الحقيقة الضائعة | بنود الاتفاق الألماني الفرنسي لاستغلال المغرب
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 134"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

كان الاتفاق الفرنسي – الألماني هو الأساس الذي فك عقدة أزمة أكادير سنة 1911، ومقابل هذا الاتفاق قررت ألمانيا رفع حجزها عن ميناء أكادير، وقدمت المغرب لقمة سائغة لفرنسا، بل إنها أعلنت للدول العالمية كلها، أن استغلال وسيادة المغرب لا يساوون عندها “ماركا” واحدا.
ولكن فرنسا أكدت لألمانيا أنها حقا متفقة، ولكنها تريد وثيقة رسمية يعترف بها دوليا وتزيل الأشواك من أقدام فرنسا وهي تحتل أرض المغرب.
آنذاك، اجتمع الخبراء الألمان والفرنسيون واتفقوا على مخطط من جزأين: واحد سري وواحد علني، وذلك حتى لا تعلن الأشياء الوسخة القذرة، ولا تشاع الروائح النتنة بعد أن افترس الذئبان فريسة مشتركة ثم مسحا شفتيهما وتقدما للرأي العام العالمي في صفة حملين وديعين.
وفيما يلي نص الاتفاق الذي جعل الدولتين المفترستين تتفاديا قيام الحرب العالمية مؤقتا، والذي تدخل في الوصول إليه الروسيون أنفسهم، إذ أعرب السفير الروسي في باريس عن تأييده للاتفاق معلقا بقوله: ((إنه من المحزن أن تفشل المفاوضات بين فرنسا وألمانيا، لأن فرنسا لم تتخل لألمانيا عن بضع كيلومترات))، وبين السفير الروسي إيفولسكي: ((إنه من الصعب إقناع الرأي العام الروسي بالدخول في حرب بسبب المغرب، كما أن روسيا لن تتورط في حرب من أجل الكونغو)).
ورد هذا التصريح في الوثائق الدبلوماسية الفرنسية – نشرة عدد 200.
وهو يعني غسل روسيا ليديها من هذا المشكل ونصح ألمانيا وفرنسا باقتسام الغنائم.
وفي الرابع من شتنبر 1911، أذيع نص الاتفاق المكون من أربعة عشر نقطة، وهو اتفاق تنازل ألمانيا لفرنسا عن رهينتها أكادير.
وهو اتفاق يستحق القراءة بإمعان، لأنه – كما قلنا – لا يتضمن إلا النقط العلنية، ولأنه نتيجة مناورات دامت عدة شهور شغلت خلالها أقطاب السياسة العالمية، كما يلاحظ أنه اتفاق استشير فيه العالم أجمع باستثناء المغرب.
– المادة 1: تعلن الحكومة الألمانية، التي لها في المغرب مصالح ذات طابع اقتصادي فقط، أنها لن تعرقل عمل فرنسا القيادي في تقديم المساعدة للحكومة المغربية بالنسبة لكل الإصلاحات الإدارية والمالية والاقتصادية والعسكرية التي يحتاجها المغرب، وكذلك بالنسبة لكل النظم التي تتطلبها هذه الإصلاحات، شريطة صيانة المساواة الاقتصادية لجميع الدول؛
– المادة 2: لا تعترض ألمانيا على أي احتلال عسكري تراه فرنسا بالاتفاق مع الحكومة المغربية ضروريا للمحافظة على الأمن، ولا تعترض كذلك على ممارسة فرنسا عمل البوليس في البر والمياه المغربية؛
– المادة 3: تتعلق بالمساواة الاقتصادية وعدم التمييز في المعاملة في الرسوم والضرائب وتعريفة السكك الحديدية، وذلك لمدة 30 عاما قابلة للتجديد؛
– المادة 4: خاصة بتسهيلات الاستثمار المنجمي ونقل المعادن من المغرب؛
– المادة 5: خاصة بتمثيل فرنسا للمغرب ديبلوماسيا وقنصليا في الخارج؛
– المادة 6: خاصة بالتغيير القضائي ومباشرة المحاكم القنصلية الفرنسية سلطات المحاكم القنصلية الأخرى، على أن يتمتع الرعايا الألمان بنفس الضمانات التي يتمتع بها الرعايا الفرنسيون؛
– المادة 7: خاصة بطرح مشاريع الأشغال العامة التي تقترحها الحكومة المغربية على المناقصة، على أن تحتفظ الدولة باستغلال هذه المشاريع الكبرى وأن تكون حرة بتسليمها لمن تشاء؛
– المادة 8: تخلي الحكومتين عن الاستفادة من أي اتفاق ذي طابع دولي يتعارض مع الشروط السابقة؛
– المادة 9: تحديد الأرض المغربية التي تسري عليها الشروط السابقة، وهي الأرض الواقعة بين الجزائر وإفريقيا الغربية الفرنسية، ومستعمرة ريو دورو الإسبانية باستثناء الممتلكات الإسبانية؛
– المادة 10: عرض المواد السابقة على الدول الموقعة على “ميثاق الجزيرة”، وتبادل المساعدة بين الدولتين للحصول على موافقة هذه الدول؛
– المواد 11، 12 و13: خاصة بالتعويضات في إفريقيا؛
– المادة 14: تخلي ألمانيا عن حقوق الحماية على الرعايا المغاربة.
مطلوب من العالم أن يعيد قراءة هذا الاتفاق
إن الجانب التعسفي من طرف ألمانيا وفرنسا، واتفاقهما على اغتصاب استغلال المغرب وتنازل ألمانيا لفرنسا عن كل مطالب في المغرب.. ليست هي وحدها العناصر التي تثير امتعاض القارئ وهو يتعمق في فصول هذا الاتفاق، فإن هناك جوانب غامضة تم التوسع في شرحها خلال الفصول السابقة، وهي التي اكتفت ألمانيا وفرنسا بالاحتفاظ بها في إطار السر، فنحن نرى الفصل 11 والفصل 12 والفصل 13 لا ينصان جميعا إلا على اتفاق واحد في جملة واحدة هي: “خاصة بالتعويضات في إفريقيا”، وهي التي تفسر بتبادل المغرب مقابل مصالح استعمارية في خمسة دول إفريقية، وهو ما تم التوسع فيه في الحلقة الماضية “أكادير تساوي خمس دول إفريقية”.
لا، ليس هذا هو المهم.. وإنما المهم هو هذا النداء الذي أطلق إلى العالم الذي يعيش معنا سنة 1988 مرحلة المعركة المغربية من أجل وحدة المغرب الترابية، مرحلة استرجاع ما ضاع من المغرب في خضم المؤامرات والمناورات والاتفاقيات التي كانت موضوع “الحقيقة الضائعة”.
لقد صرح ملك المغرب جلالة الملك الحسن الثاني سنة 1980 بأن كل ما يطلبه من فرنسا هو أن تقدم الشهادة للرأي العام العالمي بما تعرفه من حقائق حول الوحدة الترابية المغربية، ولكن فرنسا سنة 1989 وهي تنعم في رحاب الحرية والديمقراطية بعد أن غسلت أيديها من دماء الشعوب، وسحبت جيوشها من كل مستعمراتها، وفضلت التعامل مع هذه المستعمرات السابقة على أسس جديدة أكثر إيجابية وفائدة بالنسبة لفرنسا.. فرنسا هاته لا تريد اليوم أن تدين فرنسا سنة 1910 وما قبلها فرنسا الاحتلال والمؤامرات والمناورات..
لقد أجابت فرنسا سنة 1981 على دعوة ملك المغرب بطريقة واضحة جلية وغير مباشرة.
في الأسبوع الثالث من شهر يناير 1981، قام الوزير الفرنسي الأول ريمون بار، بزيارة رسمية للمغرب، وهي الزيارة التي لم يتورع الوزير الأول الفرنسي في أعقابها من أن يعلق للصحفيين عن مقابلته لجلالة الملك، فيقول: ((لقد احتفظ بي جلالة الملك مدة أطول))، وهي جملة تصدت للتعليق عليها جريدة “ليكليرور” التي يصدرها بطنجة الصحفي مصطفى اليزناسني، وأعطى للوزير الأول الفرنسي درسا على مستوى تصريحاته.
وقبل مغادرة البلاد، عقد الوزير الفرنسي ندوة صحفية استغلها الصحفي الوزير أحمد العلوي، ليعيد مناشدة فرنسا بالإفصاح عن الحقائق التي تعرفها.. فقد سأل الصحفي المغربي الوزير الأول الفرنسي: لماذا لا تنشرون الوثائق السرية عن قضية الحدود المغربية ؟
وتقول جريدة “لوموند”، التي نشرت وقائع هذه الندوة الصحفية: “إن السيد بار لم يجب عن السؤال”، وأضافت أن مساعده السيد أوليفي ستيرن تولى الإجابة عن السؤال قائلا: “إن فرنسا ليست لديها وثائق سرية”.
فليفهم كل باحث هذا الجواب كما يريد، ولكن الوزير الفرنسي – ولا شك – على صواب، فإن كل الوثائق الفرنسية المنشورة فيها ما يكفي لدعم موقف المغرب.
وما الاتفاقية الألمانية-الفرنسية إلا جزء من هذه الوثائق التي ليست سرية على الإطلاق، وكأن السياسي أوليفي ستيرن وزير خارجية فرنسا في حكومة ريمون بار سنة 1981، يقول لنا اقرؤوا وثائقكم ووثائق الحكومة الفرنسية الموضوعة رهن إشارة الجميع، وهذا ما فعلته شخصيا في تحضير هذا الموضوع.
فلنعد قراءة الفصل التاسع من الاتفاق الألماني-الفرنسي في شتنبر 1911، إنه يقول: ((تحديد الأرض المغربية التي تسري عليها الشروط السابقة، وهي الأرض الواقعة بين الجزائر وإفريقيا الغربية الفرنسية ومستعمرة ريودو أورو الإسبانية)).
فإذا سلمنا ريودو أورو، يعني وادي الذهب، وهي مستعمرة سلبتها إسبانيا من مملكة المولى عبد العزيز كما تم تفسير ذلك مسبقا، فإن الحدود الطبيعية للمغرب كما يعترف بها الاتفاق الألماني-الفرنسي، تمتد من نهر السنغال (إفريقيا الغربية الفرنسية) حتى حدود الجزائر.
وكل إطالة في الشرح أو التعليق، لا يمكن أن تكون أكثر وضوحا من الفصل التاسع من اتفاق 4 شتنبر 1911، اللهم إلا إذا كان الشرح يحتاج لرسم، كما يقول المثل الفرنسي، فليتفضل من يشاء وليرسم على خريطة المنطقة غرب شمال إفريقيا ما ورد في الفصل التاسع من الاتفاق الفرنسي-الألماني بتاريخ 4 شتنبر 1911، وليرفعه إلى منظمة الأمم المتحدة، ومنظمة الوحدة الإفريقية دون أن ينسى بعث نسخة إلى لجنة الحكماء، فربما نسي ذلك عند تقديم الملف المغربي أمام عدة منظمات دولية.



