تحليل إخباري | اللطيف يا لطيف.. البودشيشية بين منير ومعاذ
بين "القيادة الظاهرة" والوصية
كلما حل “البلاء” بالمغاربة، والبلاء الذي يضرب المغاربة معروف منذ القدم، وهو “التفرقة” الممهدة لانتصار طرف ثالث (سواء كان استعمارا، أو تمردا أو اختراقا..)، كانوا يقرأون اللطيف، ويتردد عبر مساجد وزوايا البلاد ذلك الدعاء المزلزل الذي يتضمن عبارات من قبيل: ((اللهم يا لطيف، نسألك اللطف فيما جرت به المقادير، الطف بنا يا لطيف.. اللَّهُ لَطِيف بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيز.. اللهم يا لطيف.. اللهم يا لطيفا بخلقه، يا عليما بخلقه، يا خبيرا بخلقه، الطف بنا يا لطيف يا عليم يا خبير (ثلاثا).. أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.. يا صاحب اللطف الخفي، بك نستعين ونكتفي.. اللهم الطف بنا فيما جرت به المقادير، اللهم ادفع عنا إنك على كل شيء قدير..)).
إعداد: سعيد الريحاني
في كل مصاب جلل، سواء كان ظاهرا للعموم، أو خفيا، متداولا بين أهل الذكر، وأهل العلم، وأهل المعلومة(..)، كان من المفترض أن قراءة اللطيف تتم داخل الزوايا، ولكن أكبر زاوية داخل المغرب دخلت دائرة الخلاف بين الأخ وأخيه، وتغذى الخلاف من اختلاف “الفقراء” والأتباع.. وهكذا تصدرت الزاوية البودشيشية المنغلقة على نفسها وعلى أسرارها، عناوين الصحف والمواقع، بعد أن كان تدبير الخلافة داخلها طيلة سنوات موضوعا محسوما بهدوء، فما الذي وقع ؟
((ربما لم يسبق أن حظيت زاوية بهذا القدر من الاهتمام الرسمي والإعلامي وتفاعل الرأي العام كما هو الحال مع الطريقة القادرية البودشيشية.. فبعد وفاة شيخها حمزة قبل بضع سنوات، كان لافتا الحضور الرسمي البارز في تأبينه، إذ شارك فيه اثنان من مستشاري الملك، فؤاد عالي الهمة وعمر عزيمان، إلى جانب وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، وعقب وفاة خلفه الشيخ جمال في شهر غشت المنصرم، برز بشكل لافت تصدر أخبار الزاوية لعدة أيام قائمة الترند، في مختلف وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، خصوصا في ظل ما تلا ذلك من تطورات متسارعة، بدأت بتلاوة وصية، اللي عندي عند ولدي منير، والتي نقل فيها الشيخ الراحل قيادة الطريقة إلى ابنه الأكبر منير، مرورا بصدور بيان منسوب لهذا الأخير، انتشر على نطاق واسع، يعلن فيه تنازله عن الخلافة لصالح أخيه الأصغر معاذ، وليس انتهاء ببيان مضاد صادر عن رابطة الشرفاء البودشيشيين، ذهب إلى حد اعتبار بيان التنازل بمثابة انقلاب داخل الزاوية، قبل أن تعود لاحقا لكي تزكي معاذ شيخا لها… وبغض النظر عن الصورة السلبية التي سوقتها خلال هذه الأيام كزاوية، عادت لكي تصاب بعدوى الخلافات وتصادم “الأجنحة” داخلها بشكل يذكر بما حصل خلال السبعينيات من القرن الماضي بين الشيخ حمزة والشيخ عبد السلام ياسين مؤسس جماعة “العدل والإحسان”، وبغض النظر أيضا عن أساس هذا الخلاف الذي قد يكون مفهوما بالنسبة لزاوية أضحت تتمتع بنفوذ روحي ومادي وإداري، فإن مثل هذا الاهتمام غير المسبوق لا بد أن يثير تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراءه.. فلم تعد القضية، كما قد يفترض، مجرد شأن داخلي يخص الطريقة وأتباعها أو من تسميهم “فقرائها”، بل تحولت إلى حدث وطني بارز استقطب اهتمام وسائل الإعلام، وأثار نقاشا أوسع حول المكانة التي باتت تحتلها هذه الزاوية في المشهد المغربي، والدور الذي تمارسه في تداخل الحقول الروحية والاجتماعية والسياسية)) (المصدر: تعليق المحلل السياسي والخبير الدستوري أحمد بوز).
الملخص أعلاه، هو تأطير سياسي لما وقع داخل الزاوية البودشيشية خلال شهر غشت الماضي، بعد وفاة زعيمها، حيث توزعت النقاشات بين من يدعم منير القادري بودشيش لزعامة هذه الزاوية، وبين من يدعم معاذ القادري بودشيش لتولي الأمر(..)، رغم أن الخلاف حول خلافة الراحل جمال، وإن كان يتخذ شكل صراع في نظر العامة، خاصة بعد التفاف العائلة حول شخص منير، إلا أن الصراع أعمق، والصوفيون لا تهمهم المناصب، بل إن أكبر دروس الصوفية في العالم جاءت بعيدا عن المناصب والكراسي، ولكي يفهم بعد الصراع، لا بد من قراءة تنازل “الشريف سيدي منير”، لأخيه “معاذ..”، والتدبر فيما بين السطور(..)، حيث ساهم هذا التنازل في حفظ ماء وجه الزاوية البودشيشية وحفظها من الانقسام المهدد لوجودها، في زمن الأنترنيت(..).

فقد أعلن منير القادري بودشيش عن تنازله عن مشيخة الطريقة القادرية البودشيشية لأخيه معاذ القادري بودشيش، وفي بيان وجهه إلى مريدي الزاوية (خلال منتصف الشهر المنصرم)، أكد منير بودشيش بأن ((المشيخة عندنا تكليف لا تشريف، وميزانها الإخلاص والعبء فيها ثقيل، وما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، وقد رأيت – بعد توكلي على الله واستخارته ومناجاته – أن حفظ وحدة الأسرة والطريقة أوجبُ عندي من كل اعتبار آخر، لذلك أعلن لكم – محبة واحتسابا – أني قد عزمت عزما قاطعا على التخلي عن المشيخة، وأن أضع يدي في يد أخي معاذ القادري بودشيش، مفوضا إليه أمر القيادة الظاهرة، راجيا منكم أن تلتفوا حوله التفاف المحبين الصادقين، وأن تظهروا من الأدب وحسن الظن عند اجتماعكم على من حمل الأمانة..
وتابع بودشيش: أضع اليوم أمانتي بين يدي أخي معاذ، وأضع نفسي بين يدي الله خادما لهذا السر، معاونا على ما يقيم أمر الطريق، مُقِلّا من القول مكثرا من الدعاء والعمل، موقنا أن الفضل لله يؤتيه من يشاء، وأن من تخلى عن حظ نفسه زاده الله تمكينا في قلوب عباده. أسأل الله أن يوفق أخي لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا جميعا مفاتيح خير مغاليق شر، وأن يحفظَ هذه الدار وأهلَها ومريديها، وأن يديم على بلدنا نعمة الأمن والإيمان، وأن يسدد خطى أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده..
وشدد منير بودشيش، في بيانه، على أن العهد الراسخ في هذه الدار باق بإذن الله، لا يَضيعُ ولا يَغيب، لأنّه وُدِع في القلوب التي عرفت الصحبة والذكر والصدق، ولأنّه وصل بسند من النور لا تنقطعُ حلقاته، وإني لأشهد الله أنّ هذا القرار ما هو إلا ستر للبيت، وجمع للشمل، ورد للأمور إلى مقاصدها الأولى: صفاء القصد، وصحة التوجه، وخدمة العباد والبلاد.
وأوصى منير بودشيش مريدي الزاوية بأن يكفّوا الألسن عن الجدال، وأن يغلقوا أبواب التأويلات والظنون، وألّا يدخلوا إلى هذا البيت الطاهر حديثا في الأشخاصِ ولا ذكرا للعوائد والأهواء؛ فطريقنا أدب وستر ووفاء، واعتصِموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا.
وأضاف بودشيش: ونحن – أهل هذا البيت – في خدمة العرش العلوي المجيد، نستنير بنور إمارة المؤمنين، ونجدد العهد على أن تبقى الزاويةُ خادمةً للدين والإنسانِ والوطن، مُلتزمةً بثوابتِ المملكةِ الشريفة، حريصةً على وحدةِ الصفِّ وتماسكِ المجتمع، عاملةً على نشرِ مكارمِ الأخلاق والتزكية والتعاون على البر والتقوى. وإنّي لأرجو من الجميع أن يتلقّوا هذا القرارَ بقلوبٍ راضيةٍ محتسبةٍ، وأن يجعلوا همَّهم واحدًا: دوامُ السندِ الروحي واستمرار العمل النافع، فـإن الله لا يضيعُ أجر المحسنين)) (المصدر: عدة مواقع).

هذه إذن رسالة وموقف للتاريخ من “سيدي منير” إلى “سيدي معاذ”، رغم أن التنازل المادي الظاهر ليس شيئا يذكر، فالتبعية داخل الزوايا محكومة بالقلوب والإشارات والإذن(..)، والله ينير طريق الجميع.. والمهم أن زاوية مثل الزاوية البودشيشية لا تقف أدوارها عند حدود ما هو روحي، بل تتجاوزه في أدوار معقدة.. فمن يتم تسميتهم بـ”الفقراء” هم في الحقيقة “مكلفون”، ومرشدون، وقد يمارسون عملا ميدانيا سياسيا إن اقتضى الحال ذلك، وقد كان لافتا للانتباه خروج هذه الزاوية في عز الحراك الشعبي سنة 2011، للدفاع عن الدستور والمؤسسات(..).
ورغم أن الزاوية قد خرجت منتصرة من هذا المطب.. إلا أن الأثر الميداني كان واضحا، بعد أن تقرر تأجيل الدورة العشرين للملتقى العالمي للتصوف، والتي كانت مقررة من 1 إلى 6 شتنبر 2025 بمدينة بركان، بسبب ظروف طارئة وبعض الإكراهات التنظيمية غير المتوقعة.. كما تم تأجيل الدورة الثالثة عشر للقرية التضامنية، المبرمجة من 4 إلى 7 شتنبر، إلى موعد آخر سيتم تحديده لاحقا.. ورغم المبررات المذكورة، فإن تنظيم الملتقى في عز هذا الجدل من شأنه التأثير على سكينة القلوب، كما أنه قد يتحول إلى ملتقى سياسي بسبب المتابعين، وهذا ما يتعارض مع فلسفة التصوف الذي يلعب دورا كبيرا في ظل نظام إمارة المؤمنين.
إن أهمية زاوية مثل الزاوية البودشيشية، تظهر من خلال كتابات المحللين السياسيين، المشهود لهم بالفهم العميق لفقه القانون الدستوري، الذي يشكل الأساس لبناء أي نظام، في هذا الصدد، يمكن قراءة ما كتبه المحلل السياسي والخبير أحمد بوز، الذي ينتمي لقسم الصفوة في جامعة محمد الخامس، وهي المجموعة التي تعمل على غرار ما يحصل في جامعات عريقة عبر العالم(..).
يقول أحمد بوز: ((من المعروف أن زاوية مداغ كانت قد تمكنت خلال العقود الأخيرة من استعادة حضور لافت في المشهد المغربي، حيث تحولت من إطار روحي صوفي أساسه التربية على الذكر والخلوة، وفقا لما تحرص أن تقدم نفسها، إلى فاعل اجتماعي وسياسي يتقاطع، في أدوار معينة، مع حسابات الدولة وخياراتها في تدبير الحقل الديني والسياسي، سواء عبر توظيفها في التعبئة أو من خلال إدماج رموزها في مواقع حساسة داخل بنية الأجهزة الرسمية للدولة، لكن أن يصل الأمر إلى حد تصدرها المشهدين السياسي والإعلامي، فذلك أمر يقتضي بالضرورة التوقف عنده مليا، واستقصاء العوامل التي مكنتها من هذا الحضور، وكيف استطاعت أن تتحول من إطار صوفي روحاني إلى فاعل يمتلك القدرة على التأثير في مجريات النقاش العام، في تداخل لافت بين الرمزية الدينية والرهانات السياسية..

تاريخيا، لعبت الزوايا في المغرب أدوارا سياسية متباينة، تراوحت بين المعارضة الصريحة للمخزن في فترات النزاع والصراع حول الشرعية، وبين الموالاة المطلقة حين تتقاطع مصالحها مع السلطة المركزية.. فمنذ الدولة السعدية، والدولة العلوية، عرفت الزوايا فترات قوة جعلتها أحيانا سلطة موازية في بعض مناطق “الإيالة الشريفة”، مستندة إلى نفوذها الروحي وشبكة مريديها الواسعة، وفترات تراجع حين تستبعد أو يحد من حركتها بفعل الصراع أو تغير موازين القوى، وفي القرنين التاسع عشر والعشرين، مع دخول الاستعمار، انخرطت بعض الزوايا في المقاومة المسلحة والثقافية، فيما فضلت أخرى التعاون مع سلطات الحماية، وهو ما أفرز تصنيفات لاحقة في الذاكرة السياسية المغربية بين زوايا “مجاهدة” وأخرى “عميلة” أو “خائنة”.. غير أن هذا المشهد تغير جذريا بعد الاستقلال، إذ تراجعت المكانة السياسية للزوايا وأضحى حضورها يكاد ينحصر في ما تبقى لها من أدوار روحية واجتماعية لصالح الأحزاب السياسية والمؤسسات الرسمية الحديثة، خاصة مع سياسة التحديث الإداري وتضييق مجال التأثير الاجتماعي غير الخاضع للرقابة، لكن هذا التراجع لم يكن نهائيا، إذ سرعان ما أعادت الدولة اكتشاف أهمية الزوايا، خاصة في مواجهة صعود الحركات الإسلامية ذات المرجعية السياسية أو الحركية.. ففي تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة، ومع تنامي الخطاب السلفي وتزايد خطر التطرف العنيف، في مقابل تراجع قدرة القوى الوطنية اليسارية على خلق التوازن السياسي المطلوب، وجدت الدولة في الزوايا، وعلى رأسها الزاوية البودشيشية، شريكا مناسبا لإعادة تشكيل المشهد الديني وتحصينه ضد التأويلات الراديكالية.. لذلك أصبحت هذه الزاوية، التي تسوق لخطاب روحي مسالم يركز على تزكية النفس ونبذ العنف، نفسها في موقع مميز داخل هذه الاستراتيجية. وليس سرا أن ذلك تزامن مع صعود أحمد التوفيق، أحد مريديها، إلى منصب وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية سنة 2002، وهو منصب استراتيجي في تدبير الشأن الديني بالمغرب، حيث سمح له موقعه هذا بإعادة هيكلة الحقل الديني بهدف ضبط المجال، وتوحيد الخطاب، وترسيخ المرجعية الرسمية القائمة على إمارة المؤمنين والمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية في طريقة الجنيد في التصوف، وفي نفس الوقت جعل الزاوية في قلب هذا التحول، باعتبارها نموذجا للتدين المنضبط الذي يجمع بين الطابع الروحي التقليدي والوظيفة السياسية غير المباشرة، وهو ما منحها حضورا متزايدا في الفضاء العمومي، وأضفى على أنشطتها بعدا يتجاوز المجال الديني الخالص ليشمل رهانات مرتبطة بالأمن الروحي، والتوازن الاجتماعي، وحتى الشرعية السياسية… من هنا بدأ البعد السياسي لحضور الزاوية يتخذ ملامح أوضح، ليس فقط لأنها تحولت إلى محضن لعدد من أطر الدولة، وبشكل مفارق لأعضاء سابقين بأحزاب سياسية كانت حتى وقت قريب تنظر لمثل هذه الزوايا بأنها مجرد بقايا ماضي عتيق تجاوزه الزمن، ولا لأنها أصبحت قبلة لزعماء هذه الأحزاب طلبا لبركات شيخها أملا في أن تجود عليهم ببعض المكاسب الرمزية ولربما الانتخابية أيضا، وإنما أساسا لأنها برزت في أكثر من مناسبة كفاعل احتياطي ميداني في التعبئة حول قضايا ذات أولوية بالنسبة للدولة، كما حدث في مناسبتين بارزتين:
ـ أولاهما، سنة 2003، حين نظمت السلطات، بدعم من الزاوية وأتباعها، تظاهرة حاشدة ضد الإرهاب عقب أحداث الدار البيضاء، في رسالة مزدوجة للداخل والخارج، مفادها أن المغرب يتبنى إسلاما وسطيا منفتحا ومناهضا للتطرف، وأن تعزيز المرجعية الصوفية المعتدلة يشكل أحد ركائز استراتيجيته الدينية الجديدة في مواجهة الفكر المتشدد؛
ـ وثانيهما، سنة 2011، عندما خرجت الزاوية مرة أخرى إلى الشارع لدعوة المواطنين صراحة إلى التصويت بـ”نعم” على الدستور، في وقت كانت فيه “حركة 20 فبراير” والقوى المؤيدة لها تقود حملة تعبئة لحث المواطنين على التصويت بـ”لا” على دستور تقدر أنه لم يستجب لمطالبها)) (مصدر الفقرات السالفة: مقال المحلل أحمد بوز تحت عنوان “البودشيشية بين الروحي والسياسي”).



