك، وهم الملك الحالي أمير المؤمنين محمد السادس، والملك المقبل مولاي الحسن، وملك راحل هو الحسن الثاني، ولم يكن ضريح محمد الخامس بعيدا عن أماكن أخرى اجتمع فيها قبل أيام شباب يرددون مطالب سبقهم إليها الملك نفسه، وعلى رأسها ضرورة إسقاط الفساد وتخليق الحياة السياسية، وضرورة تحسين مستوى عيش المواطنين البسطاء، حيث لم يعد هناك مجال لمغرب يسير بسرعتين(..).

إعداد: سعيد الريحاني

    غير بعيد عن ضريح محمد الخامس، تقف مفاخر معمارية عملاقة لم يكن لها وجود في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، ولكنها بنيت في عهد الملك محمد السادس.. كل من أعلى برج في إفريقيا، وأكبر المسارح في العالم، وأكبر المشاريع العقارية التي تسابق الزمن لحجز مقعد لها في عين المكان، تؤكد أن الملك محمد السادس سلطان للبناء والدبلوماسية، ما يعني أن معركة الملك المقبل هي معركة بناء الإنسان وتخليق الحياة العامة، وهذا بالضبط ما يطالب به الجيل الجديد، الذي سمي “جيل زد”(..).

تتمة المقال تحت الإعلان

غير بعيد عن نفس المكان، تردد صدى مطالب الجيل الجديد، وهي نفس مطالب أجيال سبقته(..)، لكن بحكم المرحلة، فإن كل المطالب الشعبية نسبت إلى “جيل زد”، لكن ما نسيه كثير من المحللين، وما سكت عنه خصوم المغرب، هو أن الملكية كانت سباقة إلى توفير الوعاء لاحتضان شباب “جيل زد”، بل إن ولي العهد مولاي الحسن، الذي يعيش كملك صغير في ظل ملك كبير، ينتمي لـ”جيل زد”(..)، ورغم أن كثيرا من المتتبعين لا ينتبهون لذلك، إلا أن ولي العهد هو قائد مغرب المستقبل الذي يضم خلطة من هذا الجيل وأجيال سبقته، وأجيال قادمة.. بل إن الملوك هم الذين يوفرون تلك الخلطة العصية على الفهم والتي تصنع قوة الملك والشعب أمام كل التحديات..

تتمة المقال تحت الإعلان

((لقد توسمت يا مولاي في ابنك البار المخلص علامات التوفيق والوفاء بالأمانة، فأقررت ما أجمع عليه شعبك الوفي، وأسندت إلي ولاية العهد ورعاية الأسرة المالكة وفق التقاليد التي سار عليها الكثير من ملوك الإسلام، وملوك الدولة العلوية الكريمة، وإنني إذ أتمنى لك مديد العمر وطول البقاء، لترى أمتك رافلة في حلل العز والسعادة، أعدك ببذل ما في المستطاع وفوق المستطاع، لأكون جديرا بهذه الثقة الغالية التي وضعتها في، ومع شعوري القوي بثقل المسؤولية التي أنطتها بي، فإن مما يخفف حملها علي استحضار سيرتك الصالحة التي مكنت لك ولأسرتك هذا المقام المرموق في أفئدة الجميع، وهذا الإعجاب الجم الذي أضحى أحدوثة الأقربين والأبعدين.. إن سجل أعمالك – يا مولاي – ذخيرة لا تنفذ، وسأستلهم منه كل ما ينير طريقي ويعينني على القيام بالرسالة التي وضعتها على كاهلي، ويساعدني على استحقاق هذا العطف الغالي الذي يحيطني به شعبك الأبي، والذي هو في الحقيقة قبس وهاج من نورك، سأسعى ما وسعني الجهد لاقتفاء سيرتك، وترسم خطواتك في سياسة أمتك، والاقتداء بجميل معاملتك لكل فرد من أفراد رعيتك، ولجميع من أسعدهم الحظ بالعمل تحت رعايتك، أو التقرب إليك، ويقيني أنني لن أضل سبيل الرشاد – بمعونة الله – ما بقيت على هديك سائرا، وبتعاليمك متشبثا مستنيرا.. قد ألهمت روحي من خلال شخصيتك الفذة قوة العزم، ونقاء السريرة، وحب الوطن، والمحافظة على كرامة العرش والإخلاص للأمة)) (المصدر: جواب الملك الحسن الثاني على خطاب والده محمد الخامس بمناسبة تنصيبه وليا لعهد المملكة/ 9 يوليوز 1957).

صورة تجمع الملكين الراحلين محمد الخامس وولي عهده آنذاك الحسن الثاني والجنرال فرانكو

رسائل الملك لا يفهمها في حقيقة الأمر إلا الملوك، ورغم أن الملك محمد السادس يفضل العمل في صمت، فيما يتعلق بمؤسسة ولي العهد، التي وصلت إلى أوج نضجها خلال السنوات الأخيرة، ولمن يريد أن يعرف رسائل الملوك إلى بعضهم البعض، وفيها إشارات لوصفة استمرار الحكم، يكفيه أن يقرأ ما أوصى به الملك الراحل محمد الخامس خليفته الحسن الثاني، الذي أنجب الملك محمد السادس، حيث قال: ((أوصيك بالمغرب بلدك الكريم، ووطنك العظيم، مستقر الجد والوالد، ومستودع الطارق والتالد، خميلتك التي ارتاضت بنسائمها رئتاك، وتملت من محاسنها مقلتاك، وتغنت بألحانها شفتاك، فحافظ على استقلاله، ودافع عن وحدته الجغرافية والتاريخية، ولا تتساهل في شيء من حريته، ولا تتنازل عن قلامة ظفر من تربته، وإياك أن تقبل المساومة على أمنه وسلامة سكانه، وإذا داهمته الأخطار، أو تهدده الأعداء، فكن أول المدافعين، وسر في طليعة المناضلين)).

هكذا يظهر أن قيادة المغرب لا ترتبط فقط بالمطالب الشعبية، بل بالتحديات الخارجية أيضا.. فلولا “ثورة الملك والشعب” مثلا لما كان هناك وطن أصلا، ولولا مقاومة الاستعمار لما كان هنالك “جيل z” مغربي(..)، ولولا تضحيات المقاومة والمعارضة والملكية، وسنوات الرصاص، وسنوات الرخاء، وسنوات الجفاف.. لما كان هناك مغرب أصلا، ولولا الوحدة الوطنية لما كانت الجزائر والبوليساريو واقفتان عند حدود الصحراء المغربية، وهما تلعبان لعبة الشهب الاصطناعية خوفا من الجيش الملكي المغربي، الذي وصل إلى حدود العاصمة الجزائرية بجيش مكون من مختلف أبناء الوطن، وقتها ضحى الشباب كما ضحى شباب قبلهم من أجل الوطن وليس المصالح الشخصية(..).

الوصفة المغربية بين الشعب والملك هي إكسير الاستمرار، والمغاربة يقولون “اللي حسب بوحدو تيشيط ليه”، لأن المعركة أكبر.. فقد ترك محمد الخامس كلمات تاريخية لابنه الحسن الثاني، شكلت أيضا فلسفة لعقيدة الحكم في عهد الحفيد الملك محمد السادس، وهي الكلمات التي قال فيها بعد معركة كسر العظام مع الاستعمار: ((كما أريتني يوم تعرضت معي للبلاء، فبدوت بطلا كامل الرجولة، شهما تام المروءة، واخترت معي من أجل هذه البلاد شظف حياة الشرف على رغد عيشة الاستخذاء، وارجع بين الفينة والأخرى إلى التاريخ يحدثك عن همم أجدادك، وعزائم أسلافك، وكيف أخلصوا النية لله في هذا الوطن وحياطته من الأهوال والأخطار، فجندوا الجنود، وأعدوا العدد لاسترجاع مراسيه وتحصين ثغوره، ودرء الطامعين وصد المغيرين، فكن يا ولدي خير خلف لخير سلف، وليكن عملك لوطنك ومحافظتك على استقلاله ووحدته، أمرا يقتضيه منك شرف المسؤولية وتفرضه عليك تقاليد الأسرة في آن واحد)) (المصدر: من وصايا الملك محمد الخامس لولده ولي العهد مولاي الحسن سنة 1957).

اليوم، لا شك أن الملك محمد السادس ترك لابنه ولي العهد مولاي الحسن، خريطة الطريق، ولكن واجب التحفظ يفرض عدم التكلم، والملوك لا يكشفون أسرار الحكم، ولا يتفاعلون مع المطالب كما يتفاعل معها السياسيون(..)، ولكن المؤكد أن مولاي الحسن سينهل من التراكم الذي خلفه جده الملك الحسن الثاني، بعد عمر طويل للملك محمد السادس، بل إن شباب الجيل الجديد لا يكررون في حقيقة الأمر سوى ما قام به جيل من سنهم في عهد الحسن الثاني، وقد سمح مرور السنين باستخلاص الدروس من الأمس القريب.. فكم معارض أصبح مشاركا في الحكم، وكم من راديكالي أصبح مخزنيا، وكم من منفي عاد إلى حضن الوطن، وكم من تضحية كانت من أجل الوطن.. لذلك يجب على الجيل الجديد أن يستخلص الدروس العميقة من الأجيال السابقة(..).

الفاهم يجب أن يفهم؛ لقد أوصى الملك محمد الخامس ابنه الحسن الثاني بما يلي، من أجل الشعب: ((كن يا بني ديمقراطي الطبع شعبي الميول والنزعات، فأنت تعرف أن أسلافك الأكرمين ما وصلوا إلى الملك قهرا، ولا اقتعدوا العرش قسرا، وإنما كان تقدمهم إلى السلطان ضرورة دعت إليها مصلحة الوطن العليا آوى منهم الشعب إلى ركن ركين، ولاذ بحصن حصين، واجتمعت عليهم كلمته بعد ما وزعتها الأهواء، وشتَتته الفتن، فأخمدوا الدمار، ونفوا العار، واجتهدوا في رتق الفتوق، ورأب الصدوع، وحماية البلاد من المطامع، ووقايتها مما يتهددها من أخطار، متعاونين مع أمتهم، مقتسمين وإياها الحلو والمر، والسراء والضراء، فاحرص يا ولدي على تتميم رسالة أسلافك، والمحافظة على الأمانة التي من أجلها دعوا إلى الملك، وتبوأوا أريكة السلطان، وكن من الشعب وإلى الشعب، يسعك ما يسعه، ويضيق عنك ما يضيق عنه، ولا تبخل عليه براحة، ولا تضن عليه بمجهود، وآثره على قرابتك الوشيجة، وبطانتك المقربة، فإنه أسرتك الكبرى، وعشيرتك العظمى، وتذكر جدك الحسن الأول كان عرشه على ظهر فرسه، لكثرة تنقله في البلاد، ومشيه في مناكبها، متفقدا للرعية، سامعا للشكاة، مستأصلا لجراثيم البغي والفساد)).

هي إذن رسالة ملك إلى ملك، ورسالة من جيل إلى جيل.. لكن ذلك لا يمنع من الاعتراف بوجود مخاض عسير، فمحاربة الفساد ليست مجرد إجراء تقني، بل هي عملية معقدة بين حسابات داخلية وخارجية، بل إن الفساد نفسه أيضا يطور نفسه في إطار الدفاع عن نفسه، ولا شك أن المواطنين تابعوا كيف أن بعض رموز الفساد تبنوا مطالب الشباب الذين يدعون إلى إسقاط الفساد، بل إن الفساد يمكن أن ينزل للشارع، ويمكن أن يتعاون مع خصوم المغرب فقط ليتظاهر بشرف زائد، ولكي يفوت الفرصة على شباب اليوم من أجل بقائه، فالفساد لا يعترف بالحدود، بل القضية عنده قضية وجود.. والأمل معقود على الملكية لتقديم الدروس وبناء الإنسان لمرحلة ما بعد بناء العقار(..).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى