تحليل إخباري | كيف يمكن لأحزاب متهمة بالفساد أن تحارب الفساد ؟
أسطوانة الإصلاح تكرر نفسها

إعداد: سعيد الريحاني
((إذا جاز للمرء أن يبرر في مغرب القرن العشرين أكثر الطموحات الوطنية التي تعرضت لسوء الحظ، فإن قضية الديمقراطية تفرض نفسها على رأس القائمة، إن هذا يعني أن المثل المغربي “بابور المغرب عمرو ما يقلع” قد انطبق فعلا على مغرب القرن العشرين في مجال الديمقراطية بالتحديد، ولم يكن سبب ذلك راجع إلى تقاعس المغاربة عن المطالبة بالديمقراطية ولا عجزهم عن ممارستها، ولا إلى عدم وعيهم بأهميتها، بل لقد كان ذلك راجعا إلى نوع من التواطؤ التاريخي – إذا جاز هذا التعبير – قوامه التنافس، إن لم يكن التعارض، بين القضية الوطنية والقضية الديمقراطية، أعني بذلك أنه كلما طرحت قضية الديمقراطية إلا ووجد المغاربة أنفسهم أمام قضية وطنية تفرض نفسها كصاحبة الأولوية، أما أن تكون هذه الأولوية تشكل ضرورة لا يمكن تجاوزها ولا حتى إشراك أولوية أخرى معها، كأولوية الديمقراطية مثلا، أم أن الأمر يتعلق بالهروب من مشاكل الديمقراطية في ظروف لا تضمن فيها الديمقراطية لـ”الوطنيين” قيادة القافلة المغربية ككل، أو قافلة الوطنية ككل، فهذا أمر يجاوز المعطيات الموضوعية إلى تأويل الأحداث، وقراءة النوايا، وهذا لا يدخل في اهتمامنا ولا ينتمي إلى الأفق الذي نفكر في إطاره.. لنكتف بالقول إن قضية الديمقراطية في المغرب قد تعرضت لسوء الحظ طوال القرن 20(..))).
التعليق أعلاه مقتبس من كلام القطب الاتحادي الراحل محمد عابد الجابري، وقد كانت هذه سمة المغرب في القرن 20، فماذا عن القرن 21 حيث كثرة الدعوات إلى الإصلاحات من طرف أحزاب تدعي الديمقراطية والتعددية، فكانت النتيجة هي “تناوب” على الاستفادة من المصالح دون إصلاح(..)، بل إن هذه الأحزاب التي تدعي الإصلاح لم تنظف حتى بيتها الداخلي، فكيف لها أن تصلح وضعا سياسيا أكبر منها(..) ؟
اليوم، تتسابق الأحزاب السياسية على رفع مذكراتها السياسية إلى وزارة الداخلية بشأن مراجعة المنظومة الانتخابية، تمهيدا للجلسات التشاورية المرتقبة خلال شهر شتنبر الجاري، والملاحظ أن جل هذه المذكرات تطالب بتخليق الحياة السياسية ومحاربة الفساد الانتخابي، لكن نفس الأحزاب التي تطالب بهذا “السمو الأخلاقي” ضمنت العضوية لأعضاء متهمين بالفساد، منهم من يقبع في السجن حاليا، بل إنه يمكن القول إن بعض هذه الأحزاب، بما فيها أكبر الأحزاب، ساهمت في الإساءة لصورة المؤسسات الوطنية في الخارج، ولم تعد تقارير الفساد منتوجا محليا للصحافة الوطنية، بل تعدته إلى تقارير دولية.
فقد أعادت الصحافة الوطنية تداول تقرير نشرته مجلة “جون أفريك”، يتضمن معطيات صادمة تؤكد تورط 30 برلمانيا في ملفات قضائية ثقيلة تتعلق بالفساد وتبديد المال العام وسوء تدبير الشأن العام، بالإضافة إلى جرائم أخرى مثل الاتجار بالبشر وهتك العرض، بل إن الصحافة الدولية أكدت أن هؤلاء البرلمانيين ينتمون إلى مختلف الأطياف السياسية، بين أحزاب الأغلبية والمعارضة، والخطير أن هذه المقالات الصحافية تشير إلى المتهمين بأسمائهم، ومن بينهم ((محمد بودريقة، البرلماني السابق، الذي أدين بخمس سنوات سجنا نافذا على خلفية تهم تتعلق بالفساد والتزوير، ومحمد الحيداوي، النائب البرلماني المشتبه في تورطه في فضيحة إعادة بيع تذاكر مباريات كأس العالم 2022.. كما برز اسم سعيد الناصري، النائب البرلماني ورئيس فريق الوداد الرياضي، المتابع في قضية “إسكوبار الصحراء”، إلى جانب عبد النبي البعيوي، الرئيس السابق لجهة الشرق، إضافة إلى نواب من أحزاب الاتحاد الاشتراكي والاتحاد الدستوري والحركة الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية)) (المصدر: عدة مواقع).

إن حالة الفساد المثبت قضائيا، هي التي جعلت المعلقين يسخرون من المرحلة قائلين إن التجربة العملية أثبتت حاجة البرلمان المغربي إلى غرفة ثالثة، بدل غرفتين، وأكدوا على تسمية الغرفة الثالثة بغرفة “عكاشة”، في إشارة إلى العدد الكبير من البرلمانيين الذين يقضون عقوبات سجنية.
لنأخذ الاتحاد الاشتراكي على سبيل المثال، والذي لم يجد ممثلوه وهم يقدمون مذكرتهم السياسية الأخيرة أمام الصحافة أي حرج وهم يتحدثون عن كون مذكرتهم “ليست جديدة، بل هي سيرورة منذ سنة 1976، هذه المذكرة التاسعة إنها مذكرة ليست نهائية، بل هي مقترحات أولية تؤطرها مرجعتينا الحزبية وانطلاقا من المواثيق الدولية في مجال الانتخابات والدستور والفصول التي تؤسس لحرية ونزاهة الانتخابات”.. هكذا تحدث المتحدث أمام الكاتب الأول إدريس لشكر، والغريب في الأمر، أن واحدا من الذين قدموا المذكرة متابع قضائيا في ملف تختلط فيه الوقائع المعتادة مع الغيبيات(..).
ولكن الصحافة تشير إلى وجود متابعين قضائيا في ملفات كبرى باتوا يشكلون جزء كبيرا من الفريق الاتحادي في المؤسسات، والكل ردد الإصلاحات المنشودة كما تم إملاؤها، وبغض النظر عن “الجوهر”، الذي أدى إلى تطورات خطيرة داخل حزب المهدي بنبركة، وعبد الرحيم بوعبيد، فقد كتبت الصحافة ما يلي: ((وضع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ضمن مذكرته الإصلاحية، حزمة من التدابير الصارمة التي تهدف إلى تعزيز النزاهة والشفافية ومحاربة مختلف أشكال الفساد التي تؤثر على سلامة العملية الانتخابية)).
ولم تقف الصحافة عند هذا الحد، بل إنها ربطت هذه المذكرة بإجراءات معينة، نقلا عن الاتحاد الاشتراكي، حيث قالت: ((في مقدمة هذه الإجراءات، دعا الحزب إلى إعادة النظر في المقتضيات القانونية التي تسمح للمترشحين بالاستعانة بأجراء خلال الحملات الانتخابية، مشيرا إلى أن التجربة أثبتت تحول هذا الأمر إلى عملية شراء للأصوات، وطالب بوضع ضابط قانوني يحدد حدا أقصى لعدد هؤلاء الأجراء، ويجعل نفقاتهم لا تتجاوز ثلث المصاريف المقررة قانونا للحملات، لضمان منافسة عادلة.. كما شدد الحزب على ضرورة تشديد العقوبات والجزاءات في المجال الانتخابي لتكون متلائمة مع مجموعة القانون الجنائي، مع مضاعفة العقوبات المقررة للجرائم العمدية التي يرتكبها المترشحون أو أنصارهم، ودعا بشكل خاص إلى منع استغلال وسائل وممتلكات الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية بغاية التأثير على إرادة الناخبين، مقترحا فرض عقوبات على هذه الممارسات قبل 6 أشهر من موعد انطلاق الحملة الانتخابية، بما فيها المنع من الترشح..
ولتجنب تضارب المصالح، يقترح الحزب توسيع حالات التنافي ومنع أعضاء مجلس النواب من ربط مصالح خاصة مع المؤسسات العمومية أو الجماعات الترابية في دوائرهم الانتخابية، سواء بشكل شخصي أو عبر وسطاء، ونص المقترح على تجريد كل برلماني تثبت مسؤوليته في استغلال تسريبات مخلة بالمنافسة أو استغلال مواقع النفوذ من عضويته.
وفيما يخص عملية الاقتراع، طالب الحزب بضمانات إضافية، منها منع طرد ممثلي المترشحين من مكاتب التصويت دون سند قانوني، وإلزام رؤساء المكاتب بتسليم نسخ موقعة من المحاضر فورا لممثلي المترشحين، واعتبار أوراق التصويت ومحاضر المكاتب وثائق رسمية يعاقب على تزويرها بنفس العقوبات المقررة في القانون الجنائي)) (المصدر: تغطية رسمية عن موقع القناة الثانية).
الأمر مرتبط إذن، بالشكليات، لكن الممارسة هي التي جعلت عددا كبيرا من النواب البرلمانيين في دائرة الاتهام، وهنا يطرح السؤال: كيف يمكن لحزب يفترض أنه بني على أساس قيمي أخلاقي، أن يساهم في تخليق الحياة السياسية بينما بعض ممثليه متورطين(..).

هذا حال المعارضة، وهو لا يقل حالا عن حالة الأغلبية، فعوض إصدار مذكرة سياسية واضحة، اختار عزيز أخنوش الخروج إعلاميا باستخدام الإعلام الرسمي، لكن ذلك جعله هدفا سهلا في مرمى خصومه، الذين قالوا أن ((ما قُدّم لا يحمل جديدا، بل هو كلام عام ومكرر، ولا يتضمن معطيات دقيقة أو أجوبة شافية عن تساؤلات المواطنين))، بل إن الكاتب الوطني لشبيبة العدالة والتنمية عادل الصغير، قال أن ((أخنوش بدا منزعجا من مواقف المعارضة، خصوصا معارضة العدالة والتنمية، وحاول التقليل من دورها، في الوقت الذي لم يستطع فيه تقديم ردود مدعومة بالأرقام، بل اكتفى بترديد شعارات عن حصيلة إيجابية، وأضاف الصغير، أن الحوار أظهر استمرار هيمنة “عقلية رجل الأعمال” على رئيس الحكومة، معتبرا أن دفاعه المستميت عن صفقة تحلية مياه البحر يكرس فكرة أن دخوله إلى السياسة كان من أجل مصالح شخصية، وليس لخدمة الصالح العام.
وفي سياق متصل، انتقد الصغير عدم كشف أخنوش عن مذكرة حزبه الانتخابية، قائلا: ((هذا الحزب لا يملك الشجاعة لعرض مقترحاته على المواطنين، ربما لأنه مستفيد من اختلالات سابقة في العملية الانتخابية، وهو ربما لن يطلب تغييرها، وربما مذكرة الحزب ستكون من أجل تعميق الاختلالات وتوسيعها حتى يسمح مرات أخرى لتحكم المال والأعيان وتدخلات بعض رجال السلطة في العملية الانتخابية، مرجحا أن تكون المذكرة قد أعدت من طرف مكتب دراسات، دون اطلاع فعلي من قيادة الحزب عليها)) (المصدر: موقع العدالة والتنمية).
نفس الأمر ينطبق على حزب الأصالة والمعاصرة، بينما يوجد أبرز قيادييه السابقين في دائرة الاتهامات، وعلى رأسهم المحركان البعيوي والناصيري، اختار الحزب الدعاية لاكتساح انتخابي سابق لأوانه، لتكتب الصحافة أن ((نادية بزندفة، النائبة البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة ونائبة رئيسة منظمة نساء الحزب، أكدت أن الحد الأدنى الذي يضعه الحزب طموحا له في الانتخابات المقبلة، يتمثل في تمثيل لا يقل عن 132 نائبة برلمانية داخل المؤسسة التشريعية.. وفي سياق متصل، شرحت بزندفة أن بلوغ هذا الهدف رهين بتبني آليات متنوعة، أولها تعزيز حضور النساء في اللوائح المحلية إلى جانب الاستفادة من اللائحة الجهوية التي تمنح اليوم نحو 90 مقعدا نسائيا، بالإضافة إلى إمكانية فرض نسبة الثلث في اللوائح المحلية عن طريق تقديم تزكيات أو ترشيح وكيلات لوائح نسائية، وشددت على أن نجاح هذه المقاربة يظل مرتبطا بالإرادة السياسية لدى الأحزاب مجتمعة، مع إمكانية تقديم وزارة الداخلية لدعم استثنائي لصالح التنظيمات التي تمنح فرصا أوسع للسيدات..
وأضافت المتحدثة، أن النقاش حول تمثيلية النساء لم يأخذ الحيز الكافي في الأجندة السياسية الوطنية، مؤكدة أن حزب الأصالة والمعاصرة يضع هذا الملف ضمن أولوياته المركزية، واعتبرت أن بلوغ عتبة الثلث هو خطوة انتقالية ضرورية في أفق الوصول إلى المناصفة، التي تعد مبدأ دستوريا ملزما وركيزة أساسية في تعزيز الديمقراطية التمثيلية بالمغرب)).
هكذا إذن، يعول “البام” على لائحة النساء، بينما تعول أحزاب أخرى على لائحة الشباب، باعتبارهما أسهل طريقتين للوصول(..)، بل إن “البام” وكأنه حزب فقير، دعا إلى ((تسقيف المصاريف الانتخابية والإشهار الإعلامي بما ينسجم مع القوانين الجاري بها العمل، في محاولة لقطع الطريق على استعمال المال أو النفوذ غير المشروع خلال الحملات الانتخابية، كما لم يغفل الحزب التشديد على العقوبات المتعلقة بالتزوير والتدليس في العملية الانتخابية، باعتبارها مدخلاً لضمان شفافية النتائج ومصداقيتها)).
هكذا إذن، تسابقت جل الأحزاب السياسية على تقديم مذكرات، تدعو إلى محاربة الفساد، بينما جزء من هذا الفساد عاش بين ظهرانيها وتطور وتغول إلى درجة الدفاع عن المصالح الشخصية باعتبارها مصالح عامة، وحتى عندما خرج أخنوش للدفاع عن صفقات تحلية المياه، دافع عن الثمن ولم ينتبه إلى عذر أكبر من الزلة، وهو تضارب المصالح، لأن الأمر يتعلق بشركاته، كما أن الصحفيين الذين تكلفوا بإجراء حوار معه، سكتوا عن طرح سؤال بديهي(..).



