الحقيقة الضائعة | بين فرنسا وألمانيا.. أكادير تساوي خمس دول إفريقية
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 133"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

لقد اكتشف سكان الأقاليم السوسية مصدر الخيانة متمثلا في شخص قائد الإقليم، القايد كابا، واسمه يدل عليه، فهبت قبائل تارودانت للهجوم على هذا القايد وجنده، وطلبوا من السكان سحب الثقة منه لأنه يبيع الأراضي المغربية في إقليم تارودانت للألمان.
ويذكر التاريخ معركة 16 غشت 1911، حينما هاجمت قبائل سوس اجتماعا معقودا في قصبة القايد كابا، كان يشارك فيه الضباط الألمان إلى جانب الموظفين المغاربة، وقتل في المعركة عدد كبير من الألمان..
وبعد هذه الحركة المعادية للتواجد الألماني، لجأ الألمانيون إلى أسلوب آخر، وهو أسلوب الغزو المالي والحضاري، فأخذت البواخر الألمانية تصل إلى ميناء أكادير مشحونة بالمنازل الجاهزة المفككة، وبذلك عرف المغرب قبل أي منطقة في إفريقيا هذا النوع من المنازل التي تبنى في ساعات، وبذلك غطت هذه المنازل مناطق شاسعة في سيدي إفني وتارودانت.
وبينما كان السكان ينظرون بإعجاب إلى هذه البواخر التي تحمل الحضارة والعمران، شاهدوا عنوانا بارزا للتواطؤ الإسباني – الألماني، إذ نزل ذات يوم القنصل الإسباني في الصويرة من باخرة ألمانية، ولم يعرف الناس سر وصوله، ولكن الحقيقة أنه جاء لدراسة أساليب محاربة قبائل أيت باعمران، التي كانت تحارب التواجد الإسباني في الساقية الحمراء وسيدي إفني.
كان هذا السرد السريع للتواجد الألماني في أكادير وسوس مختصرا جدا، وموجزا لواقع كان سكان أكادير يعيشونه، ولقد كانوا بعداء جدا عن معرفة ماذا يجري حول هذا الغزو هناك في برلين وباريس ومدريد.
ذلك أن أزمة أكادير 1911 أقامت ضجة عالمية كبرى، وقد كتبت عنها المؤلفات العديدة، لأن هذا التواجد الألماني كان وضعا للأمر الواقع أحرج العالم أجمع، وأخرج فرنسا وإسبانيا على الخصوص، وهي أزمة اضطرت ألمانيا إلى كشف وجهها الحقيقي، ونوياها الاستعمارية في فرنسا، ذلك أن الاحتلال الألماني لأكادير لم يكن إلا مجرد ضغط على فرنسا من نفس أنواع الضغط الذي تشهده في عصرنا الحاضر بشأن الرهائن والمختطفين والمحتجزين، ذلك أن ألمانيا سنة 1911 إنما احتجزت أكادير، وحولت سكانها إلى رهائن واختطفت خيراتها في وقت كان فيه مفاوضوها يقدمون لفرنسا شروط إطلاق سراح الرهائن، وتسليم المدينة المحتجزة لفرنسا، وقد كان المتفاوضون هم وزير خارجية فرنسا كامبون، ووزير خارجية ألمانيا كيدرلين، اللذين دخلا في مفاوضات طويلة حول سوس. وما دمنا نعرف من هم الرهائن، وجب علينا أن نعرف الثمن الذي تطالب به ألمانيا:
أولا: تنازل فرنسا لألمانيا عن مشروع سكة حديد بغداد؛
ثانيا: تنازل فرنسا لألمانيا عن الكونغو؛
ثالثا: السماح لألمانيا بإقامة خط حديدي من الكاميرون عبر الكونغو الفرنسي؛
رابعا: تسليم فرنسا لألمانيا كل المناطق المحاذية للبحر في غرب إفريقيا؛
خامسا: تنازل ألمانيا عن أكادير لفرنسا مقابل تنازل فرنسا لألمانيا عن ميناء ليبروفيل في الغابون؛
سادسا: تعديل حدود الكاميرون والكونغو، ومنح ألمانيا جزء كبيرا من الكونغو الأوسط، ومنح ألمانيا تسهيلات جمركية في المستعمرات الفرنسية في الغابون وأوبانغي وتشاد.
هذه شروط ألمانيا لرفع الحجز عن إقليم سوس، وهي شروط توسع في تفصيل جزئياتها الجزء الرابع عشر من السلسلة الثانية من الوثائق الدبلوماسية الفرنسية. وهذه الشروط إن دلت على شيء فإنما تدل على الثمن الباهظ الذي تطالب به ألمانيا مقابل أكادير، وهو يسمح لنا بالتقدير بأن منطقة سوس تعادل كل دول غرب إفريقيا، وهذا لا يصدر عنا نتيجة مغالاة وطنية، وإنما هو مكتوب ومنشور في الصحف آنذاك، ومفصل في الوثائق الفرنسية الرسمية.
ولنزد تعمقا في هذا الموضوع الطريف، لنعرف ماذا كان رد الفعل الفرنسي تجاه هذا الثمن الباهظ لجلاء ألمانيا عن أكادير لفائدة فرنسا، وهل تتنازل فرنسا عن خمس دول إفريقية مقابل إقليم سوس وميناء أكادير ؟
لقد استغربنا جميعا حينما طلب الإمام الخميني بقيمة ألفي مليون دولار لرفع الحجز عن الرهائن الأمريكيين الإثنين والخمسين في شهر يناير 1981، فهل استنكر الفرنسيون مطالب ألمانيا بخمس دول إفريقية مقابل إقليم سوس هذا الثمن الذي تدخل القيصر الألماني شخصيا للإعلان عنه والمطالبة به ؟
إن في الجواب عن هذا التساؤل يكمن الكشف الصريح عن أطماع فرنسا في المغرب، والإجابة عن هذا التساؤل كما سأسردها، تعتبر مرة أخرى أجلى أطروحة للمؤامرات السياسية الفرنسية ضد السيادة المغربية.
لو كنت صحفيا في ذلك الوقت، لسارعت في وضع السؤال على فرنسا، ولكان سؤالي للمسيو كامبون وزير خارجية فرنسا كالتالي:
((سيدي الوزير، لقد أمضيتم منذ أيام وثيقة رابع مارس 1910 مع السلطان المولى عبد الحفيظ، والتي تلتزمون فيها بالجلاء التام عن المغرب بمجرد ما يدفع لكم السلطان كل ديونه، ونحن الآن في يناير 1911، ولم تمض سنة على اتفاق رابع مارس 1910، فلماذا تدخلون في مفاوضات مع ألمانيا لتسلمكم منطقة سوس مقابل تنازلكم عن خمس مستعمرات في إفريقيا ؟)).. لو وضعت سؤالي هذا لكنت على الأقل قد أحرجت الوزير الفرنسي، ولكنه سؤال لم يوضع وتساؤل لم يطرح، فإن فرنسا لم تعلن رفضها للدخول في مفاوضات مع ألمانيا، ومناقشة إمكانية التنازل عن خمس مستعمرات إفريقية، بل حصل العكس، وحصلت المفاجأة.
إن فرنسا وجدت أن المطالب الألمانية تافهة جدا بالنسبة لأهمية سوس وأكادير وانسحاب ألمانيا من المغرب.
تقول نشرة الوثائق الدبلوماسية الفرنسية في سلسلتها الثانية – الجزء الرابع عشر – رقم: 97، أن ((جول كامبون وزير الخارجية الفرنسي، يرى أن على فرنسا أن تزيد في تعويضاتها، وقال كامبون لرئيس الحكومة الفرنسية، دي سيلف، أن على دوائر وزارة المستعمرات الفرنسية أن تفهم أنه ليست هناك موازنة بين حريتنا التامة في المغرب وبين بعض المقاطعات قلت أو كثرت في وسط إفريقيا)).
وبصيغة أخرى، أن وزير خارجية فرنسا يقول: ماذا تساوي إفريقيا كلها أمام احتلالنا للمغرب ؟
وفي العدد 129 من نفس النشرة، يوضح الوزير الفرنسي لمن لا يريد أن يفهم أن فرنسا راغبة في التنازل عن مستعمراتها في إفريقيا لفائدة ألمانيا فيقول: ((إنه بإمكان فرنسا أن تظهر كرما في تنازلها عن الكونغو والتخلي عن ميناء ليبروفيل مثلا، شريطة الحصول على اعتراف ألمانيا بحقوق إقامة حماية فرنسية حقيقية في المغرب، وليس من شأن هذا الشرط أن يحتاج إلى موافقة كل الدول)).



