ملف الأسبوع | الصحافة الفرنسية تنهي شهر العسل بين الرباط وباريس
المتخيلات الخارجية ضد المؤسسة الملكية
في عز شهر العسل في العلاقات المغربية بين المغرب وفرنسا، خرجت صحيفة “لوموند” النافذة والمقربة من قصر الإليزيه، بسلسلة مقالات انطلاقا من يوم 24 غشت، حول الملك محمد السادس، أي بعد عيد ميلاد عاهل البلاد بثلاثة أيام فقط. وقد أثار ما قدمته الصحيفة الفرنسية غضبا في الأوساط المغربية، رغم أن المعلومات التي جاءت بها معروفة وغير جديدة، وما أثار انتباهنا فيما كتبته الجريدة، هو علاقة الصحافة الفرنسية بصفة عامة مع الملكية في المغرب، ليس على عهد الملك محمد السادس فحسب، بل منذ عهد الملك محمد الخامس، مرورا بالحسن الثاني، وصولا إلى الجالس على العرش حاليا؛ إذ يلاحظ من المقال الأول المعنون بـ”أجواء نهاية عهد الملك محمد السادس” بأنه شبيه لعدة عنوانين ذكرت خلال فترات مختلفة من تاريخ المغرب.. فقد كانت الصحافة الفرنسية دائما تصف ملك المغرب بـ”آخر الملوك العلويين”، في إشارة إلى أن المملكة ستدخل في فوضى بعد وفاة الملك، وسينتهي بها الحال إلى التمزق والفوضى. ويقترح هذا الملف على قرائنا جولة تاريخية حول أهم هجمات الصحافة الفرنسية والعالمية على الملكية في المغرب.
أعد الملف: سعد الحمري
الصحافة الفرنسية والسقوط في الفخ
ليست هذه هي المرة الأولى التي تهاجم فيها الصحافة الفرنسية الملك محمد السادس، أو تثار بين الفينة والأخرى بعض القضايا بين القصر أو المقربين منه وبعض الصحفيين الفرنسيين.. فقد ظل محمد السادس منذ اعتلائه العرش محط تقدير وإجماع جميع وسائل الإعلام الدولية، بما فيها الفرنسية، وظلت مبادراته تحظى باحترام جميع البلدان، إلا أن هذا الحال لم يدم طويلا.. فبالتزامن مع ثورات الربيع العربي وظهور “حركة 20 فبراير” بالمغرب، وصعود الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إلى حكم الجمهورية الفرنسية، تحول الموقف الفرنسي تجاه المغرب، كما تحول الصحفي الفرنسي الشهير، إيريك لوران، المعروف بعلاقاته الوطيدة مع الملك الراحل الحسن الثاني، والذي أجرى معه حوارات صدرت على شكل كتاب سنة 1993 موسوم بعنوان “ذاكرة ملك”، تحول هذا الأخير إلى عدو ومهاجم لشخص الملك محمد السادس.. فقد أصدر سنة 2012 كتابا يفصح عنوانه عن محتواه “الملك المفترس”، تطرق من خلاله إلى ما سماه “سيطرة الملك محمد السادس ومقربيه على الاقتصاد في المغرب”، حيث أبرز أن “أصدقاء الملك اغتنوا بسبب احتكارهم للسوق الاقتصادية والكسب الغير مشروع”، ولم يتم التعامل مع هذا الكتاب من طرف القصر بأي شكل من الأشكال، غير أنه وبعد ثلاث سنوات من صدور هذا الكتاب، وفي سنة 2015، عندما كان العالم يستمتع بعطلة الصيف، وقع أمر غير مألوف، وهو توقيف الصحفي الفرنسي المشهور بنزاهته واستقامته في فرنسا إلى جانب زميلته كاترين غراسيي، والسبب هو تهمة الابتزاز، حيث حاولا ابتزاز الملك محمد السادس بمقابل مادي وصل إلى ثلاثة ملايين أورو مقابل عدم نشر كتاب عن المغرب قالوا أنه يحمل “تفاصيل خطيرة”، وقد كشف محامي المغرب إيريك دوبون موريتي عن تفاصيل ما حصل، حيث أوضح أن الصحفيين إيريك لوران وكاترين غراسيي، كانا قد اتصلا بالديوان الملكي للإعلان عن أنهما بصدد التحضير لنشر كتاب حول المغرب، لكنهما أعربا عن استعدادهما للتخلي عن ذلك مقابل تسليمهما مبلغ ثلاثة ملايين أورو، وبعد اجتماع أول بين الصحفي الفرنسي والمحامي الذي يمثل الجانب المغربي، قررت المملكة وضع دعوى في الموضوع لدى النائب العام بباريس.
وقد عقد اجتماع جديد بباريس مع الصحفي الفرنسي تحت مراقبة الشرطة والنيابة العامة، تم خلاله تسجيل أقوال لوران كما تم أخذ صور، وفي الاجتماع الثالث الذي عقد تحت مراقبة الشرطة، تم تسليم مبالغ مالية للوران وغراسيي، اللذين قبلاها ووقعا على العقد، وبذلك سقط الصحفي الشهير سقطة مدوية بعد التطاول على شخص الملك محمد السادس في المرة الأولى ومحاولة ابتزازه في الثانية، ليحكم على مساره الصحفي الطويل بالسقوط الدنيء، وهو ما دفع الكثيرين ليطلقوا عليه لقب “الصحفي المفترس”.
كما شهدت هذه الفترة، أي مرحلة حكم فرانسوا هولاند، أوج هجوم الصحافة الفرنسية على القصر الملكي والمقربين منه، وقد نشر الصحافي المغربي أحمد بنشمسي، مقالا في جريدة “لوموند” يوم 26 يونيو 2012، اتهم فيه المستشار الخاص للملك محمد السادس، منير الماجدي، بأنه ((حين علم بأن شركة “بايسيز” الأمريكية لمعدات الطيران، تلاقي صعوبة في العثور على شريك مالي، أسس شركة “بايسيز موروكو” التي وصفها الصحافي بأنها إطار خاو وحصل مستغلا موقعه(…) على مشاركة الخطوط الجوية العامة (الملكية المغربية) في رأس المال))، وقد جعل هذا الأمر الماجدي يرفع قضية ضد الصحفي المغربي بتهمة التشهير أمام القضاء الفرنسي، وعندما أثيرت قضية ابتزاز الصحافي إيريك لوران للملك محمد السادس، أصدر القضاء الفرنسي حكمه في هذه النازلة، حيث برأ بنشمسي معتبرا أن المقال يعتبر مصلحة عامة وأن الصحفي يمتلك قاعدة معطيات كافية.

لم يقتصر الأمر على هجوم الصحافة الفرنسية المستقلة، فبعد سنة واحدة فقط على هذه الأحداث، جاء الدور على الإعلام الفرنسي الرسمي، حيث أعلنت القناة الفرنسية “فرانس 3″، عن عرض وثائقي في ماي 2016، وهو الذي قيل إنه سيكون مزلزلا وسيتطرق لثروة الملك محمد السادس، وعلى إثر ذلك، تصدرت “هاشتاغات” اسم القناة والوثائقي صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، غير أنه بعد عرضه، اعتبره العديد من المتتبعين برنامجا عاديا، ولم يأت بأي جديد يذكر، لأنه اعتمد على صور وأرشيف سبق وأن شاهده المغاربة لمرات عديدة، كما أن منتجي هذا الوثائقي لم يكونوا منصفين على مدار أجزائه، واكتفوا بتصريحات لمن يمكن تسميتهم بمعارضين للنظام، وهو ما يضرب في عمق ونزاهة العمل الصحفي، كما سقط معدو الفيلم الوثائقي، الذي اعتبره إعلاميون مغاربة لا يمت بأي صلة للتحقيق الصحفي، سقطة صحفية لاأخلاقية وغير مهنية، حينما استعانوا بصور من دولة عربية شرق-أوسطية، ونسبوها للمغرب.
الحسن الثاني الذي تمنت الصحافة الفرنسية أن يكون آخر ملوك الدولة العلوية
ثم هدأت الأمور بعد ذلك بين المغرب والصحافة الفرنسية، لتعود جريدة “لوموند” مرة أخرى خلال نهاية هذا الصيف لتهاجم المؤسسة الملكية، وواقع الحال أن هجوم الصحافة الفرنسية على المؤسسة الملكية، وخصوصا “لوموند”، لم يكن حكرا فقط على مرحلة حكم محمد السادس.. فقد بدأت منذ عهد الملك محمد الخامس، خصوصا عندما كانت سلطات الحماية تتأهب لنفي السلطان المغربي إلى المنفى، يومها عملت الصحافة الفرنسية على تشويه سمعته والأسرة الحاكمة ونعتتها بأقدح النعوت، من الوصف بـ”الإقطاعية المحتكرة لثروات البلاد”، و”العائق أمام أي تطور”.
وحتى بعد عودة الملك محمد الخامس من المنفى، وإمساكه بزمام الأمور في المغرب المستقل، وتعيين ولي العهد الأمير مولاي الحسن، شنت جريدة “لوموند” هجوما على ولي العهد، وظلت تردد أن محمد الخامس آخر الملوك في المغرب، وأن الحسن الثاني حينما يصبح ملكا للمغرب سوف لن يمكث في الحكم إلا بضعة أشهر حتى تتم الإطاحة به، غير أن ما وقع هو أن
الملكية ظلت في المغرب صامدة، ثم بدأت أسطوانة جديدة مصدرها الصحافة الفرنسية تقول بأن الحسن الثاني هو آخر ملوك الدولة العلوية وآخر ملوك المغرب بصفة عامة.
وقد طرحت هذه القضية على شكل سؤال وجّه إلى الملك الحسن الثاني خلال لقائه مع جريدة “السياسة الكويتية” يوم 16 يونيو 1978، وكان السؤال كالتالي: “جلالة الملك، عندما تعطي الأوساط الاقتصادية العالمية تصورها عن المغرب، تضع نقطة واحدة وهي أن المغرب بعد الملك الحسن الثاني سيواجه التمزق، فما هو رد جلالتكم على هذا القول؟”، وأجاب الملك بما يلي: ((شخصيا، أقول لك أنني لا أؤمن بهذا، لأنهم كانوا يكتبون مثل هذا القول أيام والدي رحمه الله، كانوا يقولون (وقد كتب ذلك ونشر): بعد محمد الخامس لا ملك في المغرب، وها أنت تشاهد المغرب اليوم – ولله الحمد – وثانيا وبكل صراحة أقول لك: لو كان المغرب من الدول التي تعيش برجل واحد لما دام هذه المدة الطويلة، فالمغرب ليس دولة تعيش برجل أو حول رجل، المغرب يعيش حول عبقريته وحول أصالته، وأكثر من ذلك أنه يعيش من غيرته على مواطنته، بحيث أنني مطمئن ومرتاح البال على المغرب ليس لثلاثين أو أربعين سنة، وإنما إلى أن تقوم الساعة))، وأضاف الحسن الثاني: ((إذا كنت قد شاهدت هذا الالتئام والالتحام بين أسرتنا وشعبنا، فلأننا عشنا مواطنين كجميع المواطنين مدة أربعة قرون في سجلماسة، أي ما بين مجيء الحسن الداخل وبين اعتلاء مولاي محمد الأول العرش، أربعمائة سنة من المواطنة وأداء الجبايات والخدمة العسكرية، وهناك واحد من أجدادنا ذهب للأندلس وحارب هناك وطلب منه إذ ذاك علماء الأندلس وأعيانها أن يقوم عليهم ملكا، ولكنه أجابهم في رسالة ما زالت موجودة: “أشكركم، أمير المسلمين دعا إلى القتال فذهبنا وقاتلنا، ونحن الآن راجعون لشياهنا ونخلنا وتمرنا”. هكذا عشنا أربعة قرون مواطنين عاديين في تافيلالت بجنوب المغرب، وهذا هو الذي جعلنا كلما اتخذ أحد من أجدادنا أو نحن أو والدنا رحمة الله عليه، الذي هو أستاذ الجميع، كلما اتخذ مبادرة اتخذها بكيفية سلالية علما ويقينا وامتزاجا، بحيث هناك نوع من التيار المتبادل بيننا وبين شعبنا يحس من جهته ونحس نحن كذلك من جهتنا برغباته)).

ولم يتعرض المغرب خلال عهد الحسن الثاني للهجوم من الصحافة الفرنسية فقط، بل حتى من الصحافة البريطانية، وذلك خلال سنة 1975، عندما اتهمت العائلة الملكية بالتجارة الدولية في المخدرات، ولم يقم المغرب بأي رد فعل رسمي على هذا الهجوم الذي مس شخص الملك مباشرة، بل كان الجواب عن طريق الحسن الثاني، عندما عقد ندوة صحفية كانت الأولى بعد المسيرة الخضراء، بالقصر الملكي بالرباط، يوم 25 نونبر 1975، وهناك سأله أحد الصحفيين السؤال التالي: “صاحب الجلالة، إذا سمحتم، أريد أن أطلب منكم التعليق على بعض المقالات التي نشرت منذ بضعة أيام في العديد من الصحف البريطانية والقائلة بوصول أطنان من المخدرات لبريطانيا طيلة عدة سنوات، وخاصة منها الكيف الوارد من المغرب، والذي يزرع في أراضي تملكها العائلة الملكية، وفي العديد من هذه المقالات، تم اتهامكم بشكل قوي وغير لائق بكم، وأريد أن أطلب منكم تعليقكم الخاص حول هذه القضية؟”، لكن الملك لم يهاجم بريطانيا أو صحافتها، بل أجاب بطريقة دبلوماسية، حيث أوضح بداية أنه فكر في طرح مشروع قانون على هيئة الأمم المتحدة ينص على احترام شخص رئيس الدولة من قبل الصحافة، وعبر عن ذلك بالقول: ((لقد قلت في نفسي، يجب أن أطلب من الأمم المتحدة أن تضع مشروعا لاحترام قواعد الأدب بين الأصدقاء رؤساء الدول))، وعلل ذلك بقوله: ((أعتقد أن هناك بعض المفردات وبعض الإشارات يجب ألا تستعمل في الحديث عن رئيس الدولة)).
أما رده عن اتهامات الصحافة البريطانية، فقد أكد الملك الحسن الثاني أنه فتح تحقيقا معمقا في الموضوع، وتبين له أنه لا يملك أي أراضي في الريف، وكذلك الأمر بالنسبة لأجداده أو أبناء عمومته، ولا أحد من العائلة الملكية يملك أي أراض في الريف، وأضاف أنه لم يكتف بهذا التحقيق، بل أعطى أوامره لكل من وزير الداخلية ووزير المالية، ليقوم كل واحد منهما على حدة، بالبحث في إمكانية وجود أراضي يكتريها أحد من العائلة الملكية في الريف، وأوضح أن البحث أسفر عن أنه لم يثبت وجود ولا قطعة صغيرة يكتريها فرد من العائلة الملكية، كما أنه لا توجد أي أراض مسجلة في المحافظة العقارية باسم أحد من العائلة الملكية، وتابع موضحا أنه مستعد للسماح لمدير مكتب مكافحة المخدرات بأن يحضر إلى المغرب ليفتح تحقيقا في هذا الموضوع إذا أراد أن يفعل ذلك.
وختم الملك جوابه عن هذا السؤال بالقول: ((ولكن من الخطأ أن تتصور أن رجلا في وضعيتي يقوم بنشاطات مماثلة على بعد ثلاثة آلاف كلم من منزله، بينما شعبي الذي يعيش معي ويلتف حولي لم يسبق له أن راوده أي شك.. فكروا بأن شعبي تابع مدة 15 سنة من جلوسي على العرش كل ما أقوم به وهل سبق أن علم أن ملكه كان يمارس مثل هذه النشاطات، وبالنسبة لي، فإن هذا لن يضر سوى الشخص الذي ردد هذه الأقوال، وإني لا أعرف كيف ستكون في المستقبل الثقة البشرية والعلاقات الإنسانية التي يمكن أن تجمع بين هذا الشخص الذي تلفظ بهذه الأقوال وباقي رؤساء الدول الأخرى، ولو كنت مكانه لشعرت بالخجل. وعلى كل حال، أشكرك على طرحك لهذا السؤال، لأنني لم أكن أريد طرحه، إلا أنه كان شاقا علي ألا أبوح بالجواب عن هذا السؤال)).
ثم كانت هناك محطة جديدة في تاريخ هجوم الصحافة الدولية بصفة عامة والفرنسية بصفة خاصة على الملكية بالمغرب، وذلك سنة 1990، على خلفية صدور كتاب “صديقنا الملك” للكاتب الفرنسي جيل بيرو، الذي كان كله تطاولا على شخص الملك الحسن الثاني، وما أثار ذلك من ضجة كبيرة حول حدود حرية التعبير في فرنسا، خص الملك الحسن الثاني رجال الصحافة الفرنسية يوم 20 يوليوز 1991 بحديث في هذا الموضوع، وقد أكد خلال ذلك اليوم أن الصحافة الفرنسية تنعته بالإقطاعي، وقال يومها منتشيا أمامهم بكل فخر واعتزاز، أنه ليس من شيم العرب أن يتطاولوا على رؤساء وملوك الدول وينتقدوهم بهذه النعوت، وضرب لهم مثلا على ذلك بأن علاقته مع جمال عبد الناصر لم تكن جيدة في يوم من الأيام، ولم يحدث أن نعتته الصحافة المصرية بهكذا نعوت أو تطاولت على شخصه، وأضاف أنه حتى الجزائر، رغم الخلافات الدائمة معها، إلا أن إعلامها لم يتطاول على شخصه، كما أن الصحافة المغربية لم يحدث أن شتمت أو سبّت ملكا أو رئيسا، وتابع الحسن الثاني حديثه خلال ذلك اليوم قائلا: ((الصحافة المغربية حرة في أن تقول ما تشاء، والشيء الوحيد المحظور عليها هو أن تتناول شخص رئيس الدولة من خلال الكاريكاتور، وهذا قد لا يروقكم، لكن تناول شخص رئيس الدولة من خلال الكاريكاتور شيء يغيضنا كثيرا، وفوق ذلك، فهو ليس من أخلاقنا)).



