ملف الأسبوع | هل يؤدي العدوان الإسرائيلي إلى نسف الاتفاق الثلاثي مع المغرب ؟
مخاطر تجاوز حل الدولتين
أعلن رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، وبصريح العبارة، أن فكرة حل الدولتين لم تعد مطروحة تماما في ظل تصاعد الأصوات والتحركات الدولية للتصدي لهذه التصريحات وما واكبها من وقائع ميدانية تمثلت في بداية اقتحام ما تبقى من الضفة الغربية في محاولة لضمها بصفة نهائية، كما بدأ الكيان الخطوات العملية من أجل ترحيل سكان غزة واحتلال أرضهم، وبالموازاة مع المواقف الدولية الرافضة للتوجه الإسرائيلي، خرج وزير الخارجية المغربي ليعلن عن رأي المملكة، وهي التي تقيم مع هذا الكيان علاقات طبيعية، حيث أكد أن المغرب يعتبر التصريحات بشأن احتلال قطاع غزة وترحيل الفلسطينيين منه “خطيرة ومرفوضة ويجب التعامل معها بحزم وبالصرامة الضرورية”، مبرزا أن “خطورتها تمس المدنيين في غزة وتمس أيضا استقرار البلدان المجاورة، وكذلك استقرار المنطقة”. ومن هنا يطرح السؤال حول الصرامة التي سيتعامل بها المغرب؟ وهل إسرائيل تجاوزت خطوطا حمراء تهم اتفاقية التطبيع الموقعة مع المغرب، خصوصا مسألة حل الدولتين الذي أعلنت تل أبيب بأنها لا تعترف به ؟
أعد الملف: سعد الحمري
هل ترك الإعلان الثلاثي ليوم 20 دجنبر 2020 موقف المغرب غامضا من مسألة حل الدولتين ؟
لعب المغرب دورا مهما خلال مرحلة السبعينيات والثمانينيات من أجل مد جسور التواصل بين إسرائيل والعرب، منها تأييد الحسن الثاني العلني لخطوة أنور السادات بزيارة تل أبيب سنة 1978، ثم استقبال الملك الحسن الثاني لشمعون بيريز في مدينة إفران سنة 1986، وبعد ذلك، فتح مكتب اتصال إسرائيلي في الرباط سنة 1994، ومع انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية سنة 2001، أعلنت المملكة عن إغلاق المكتب الإسرائيلي في الرباط وتعليق كل أشكال التعاون مع الكيان الصهيوني، غير أنه وانطلاقا من فترة ما بعد الربيع العربي، شهدت العلاقات بين البلدين تطورا ملحوظا على مستوى التبادل التجاري، لتتوج العلاقات بصفة رسمية، يوم 10 دجنبر 2020، عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عبر سلسلة تغريدات على حسابه الرسمي على “تويتر”، أن المغرب وإسرائيل اتفقا على تطبيع العلاقات بينهما بوساطة أمريكية، كما أعلن، في تغريدة أخرى، عن توقيع إعلان يعترف بسيادة المغرب على الصحراء المغربية أسوة باعتراف المملكة المغربية بالولايات المتحدة عام 1777، قبل أن يعلن الديوان الملكي عن إجراء محادثة هاتفية بين الملك محمد السادس والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تباحثا خلالها سبل استئناف الاتصالات الرسمية الثنائية والعلاقات الدبلوماسية والرحلات بين إسرائيل والمغرب، كما أعلن الرئيس الأمريكي عن إصدار مرسوم رئاسي، بما له من قوة قانونية وسياسية ثابتة، بسيادة المملكة المغربية الكاملة على كافة منطقة الصحراء المغربية.
وفي اليوم نفسه، أعلن الديوان الملكي عن إجراء الملك محمد السادس اتصالا هاتفيا مع رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، محمود عباس أبو مازن، لإطلاعه على فحوى الاتصال الهاتفي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مؤكدا، وفق البيان، موقف المملكة الداعم للقضية الفلسطينية الثابت بلا تغيير، والقاضي بحل الدولتين، وفق المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي كسبيل وحيد للوصول إلى حل نهائي ودائم وشامل لهذا الصراع، إلا أن “الإعلان المشترك بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية ودولة إسرائيل”، الصادر يوم 22 دجنبر 2020، جاء في فقراته المتعلقة بالقضية الفلسطينية ما يلي: ((.. وتذكيرا بوجهات النظر المتبادلة خلال نفس الاتصال بين جلالة الملك محمد السادس وفخامة الرئيس دونالد ترامب، بشأن الوضع الراهن في منطقة الشرق الأوسط، والذي جدد خلاله جلالة الملك موقف المملكة المغربية المتوازن والثابت بخصوص القضية الفلسطينية والموقف المعبر عنه في ما يخص أهمية المحافظة على الطابع الخاص لمدينة القدس المقدسة بالنسبة للديانات السماوية الثلاث ومكانة صاحب الجلالة كرئيس للجنة القدس، واعترافا بالدور التاريخي الذي ما فتئ ينهض به المغرب في التقريب بين شعوب المنطقة ودعم السلام والاستقرار بالشرق الأوسط..)).
وقد قرأ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، هذا البيان كالتالي: ((لا يتحدث الإعلان الثلاثي عن حل الدولتين، كما أنه لا يشير إلى الوضع السياسي لمدينة القدس، حيث جاء في الإعلان الثلاثي: “تذكيرا بوجهات النظر المتبادلة خلال الاتصال بين الملك محمد السادس والرئيس دونالد ترامب، بشأن الوضع الراهن في منطقة الشرق الأوسط، والذي جدد خلاله الملك موقف المملكة المغربية المتوازن والثابت بخصوص القضية الفلسطينية والموقف المعبّر عنه في ما يخص أهمية المحافظة على الطابع الخاص لمدينة القدس المقدسة بالنسبة إلى الديانات السماوية الثلاث ومكانة صاحب الجلالة بوصفه رئيسا للجنة القدس”، وأضاف: لا نفهم المقصود بعبارة “موقف المملكة المغربية المتوازن والثابت بخصوص القضية الفلسطينية”، وكذلك المقصود بعبارة “أهمية المحافظة على الطابع الخاص لمدينة القدس المقدسة بالنسبة إلى الديانات السماوية الثلاث”، وهذه الصياغة لا تتناقض مع “سيادة إسرائيل على القدس الموحدة” ولا مع كونها عاصمة لإسرائيل، ولا يُجلي الغموض، خصوصا وأن هذا الاتفاق يندرج ضمن “اتفاق أبراهام”، الذي يجعل مدينة القدس جزءً من “المواقع التاريخية في إسرائيل” المفتوحة “أمام المسلمين في جميع أنحاء العالم”، لزيارتها و”الصلاة بسلام في المسجد الأقصى في القدس”)).
ورغم تطبيع العلاقات بين البلدين، إلا أن إسرائيل تأخرت حتى يوليوز 2023 لتعترف بسيادة المغرب على صحرائه، عندما أعلن الديوان الملكي يوم 17 يوليوز، أن ((الملك محمد السادس تلقى رسالة من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يعلن فيها اعتراف إسرائيل بسيادة المغرب على الصحراء، وأكد نتنياهو، أن موقف بلاده سيتجسد في كافة أعمال ووثائق الحكومة الإسرائيلية ذات الصلة، وأضاف أنه سيتم إبلاغ الأمم المتحدة، والمنظمات الإقليمية والدولية التي تعتبر إسرائيل عضوا فيها، وجميع البلدان التي تربطها بإسرائيل علاقات دبلوماسية، بهذا القرار))، وبحسب البلاغ، فإن ((إسرائيل تدرس إيجابيا فتح قنصلية لها بمدينة الداخلة))، تكريسا للقرار.

تأكيد ملكي على دعم المغرب لخطة حل الدولتين مقابل ابتزاز إسرائيلي
غير أن استمرار التقارب بين البلدين بدأ يتصدع بعد حدث “طوفان الأقصى” يوم 7 أكتوبر 2023، حيث أعلن المغرب عن موقفه الصريح الرافض لاستمرار العدوان الإسرائيلي على غزة، في المقابل، أقدم بنيامين نتنياهو على خطوة اعتبرت استفزازية للمغرب، عندما ظهر في شهر ماي 2024 وخلفه خريطة للعالم وعليها المغرب مبثورا من صحرائه، يومها قدم نتنياهو اعتذارا للمغرب.
غير أن هذا الاستفزاز لم يؤثر على موقف المغرب؛ ففي يوم 29 يوليوز 2024، دعا الملك محمد السادس في الخطاب الذي ألقاه بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتوليه العرش، إلى قطع الطريق على المتطرفين من أي جهة من أجل اعتماد مفاوضات السلام بين فلسطين وإسرائيل، وقال: ((إن المملكة عملت على فتح طريق غير مسبوق لإيصال المساعدات الطبية والغذائية الاستعجالية للفلسطينيين في غزة، وأضاف الملك، أن الاهتمام بالأوضاع الداخلية لبلادنا، لا ينسينا المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني الشقيق. وبصفتنا رئيس لجنة القدس، عملنا على فتح طريق غير مسبوق، لإيصال المساعدات الغذائية والطبية الاستعجالية لإخواننا في غزة.
وقال الملك: بنفس روح الالتزام والمسؤولية، نواصل دعم المبادرات البناءة، التي تهدف لإيجاد حلول عملية، لتحقيق وقف ملموس ودائم لإطلاق النار، ومعالجة الوضع الإنساني، وتابع أن تفاقم الأوضاع بالمنطقة يتطلب الخروج من منطق تدبير الأزمة إلى منطق العمل على إيجاد حل نهائي لهذا النزاع، وذلك وفق المنظور التالي: أولا: إذا كان التوصل إلى وقف الحرب في غزة، أولوية عاجلة، فإنه يجب أن يتم بموازاة مع فتح أفق سياسي كفيل بإقرار سلام عادل ودائم في المنطقة. ثانيا: إن اعتماد المفاوضات لإحياء عملية السلام بين الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي، يتطلب قطع الطريق على المتطرفين من أي جهة كانوا. ثالثا: إن إرساء الأمن والاستقرار بالمنطقة، لن يكتمل إلا في إطار حل الدولتين، تكون فيه غزة جزء لا يتجزأ من أراضي الدولة الفلسطينية المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية)). الملاحظ من خلال هذا الخطاب، أن المغرب جدد التزامه التام بضرورة ووقف الحرب وتشبثه بحل الدولتين.
وحول موقف المملكة من الحرب في غزة ومن القضية الفلسطينية ككل، تحول الأمر إلى حرب خفية بين المغرب وإسرائيل، حيث وبعد سلسلة تصريحات من قبل وزير الخارجية، ناصر بوريطة، حول ضرورة وقف الحرب، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، خلال مؤتمر صحافي، شرح من خلاله سياسات بلاده في إدارة الحرب مع فصائل المقاومة الفلسطينية، وفي الخلفية الخريطة التي سبق لمكتبه أن أعلن عن تغييرها تماشيا مع الموقف الإسرائيلي الداعم لمغربية الصحراء، وهو ما اعتبره مهتمون استفزازا مباشرا للرباط التي ترفض استمرار الحرب في الشرق الأوسط، مع العلم أنه سبق أن تكررت هذه الواقعة أكثر من مرة وسط تبريرات إسرائيلية غير مقنعة وتثير تساؤلات حول جدية موقف تل أبيب بشأن قضية الوحدة الترابية للمملكة، وأن نتنياهو يوجه من خلال هذا التلميح وهذه الإشارة، رسالة مبطنة إلى المغرب مفادها أن الاعتراف بمغربية الصحراء يخضع بالدرجة الأولى لتقديرات ورؤية “الإسرائيلي” الذي يمكن أن يبتر الخريطة متى شاء ويصف الصحراء بالغربية متى شاء، ويعتذر متى شاء، وهو توجه ينطوي على نزعة ابتزاز واستفزاز ولا مسؤولية.

تجدد حرب التصريحات بين المغرب وإسرائيل
ومع تطورات الحرب الإسرائيلية على غزة، وإعلان الكيان الصهيوني نيته بصفة علنية تهجير الفلسطينيين من أرضهم واحتلالها، إلى جانب إعلان مخطط ضم الضفة الغربية وإنهاء فكرة حل الدولتين، شدد ناصر بوريطة، وقبل أيام من الآن، في تصريح للصحافة عقب “خلوة رفيعة المستوى حول مستقبل العلاقات الأورو-متوسطية”، على أن “موقف المملكة المغربية بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، واضح، وهو التنديد بشكل قوي والرفض المطلق لهذه التصريحات المستفزة”، معتبرا أن الأمر لا يتعلق فقط بخرق للقانون الدولي أو القانون الدولي الإنساني، بل يمس أسس الاستقرار، وبالتأكيد يمس استقرار الدول المجاورة.
وأوضح بوريطة، أن ((المغرب يعتبر أيضا أن هذه التصريحات يجب أن تقاس خطورتها بالنظر إلى ما تمثله بالنسبة لمجهود عقود في إطار حل الدولتين، واليوم الهدف هو القضاء على هذا الأفق بشكل كبير، محذرا من أن الممارسات التي تتم في القدس والتهديدات والاقتحامات، ستزيد من تحويل مشكل سياسي إلى مشكل ديني، لأن للقدس رمزيتها باعتبارها مكانا للتعايش، ولأن المس بها اليوم هو مس أو دفع نحو عناصر الكراهية والتطرف التي لا يمكن لأحد أن يتنبأ بعواقبها)).
فهل معنى هذا أن إسرائيل تجاوزت الخطوط الحمراء مع المغرب، عندما أعلنت أنها تعمل على ضم الضفة الغربية والقضاء على فكرة حل الدولتين؟ وهل هناك خطوات أخرى سيقدم عليها المغرب في القادم من الأيام، أم أن القمة العربية الإسلامية نابت عن المغرب في الإجابة، عندما كان بيانها مليئا بكلمات التنديد بأشد العبارات دون نسيان دور المغرب، حيث جاء في النقطة 22 من البيان: ((التأكيد على ضرورة العمل على تثبيت المقدسيين على أرضهم، ودعم لجنة القدس برئاسة جلالة الملك محمد السادس ملك المملكة المغربية، وذراعها التنفيذي وكالة بيت مال القدس الشريف))، كما جاء في النقطة 15 ما يلي: ((دعوة جميع الدول إلى اتخاذ كافة التدابير القانونية والفعالة الممكنة لمنع إسرائيل من مواصلة أعمالها ضد الشعب الفلسطيني، بما في ذلك دعم الجهود الرامية إلى إنهاء إفلاتها من العقاب ومساءلتها عن أثارها وجرائمها، وفرض العقوبات عليها، وتعليق تزويدها بالأسلحة والذخائر والمواد العسكرية، أو نقلها أو عبورها، بما في ذلك المواد ذات الاستخدام المزدوج، ومراجعة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية معها، ومباشرة الإجراءات القانونية ضدها)).



