المنبر الحر

المنبر الحر | الجريمة المعلوماتية في القضاء المغربي

بقلم : مراد علوي باحث في العلوم القانونية

         إن الجريمة المعلوماتية بالمغرب لم تعد مجرد موضوع أكاديمي أو نقاش قانوني، بل أصبحت قضية يومية تمس المواطن والمؤسسات على حد سواء؛ فمنذ بداية الألفية الجديدة برزت الحاجة إلى إطار قانوني يضبط هذا النوع من الجرائم، خصوصا مع توسع استعمال الأنترنيت والخدمات الرقمية، وقد استجاب المشرع لهذا التحدي بإصدار القانون 03-07 الذي أضاف فصولا جديدة إلى مجموعة القانون الجنائي، وتحديدا من الفصل 607-3 إلى الفصل 607-11. هذه المقتضيات عرفت ولأول مرة الجرائم المتعلقة بالمس بنظم المعالجة الآلية للمعطيات، مثل الولوج غير المشروع إلى الأنظمة المعلوماتية أو عرقلة عملها أو حذف وتغيير المعطيات المخزنة بها.

وشدد التشريع المغربي على ضرورة توافر القصد الجنائي، فالفصل 607-5 ينص صراحة على أن الجريمة لا تقوم إلا إذا ارتكب الفعل عن عمد، ما يعني أن الخطأ العفوي أو الإهمال لا يكفيان لتجريم الفعل؛ هذا التوجه ينسجم مع مبدأ الشرعية الجنائية ويضمن عدم الزج بأشخاص في قفص الاتهام دون نية إجرامية واضحة، كما عزز المشرع حماية الحياة الخاصة بإضافة فصول جديدة عبر القانون 103-13، وهي الفصول 447-1 و447-2 التي تجرم تسجيل أو توزيع أقوال أو صور لشخص في مكان خاص دون موافقته، وهي المقتضيات التي أصبحت تستعمل بكثافة أمام المحاكم في قضايا تتعلق بالتشهير أو نشر الصور على مواقع التواصل الاجتماعي.

تتمة المقال تحت الإعلان

والقضاء بدوره لعب دورا محوريا في إعطاء مضمون عملي لهذه النصوص، حيث أصدرت محكمة النقض عدة قرارات تؤكد أن ولوج شخص إلى البريد الإلكتروني لغيره دون إذن يعتبر جريمة معلوماتية حتى وإن لم يقم بتغيير المعطيات أو حذفها، وفي قضية أخرى، أقرت المحكمة أن نشر مقاطع فيديو على شبكات التواصل الاجتماعي تتضمن حياة خاصة لأفراد، يشكل جريمة يعاقب عليها طبقا للفصل 447-2. هذه الاجتهادات ساهمت في ترسيخ قناعة بأن القضاء أصبح يتعامل بجدية مع الجرائم الرقمية، معتبرا أن الأذى المعنوي الناتج عنها لا يقل خطورة عن الأضرار المادية.

تتمة المقال تحت الإعلان

ويطرح الواقع العملي إشكالات عديدة، أبرزها صعوبة الإثبات في الجرائم المعلوماتية، حيث تتطلب الخبرة التقنية وأدوات رقمية متطورة، وهو ما يجعل المحاكم تعتمد بشكل متزايد على تقارير الخبرة الصادرة عن المختبرات الجنائية الرقمية التابعة للمديرية العامة للأمن الوطني، فالجريمة المعلوماتية في المغرب لم تعد مجرد استثناء، بل أصبحت واقعا متناميا، والإطار القانوني متوفر والاجتهاد القضائي حاضر، لكن الرهان الأكبر يبقى في رفع وعي المواطنين بحماية معطياتهم الشخصية وتحصين الفضاء الرقمي من الاستعمالات غير المشروعة، فالقانون وحده لا يكفي لمواجهة جريمة عابرة للزمان والمكان، بل لا بد من مقاربة شمولية قوامها التشريع والردع والوقاية والتربية الرقمية:

تتمة المقال تحت الإعلان

1) الطبيعة القانونية للجريمة المعلوماتية : تتميز بكونها جريمة مركبة، يتقاطع فيها ما هو تقني بما هو قانوني؛ فهي من جهة اعتداء على حق موضوعي (الملكية، الخصوصية، الثقة في المعاملات الإلكترونية)، ومن جهة أخرى تستند إلى وسائل غير تقليدية (الأنظمة المعلوماتية والشبكات). المشرع المغربي اعتمد مفهوم “المس بنظم المعالجة الآلية للمعطيات” بدل مصطلح “الجريمة المعلوماتية” في القانون الجنائي، وذلك انسجاما مع مبدأ الشرعية الجنائية الذي يقتضي دقة التوصيف.

2) الركن المادي للجريمة : يتجسد في كل سلوك مادي غير مشروع يمس نظام المعالجة الآلية، على سبيل المثال: الولوج غير المصرح به (607-3)؛ عرقلة النظام أو تعطيله (607-4)؛ إدخال أو حذف أو تعديل المعطيات (607-6 و607-7)؛ نشر بيانات محمية أو إفشائها دون إذن.

الملاحظ أن المشرع ركز على “الفعل” دون اشتراط تحقق “النتيجة المادية”، مما يعني أن مجرد الولوج غير المشروع، حتى دون إحداث ضرر، يعد جريمة قائمة الأركان، وهذا توجه وقائي يعكس خطورة الاعتداءات الإلكترونية.

3) الركن المعنوي للجريمة : اشترط الفصل 607-5، العمد، وهو ما يضع عبئا على النيابة العامة لإثبات نية الجاني في الاستعمال غير المشروع أو الإضرار بالنظام. الاجتهاد القضائي أكد هذا الشرط، إذ ميز بين الولوج العرضي أو الناتج عن جهل تقني، وبين الولوج العمدي الذي يشكل جريمة.

4) العلاقة مع حماية الخصوصية الرقمية : القانون 103-13 جاء ليغطي فراغا كبيرا في مجال الحريات الشخصية، خصوصا أمام ظاهرة “الانتقام الرقمي” أو “التشهير الإلكتروني”. النصوص الواردة في الفصول 447-1 إلى 447-3 تضع حماية مشددة للحق في الصورة والمعطيات الخاصة، ما يجعلها تتكامل مع القانون 03-07، بمعنى أن الأول يحمي النظام المعلوماتي في ذاته، بينما الثاني يحمي مخرجات الاستعمال المعلوماتي، أي الحق في الحياة الخاصة.

5) الجانب العملي :

+ الإثبات الرقمي : يطرح إشكالا يتعلق بمدى حجية المحاضر والخبرات التقنية، وهل تكفي وحدها لإثبات الجريمة. القضاء اتجه إلى قبول الأدلة الرقمية إذا كانت صادرة عن خبرة معتمدة ومطابقة لمقتضيات المسطرة الجنائية؛

+ التكييف القانوني : أحيانا يصعب تحديد النص الواجب التطبيق، بسبب تشابه الأفعال (هل يدخل الفعل ضمن التشهير العادي، أم الجريمة المعلوماتية ؟

+ تأخر التشريع : النصوص الحالية لا تغطي جميع صور الجرائم المستحدثة مثل الهجمات السيبرانية واسعة النطاق، أو جرائم العملات الرقمية.

أصبحت الجريمة المعلوماتية اليوم في المغرب، تشكل نمطا إجراميا مستقلا، يتقاطع فيه البعد التقني مع الإطار القانوني والحقوقي، مما استدعى تدخل المشرع عبر القانون 03-07 الذي جرم الأفعال الماسة بنظم المعالجة الآلية للمعطيات، وكذا القانون 103-13 الذي وسع نطاق الحماية ليشمل الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية، غير أن التطبيق القضائي أبرز أن النصوص، رغم أهميتها، تصطدم بإشكالات عملية مرتبطة بصعوبة الإثبات وحاجة القضاة والشرطة القضائية إلى تكوين متخصص في المجال الرقمي، إضافة إلى التساؤلات المطروحة حول مدى كفاية التكييف القانوني لمواجهة صور مستحدثة من الجرائم الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى