الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | عندما غيرت فرنسا رئيس حكومتها لتبرير صفقة الحماية

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 136"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    ماذا بقي للمولى عبد الحفيظ غير الأمر الواقع؛ لقد استعرضنا حياة هذا الرجل وتفحصنا جزئياتها، وأطلنا في تفسير المناورات التي حيكت حوله والمؤامرات التي دبرت ضده، والمصاعب التي أحبك الخبراء شباكها، ومن الإنصاف القول بأنه احتمل أكثر مما يحتمل الرجال، وربما يسمح الموقف بالقول بأنه لو كان محله رجل آخر، لما احتمل أكثر مما احتمل هذا الرجل الذي دفع ثمن جهاده وتشبثه بوحدة وطنه ولجلاء القوات الأجنبية عنها غاليا.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومن مكر المستعمر وجبروته، أنه نكل أبشع تنكيل برجل بدأ حياته مجاهدا في سبيل الله، فضرب حوله حصارا سياسيا واقتصاديا وعسكريا وجعل منه دمية قابعة في القصر، بعدما جمد له أعصابه وحركاته بمؤامرات سبق أن نشرنا بعض ما نشر منها وما كتب ملخصا في التقارير السرية والدبلوماسية، والله وحده يعلم نوع المناورات الداخلية التي كانت تدبر ضده كل يوم وكل ليلة في القصر، ويتأكد هذا الشك ويصبح حقيقة عندما نقارن بين المولى عبد الحفيظ وهو في قصره ثائر يشتم الأجانب ويضحك على ذقون المرسولين الفرنسيين والإسبان، ويثير حمية الثوار، ويبحث لهم عن السلاح والمال.. والمولى عبد الحفيظ وهو جالس في قصره بدون أن يصدر منه أي رد فعل أمام الغزو العسكري الفرنسي والإسباني متسترا وراء حماية بعض الضباط الفرنسيين له من ثورات مفتعلة ودعايات مختلفة، ولكن الحالة الثانية التي كان عليها المولى عبد الحفيظ نقيض ما كان عليه من قبل، لا تسمح لنا على الإطلاق بأن نؤاخذه.

وأكبر حافز لإبعاد الشبهات عن هذا الرجل هي الحالة التي أصبح عليها عندما وجد نفسه أمام الأمر الواقع ووثائق الحماية تحضر في باريس.

في تلك المرحلة بلغ الصراع حده بين النقيضين، بين السلطان الثائر والسلطان المتساهل.

ولقد بلغ ذلك الصراع حدا أذهل الفرنسيين وجعلهم حسبما يظهر من كتاباتهم عن تلك المرحلة، يعانون أزمة ضمير تجعل بوادر الشك تغلب في شرعية عملية إمضاء عقد الحماية، بل إن الاتجاه القائل بأنه أرغم عنوة على إمضاء عقد الحماية أصبح غالبا، بينما لم يتوان بعض الكتاب والمؤلفين عن القول بأن المولى عبد الحفيظ لم يمض عقد الحماية.

وأول تفسير لهذا الاتجاه، في القرار الذي وجد فيه المولى عبد الحفيظ المخرج الوحيد من الأزمة.

 فعندما تفحص الأحوال والتهمته الشكوك ونيران الغيظ، ووجد أن الفرنسيين أقوى منه بكثير، وأنهم هزموه سياسيا وعسكريا، دوليا ومحليا، وسمع أن مشروع الحماية سيفرض عليه، وظروف إمضائه ستفرض عليه مثلما فرضت عليه إمضاءات سابقة، وجد الحل في حرمان الفرنسيين من عنصر أساسي وهو السلطان نفسه.

وفي 17 أكتوبر 1911، كتب مذكرة إلى وزارة الخارجية الفرنسية يعرض فيها فكرة تنازله عن العرش.

ولقد خامرته الشكوك في أن فرنسا ربما نطت على الفرصة، وقبلت استقالته وعينت محله سلطانا آخر بإمكانه أن يمضي كل ما يريده الفرنسيون، وخشي أن يكون تنازله قصما للرسالة التي تحملها، وربما نهاية لأسرته من حكم المغرب، لذلك طلب في مذكرته لوزارة الخارجية الفرنسية، أن تتعهد فرنسا بدعم وريثه على العرش وأن تضمن له حرية البقاء في المغرب وتضمن له التمتع بأملاكه الشخصية.

إلى هذا الحد كان المولى عبد الحفيظ قد أخذ يشعر بأن فرنسا أصبحت سيدة الموقف في المغرب، ورغم أنه بهذه الرسالة برهن عن ضعف وعجز شربت فرنسا على نخبه كؤوس الانتصار، فإن فرنسا ارتأت أن يكون الموقع على عقد الحماية هو نفس السلطان الذي كان يحارب الاحتلال الفرنسي، لذلك سارع رئيس الحكومة الفرنسية، دي سيلف، إلى الكتابة إلى السلطان مطمئنا إياه بأن فرنسا لا ترغب أبدا إلا في بقائه، وبقاء الدين الإسلامي، وأن ما دون ذلك سيعرض عليه كتابة بواسطة مبعوث خاص، وكان الوزير الفرنسي يقصد عقد الحماية.

وحتى تكون فرنسا منطقية مع نفسها أمام الرأي العام العالمي وأمام السلطان، تم إجراء تعديل حكومي في فرنسا وأصبح الوزير الأول الجديد، بوانكاري، وزيرا للخارجية في نفس الوقت، وكل الدلائل تبرهن أن التعديل الوزاري الفرنسي كان مبرره الأول هذه الفترة الجديدة في تاريخ العلاقات المغربية-الفرنسية.

فقد كان أول عمل قام به الرئيس الجديد بوانكاري هو تشكيل البعثة التي ستحمل إلى سلطان المغرب وثيقة الحماية، وكان رئيس البعثة هو السفير الوزير رينيو، الرجل الذي كان دائما مكلفا بالملف المغربي.

وقد نزل رينيو في ميناء طنجة يوم 5 مارس 1912 وحقيبته في يده ومخططه في دماغه؛ فهو يعرف أن السلطان لن يمضي هذه الوثيقة، ويعرف أن شعب المغرب رافض مسبقا للسماح للسلطان بإمضاء عقد الحماية.

وعندما وصل رينيو إلى القصر الكبير يوم 19 مارس، استقبله بحفاوة كبرى الجنرال الإسباني السفاك سلفستر، الذي أرفقه بخفر عسكري إسباني حتى إلى حدود النفوذ الإسباني في واد لوكوس.

ووصل رينيو إلى فاس يوم 24 مارس 1912، حيث استقبله الجنرال موانيي،

ولكن استغراب الوزير رينيو لم يكن كبيرا حينما وجد أن المدينة في ذلك اليوم أغلقت أبوابها ونوافذها وكانت خالية مقفرة – كما يقول المؤلف الاستعماري ويز بيرجر – وصف هذا المؤلف، الذي عمل الكثير من أجل احتلال المغرب، وصول الوزير رينيو في ذلك اليوم إلى مدينة فاس فقال: ((كان الوزير رينيو في أبهى حلة وقد تراصت قرب خيمته القوات المسلحة وبعض الخيالة الذين أُحضروا بالمناسبة، وعندما وصل موكبنا إلى جدران أكدال، كانت الجوانب مشحونة بالجماهير المصفقة والمهللة.. إنها جماهير اليهود الذين كانوا يرددون النشيد الوطني الفرنسي، لكن الموكب عندما وصل إلى باب الدكاكين، وحتى إلى باب بوجلود، لم يجد إلا الفراغ وساحة باب بوجلود مقفرة، ولم يكن واقفا في استقبال الوزير والموكب الفرنسي إلا بعض النساء العاهرات أُحضرن من طرف الباشا مكلفات بمهمة إطلاق الزغاريد لإيهامنا بأن نساء فاس تستقبلنه)) انتهى وصف المؤرخ الفرنسي لوصول المبعوث الفرنسي.

هذا الاستقبال الذي خصه سكان العاصمة فاس لحامل وثيقة الحماية الفرنسية، ولا شك أن المؤلف والصحفي ويز بيرجر لم يذكر إلا ما يشرف وزیره.

وعندما دخل الوزير رينيو على السلطان المولى عبد الحفيظ، كان المؤلف والصحفي حاضرا، حيث وصف لحظات المقابلة كما يلي: ((لقد أظهر السلطان الغضب والعصبية وجدد رغبته في التنازل عن العرش، ولكننا لم نكن نعرف هل كان ذلك الموقف من طرف مولاي حفيظ لإنقاذ شرفه، أم لرفع ثمن مطالبه ؟)) يقول المؤلف ويز بيرجر.

وقد كان الاستقبال باردا كما يذكر المؤلف الفرنسي، إلا أن هذا المؤلف لم يذكر أن السلطان رفض الكلام نهائيا، وأن المقري هو الذي تولى الترحيب بالوزير الفرنسي (انظر كتاب “على عتبة المغرب العصري” لويز بيرجر – طبع معهد الدراسات العليا سنة 1947).

بينما نجد في مؤلف “أربعة قرون من تاريخ المغرب” للمؤلف مارتان، بعض الإيجابية والواقعية في نقل الأحداث التي سبقت إمضاء عقد الحماية.

يقول مارتان ((كان السلطان وهو يتفحص العقد، يرى نهاية عهد الجهاد الذي دعا إليه، ويرى نهاية عهد المولى إسماعيل حينما يجد في فصول العقد نصوصا تضع الإسلام والمبادئ في موضع الحجز))، ويضيف المؤلف مارتان قائلا: ((وفكر المولى عبد الحفيظ طويلا ثم دخل في غضبة كبرى، حيث جمع وزرائه وأخذ يسبهم ويلعنهم)).

ويقول مارتان: ((لقد رأى مولاي حفيظ تطور الأحداث، وهذا العقد الذي يبعده عن أصالته وأصالة أبيه وثورته، وعن أصالة أمه التي هي تواتية الأصل من ذلك الإقليم الذي احتله الفرنسيون.

وأحنى العلماء والأشراف رؤوسهم أمام غضبة السلطان إلا رجلا واحدا وجد فيه الجرأة والشجاعة، وهو الوزير المقري، الذي قال بصوت مرتفع: إنا لله وإنا إليه راجعون.

وعندما لم يعلق أحد على آية المقري، بدأ المقري يتحدث عن عظمة فرنسا وما رآه عندها من حضارة وعظمة واقتصاد، وتساءل هل نواجه دولة خضع لها الإنجليز والألمان والطليان ؟)).

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى