تحليل إخباري | “عودة الزفزافي من باب العمل السياسي”
إفراج مؤقت في انتظار العفو الكبير
شاءت الأقدار أن يغادر والد ناصر الزفزافي سفينة الحياة وابنه في السجن، ولكن الأقدار نفسها هي التي سمحت لناصر بمغادرة جدران زنزانته بترخيص استثنائي، لتشييع جنازة والده، كما هي العادة في هذه المناسبات الأليمة، وبينما لم يكن يسمح بـ”الخطابة” للمفرج عنهم في هذه المناسبات، صعد ناصر الزفزافي إلى سطح منزله بحي سيدي عابد بالحسيمة، بكل أريحية(..)، ليخطب في الجماهير، وقد كان لافتا للانتباه حرصه على دحض أطروحة الانفصال التي روج لها خصوم المغرب وبعض الجهات التي تقتات وتغتني على حساب المواطنين في الريف(..).
إعداد: سعيد الريحاني
وسط الحشود، التي كانت تطالب له بالحرية، وصف ناصر الزفزافي والده بـ”أبو الأحرار والحرائر الذي نذر حياته في سبيل الوطن”، قبل أن يصدم عدد كبيرا ممن كانوا يركبون على مأساته بقوله: “حينما أقول الوطن، أقصد به صحراءه وجنوبه شرقه وشماله”.
وبخلاف الأمس القريب، لم يجد كلام الزفزافي أي صدى في وسائل الإعلام المعادية للمغرب، ولكن مع ذلك، لا يمكن إغفال عدة إشارات “إيجابية” لهذا العفو الجزئي، في انتظار العفو الكبير.. فقد نجح مهندسو انتقال الزفزافي من السجن إلى الحسيمة في أداء مهمتهم بشكل كامل، حيث تم تأمين نقل ناصر دون أي مشاكل. ماذا لو أن الجهات المعادية نجحت في التشويش على هذا الحدث؟ أليست مهمة من هذا النوع محفوفة بالمخاطر(..) ؟
لم يقف الزفزافي عند حدود متطلبات الجنازة، بل إنه قام بما يشبه العمل السياسي في تأطير المواطنين، وأظهر نضجا كبيرا في التعامل مع هذه الحرية المشروطة، الشيء الذي يؤكد عمليا دخوله في مراجعة، وليس الزفزافي وحده، بل إن الجو العام لتشييع جنازة الراحل، كان إيجابيا وتصالحيا، لا سيما مع التوضيحات التي قدمها واحد من معتقلي احتجاجات الريف(..).
يقول الزفزافي، ولا عزاء لمن ركبوا على مأساته(..): ((لا شيء يعلو فوق مصلحة الوطن))، بل إنه خص مندوب إدارة السجون برسالة شكر واضحة، مرجعا له الفضل بعد الله في حضور جنازة والده، التي اعتبرها أمنية تحققت، وأضاف: ((أنا لست من الذين يبخسون الناس أشياءهم، وكلمة لا بد أن أقولها للتاريخ: ما كنت لأكون اليوم معكم لولا فضل الله تعالى والمجهود الذي بذلته إدارة السجون ممثلة في شخص مندوب السجون الذي قام بمجهود كبير، وزاد موضحا: أنا أعرف جيدا ما أقوله، لأن الأمور ليست بالسهولة التي يمكن أن يتصورها الإنسان حتى تصل إلى مدينة الحسيمة، كما أثنى المتحدث على أطر المندوبية الذين سهروا حتى وقت متأخر لتسهيل حضوره جنازة والده، مردفا: أشكر المندوب والأطر الذين اشتغلوا حتى آخر الساعات من أجل أن تتحقق هذه الأمنية لحضور جنازة والدي رحمه الله، الذي أسميه – إذا قبلتم – أبا الأحرار والحرائر، ولم يفوت الزفزافي الفرصة دون توجيه المعزين إلى الحرص على النظام، معتبرا أن إكرام الميت دفنه، كما وجه الحاضرين إلى أنه سيصلي على والده في المسجد قبل أن يدفن في مقبرة المجاهدين، وشكر الجميع على تعزيته)) (المصدر: موقع هسبريس).

الزفزافي الذي يتوقع له أن يغادر أسوار السجن بعفو كبير، كان أكثر نضجا ممن سبق لهم أن حصلوا على العفو الملكي، بحيث لم يسيء لأي جهة، ولم يمارس أي نشاط سياسي معارض بخلاف مفرج عنهم آخرون سبقوه للعفو، فأغلقوا الأبواب على زملائهم خلفهم، بمهاجمتهم للتسامح الكبير، وأشياء أخرى(..)، وهو ما تؤكده تصريحات وزير العدل السابق، المحامي مصطفى الرميد، الذي لعب دورا كبيرا للوساطة في ملفات المعتقلين(..).
إن إساءة استخدام العفو الملكي والتعامل الغير إيجابي، هو الذي أخر حل عدة ملفات عالقة في الساحة، بل إن قراءة رسالة مصطفى الرميد إلى الرأي العام بعد الإفراج عن مجموعة من المعتقلين سابقا، تؤكد أن الملف كان جاهزا للطي بشكل نهائي لولا التصرفات الغير محسوبة(..).
يقول مصطفى الرميد، وهو رجل دولة موثوق به على أعلى مستوى، وقد لعب دور الوسيط قبل أن يخذله بعض المفرج عنهم بتعليقاتهم التي لا علاقة لها بما وقع(..)، ورسالته يجب أن تقرأ بتأنٍّ كبير: ((بعد كل عفو ملكي كريم، يثور نقاش، وتدبج تعليقات، وتلقى خطب حول العفو من حيث دوافعه وأسبابه، وغير ذلك مما يتصل به.. وبناء عليه، يطيب لي أن أدلي برأيي كالتالي: أولا، إن الأحكام القضائية حينما تصبح نهائية على إثر استيفاء من يهمه أمرها كافة درجات التقاضي، فإنها تعتبر عنوان الحقيقة الدنيوية، بما فيها الحقيقة المؤسساتية، وتبقى الحقيقة المطلقة عند الله تعالى، ولهذا قال النبي (ص): “إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار، فليأخذها أو يذرها”، لذلك لا فائدة في المجادلة في ما نطقت به الأحكام حسب ظاهر الأمر، ولا خير في اجترار أحداث صدر بشأنها العفو. ثانيا، إن جلالة الملك حينما يقرر العفو لأحد، فإنما يقرره رأفة ورحمة، وتكرما وإحسانا، وبهذا المعنى تنطق عادة البلاغات التي تصدر بالمناسبة، ولذلك لا يعقل، كما لا يقبل، أن يفسر العفو الملكي في أي مناسبة إلا بما تم الإعلان عنه، دون تأويل فج، أو تفسير سيء. ثالثا، إن الله تعالى أمرنا بقوله: “وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها”، ولذلك فالخيرون يقابلون الخير بالخير، ولربما بما هو أكثر، وليس لهم إلا ذلك، وقد صدق الشاعر إذ قال:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا))
هكذا تحدث الرميد قبل أن يشرح ما وقع، والفاهم يفهم(..): ((إن الواجب على كل من حظي بالعفو الكريم أن يقابله بالشكر والامتنان، لأن من لا يشكر الناس لا يشكر الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.. ولا يستقيم في هذا السياق التبجح بعدم طلب العفو أو ما شابه وكأن العفو عمن طلبه رذيلة، وعكس ذلك فضيلة، والثابت أن هناك من لم يطلبه شخصيا، ولكن قريبا أو لربما أكثر، قد طلبوه رأفة به وعطفا عليه، وحتى إذا لم يكن شيء من ذلك، فإن من لم يطلب العفو وناله، أولى به أن يكون أكثر شكرا وعرفانا ممن طلبه، وهذا من صميم سمو الأخلاق وحسن التصرف. رابعا، إن العفو الملكي حينما يشمل بعض الأشخاص الذين لهم حيثيات سياسية أو إعلامية وغيرها، فيقابلون هذه الالتفاتة الملكية الكريمة بالقول الحسن والثناء الواجب، فإنهم يشجعون الدولة على مزيد من الالتفات إلى غيرهم ممن تكون لهم حيثيات مشابهة أو قريبة، أما حينما يكون رد الفعل على خلاف ذلك، فإنهم يؤخرون ذلك وربما يعرقلونه، وتكون أنانيتهم سببا في تأجيل نيل غيرهم ما نالوه ونعموا به من عفو، فيكونون كمن تفتح له أبواب السجون، فيغلقها وراءه على من سواه.. هذه مساهمة متواضعة أردتها أن تكون تعقيبا عاما على ما سمعت وقرأت، خاصة في سياق العفو الملكي عن بعض النشطاء والصحافيين، والله المستعان)) (المصدر: تعليق مصطفى الرميد بتاريخ 24 غشت 2024).

إن تشييع جنازة الراحل والد ناصر الزفزافي، أعطى صورة مختلفة عن المغرب، وتفاعل الوطنيون بشكل إيجابي مع المبادرة التي تتجاوز مجرد قرار لإدارة السجون، التي يشرف عليها صالح التامك، الذي حقق نتائج كبيرة يشهد له بها الحقوقيون أنفسهم(..)، بل إن نقل تفاصيل ما حدث ذلك اليوم على لسان الصحافة، كان كافيا للتأكيد على أن ما وقع ليس أمرا سهلا، في انتظار العفو الكبير، والعناية الملكية الشاملة(..).
عملية “تأمين” تنقل الزفزافي تمت بهدوء، والمعني بالأمر كان متعاونا وإيجابيا، في مناسبة لا راد لقضاء الله فيها، ومع ذلك، يجب الانتباه لتقارير بعض الصحفيين، والتي نقلت بعض الأحداث التي وقعت يوم الخميس الماضي.. فقد ((خرج العشرات من الشباب في مظاهرة بمدينة الحسيمة، يوم الخميس الماضي، للمطالبة بإطلاق سراح ناصر الزفزافي، وذلك قبيل انطلاق جنازة والده أحمد الزفزافي.. وانطلقت المسيرة من أمام منزل الزفزافي بحي سيدي عابد بالحسيمة، في اتجاه المسجد العتيق حيث أقيمت صلاة الجنازة.. ورفع المتظاهرون شعارات تطالب بالإفراج عن ناصر الزفزافي وباقي معتقلي حراك الريف، فيما لم تتدخل قوات الأمن واكتفت بمراقبة المسيرة من بعيد… وردد المحتجون هتافات بالعربية والريفية، من قبيل “الشعب يريد سراح الزفزافي”، “بالروح بالدم نفديك يا ناصر”، “عيزي أحمد خلى وصية لا تنازل على القضية”، “عيزي أحمد ارتاح ارتاح سنواصل الكفاح”)) (المصدر: تغطية موقع العمق المغربي).
القضية اليوم واضحة والبرقيات مفهومة(..)، والأمور كلها تصب في منحى إيجابي لصالح ناصر الزفزافي، الذي قد يغادر السجن، ولم لا يمارس العمل السياسي من داخل المؤسسات رفقة إخوانه الذين يرجح الإفراج عنهم معه، طالما أن ما يطالبون به لا يتعدى المطالب الاجتماعية المشروعة، بعد أن تبين الخط الفاصل بين من يريد الوطن ومن يريد الركوب على المآسي(..)، ولعلها مناسبة للهمس في أذن الزفزافي بعدم تكرار أخطاء شباب “حركة 20 فبراير”، الذين حاولت بعض الأحزاب استقطابهم لممارسة العمل السياسي من داخل البرلمان، ولكنهم فضلوا الابتعاد، فخسروا الحركة، وخسروا المؤسسات، وصاروا نسيا منسيا(..).



