تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | وثائق أمريكية جديدة تنبش ملف المهدي بنبركة

في عز شهر العسل المغربي-الفرنسي، فتح القضاء الفرنسي ملف المهدي بنبركة من جديد، في ظل الحديث عن عدم الاكتفاء بتوجيه التهمة للمغرب، بل إن البشير بنبركة، نجل المهدي بنبركة، قدم تصريحات صحفية تحدث فيها عن معطيات وصفها بـ”الموثوقة”، تفيد بتورط جهاز “الموساد” الإسرائيلي في عملية الاختطاف، بموافقة ضمنية من الاستخبارات الفرنسية والأمريكية، مضيفا أن تأخر العدالة ليس سوى “لعبة انتظار حتى يموت الشهود”، وفي ظل هذه الدينامية، حصلت “الأسبوع” على وثائق فرنسية وأمريكية، تتعلق بقضية اغتيال الزعيم الاتحادي المهدي بنبركة، حيث تضمنت بعض المعطيات التي تبدو مهمة اليوم، أو تقدم جزء من الحقيقة، يمكن اعتمادها في هذا الملف الذي ظل شائكا.

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال تحت الإعلان

تصريح السفير الجزائري بواشنطن

تتمة المقال تحت الإعلان

    في الوثائق الأمريكية، رفعت الخارجية الأمريكية السرية عن بعض الأوراق التي تعود إلى شهري يناير وفبراير من سنة 1966.. فخلال هذه المرحلة تم توجيه تهم صريحة للمخابرات الأمريكية بتورطها في عملية الاختطاف والاغتيال، ومن هنا عملت أمريكا على محاولة تبرئة نفسها من هذه العملية، لأن العالم آنذاك كان يعيش على وقع نظام قائم على قطبين، معسكر غربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية وشرقي بزعامة الاتحاد السوفياتي، ونما بينهما قطب جديد وهو دول عدم الانحياز، الذي كان المهدي بنبركة أحد المنظرين الكبار لهذه الكتلة التي أصبح لها وزن دولي، لأنها ضمت الدول الثورية المستقلة حديثا، وكما هو معلوم، فقد كانت الجزائر أحد أهم أقطاب هذا التكتل، وكانت تعلم كل كبيرة وصغيرة، خصوصا فيما يتعلق بعملية كبرى كقضية اغتيال الزعيم الاتحادي المهدي بنبركة.

تتمة المقال تحت الإعلان

على هذا الأساس، وفي ظل التهم التي أصبحت توجه للمخابرات الأمريكية، أرادت أمريكا أن تعرف وجهة نظر أحد أقطاب دول عدم الانحياز، ونقصد هنا الجزائر، حيث كشفت الخارجية الأمريكية عن وثيقة عبارة عن لقاء دار بين السفير الجزائري في واشنطن خلال تلك الفترة، وهو شريف غلال، مع عضو مجلس الأمن القومي الأمريكي روبرت كومر، يوم 26 يناير 1966، حيث سأل هذا الأخير السفير الجزائري حول معرفته بما حصل بالضبط في قضية المهدي بنبركة، وتشير الوثيقة إلى أن السفير الجزائري أكد أن الذي حصل في قضية بنبركة هو أن الملك الحسن الثاني شعر، بعد أحداث 23 مارس 1965، بضرورة مشاركة اليسار في الحكم، وأن هذا الأمر أثار قلق الجنرال محمد أوفقير، الذي كان يكره أحزاب اليسار، أما كيف تم اغتيال بنبركة، فقد قدم السفير الجزائري الرواية التالية، وهي أن أوفقير ذهب إلى فرنسا من أجل إعادة بنبركة إلى المغرب، لكنه دخل في شجار معه وقتله، كما أضاف السفير الجزائري بناء على معلوماته، أن الجنرال دوغول كان غاضبا جدا لأن مستشاريه المقربين لم يكونوا صريحين معه وقدموا له معلومات غير دقيقة ومغلوطة.

زيارة الحسن الثاني للولايات المتحدة سنة 1967

إدريس المحمدي للرئيس الأمريكي: لا نشك في تورط المخابرات الأمريكية

    كان الدور بعد ذلك على ضرورة معرفة وجهة نظر المغرب بخصوص هذه القضية، وكيف نظر لإمكانية تورط المخابرات الأمريكية في هذه القضية من عدمه، خاصة وأنه كان منزعجا جدا من تلطيخ سمعته في هذه المسألة، وكانت إمكانية توجيه التهمة للمخابرات الأمريكية أن تخفف عن الضغط، وعلى هذا الأساس توجه المبعوث الخاص للملك الحسن الثاني إدريس المحمدي، إلى واشنطن يوم 16 فبراير 1966، حيث التقى الرئيس الأمريكي جونسون لمدة ثلاثين دقيقة، ووزير الخارجية لمدة تسعين دقيقة.

أما ما دار في هذا اللقاء، فقد جاء في التقرير الموجه للسفير الأمريكي حول هذه الزيارة، أن إدريس المحمدي ناقش ملف اغتيال المهدي بنبركة مع الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته، وذكر التقرير أن إدريس المحمدي لم يقدم معلومات جديدة في هذا الموضوع سوى مسألة واحدة، وهي أن الحكومة المغربية متأكدة تماما من أن الحديث عن تورط المخابرات الأمريكية في هذه العملية غير صحيحة، وأن أمريكا ومخابراتها غير متورطة تماما، وأضاف المبعوث الشخصي للملك، أن المغرب يسعى فقط إلى أن تأخذ العدالة مجراها وأن تُكشف الحقيقة كاملة، وأن لدى المغرب رغبة كبيرة في الحد من الضرر الذي قد يلحق بالعلاقات الفرنسية المغربية، وأن المطالب الفرنسية للملك غير المقبولة بإقالة وزيره في الداخلية الجنرال أوفقير، هو ما أجبر الحكومة المغربية على كسر الصمت والدفاع عن سمعتها.

بنهيمة

لقاء سري بين الحسن الثاني والسفير الفرنسي في منزل الطيب بنهيمة

    ومن جانب آخر، هناك وثيقة فرنسية رفع عنها طابع السرية، عبارة عن تقرير حول لقاء سري جمع السفير الفرنسي بالمغرب والملك الحسن الثاني بتاريخ 24 يناير 1966، وتم اللقاء السري بمنزل أحمد الطيب بنهيمة، وزير الخارجية والتعاون المغربي (من 20 غشت 1964 إلى 23 فبراير 1966)، بحضور رئيس الديوان الملكي إدريس المحمدي، وجاء في الوثيقة أن الملك حضر لوحده إلى المنزل وبشكل سري على الساعة السابعة مساء، ودام اللقاء ساعة كاملة من المباحثات، ويشير السفير الفرنسي – من خلال هذا التقرير – إلى أن اللقاء تناول عدة مواضيع رئيسية ومختلفة، وكذلك أفكارا معقدة، نظرا لطبيعة المرحلة وطبيعة الأزمة التي كانت تمر منها العلاقات المغربية-الفرنسية في تلك المرحلة. وقد سجل النقط التالية حول أهم ما تطرق له اللقاء وهي:

أولا، حول مشكلة محمد أوفقير وزير الداخلية، الذي طالبت فرنسا بعد اغتيال المهدي بنبركة، بإقالته من منصبه.. فقد ذكر السفير أن للملك الحسن الثاني رأي واضح بخصوص هذا الطلب، حيث يرى أنه من غير المعقول إقالة الرجل ولو كان ذلك على حساب رفض طلب رئيس دولة تربطها بالمغرب علاقات وطيدة، وهي فرنسا، واعتبر الحسن الثاني أن من أبرز أسباب رفض هذا الطلب، هو أن إقالة أوفقير بناء على طلب من الرئيس الفرنسي شارل دوغول، يعتبر في حد ذاته تدخلا سافرا في شؤون المغرب الداخلية، وأرجع الملك ذلك إلى اعتبارات وطنية وكرامة إنسانية كان على باريس أن تأخذها بعين الاعتبار، كما لم يخطر بباله كون دوغول أو أي رئيس دولة آخر، قد يتفهم هذه الأمور، التي تعتبر مسألة داخلية، وخاصة بالمغرب، وأن من شأن الإقدام على أي خطوة أو مبادرة يقترحها أي رئيس دولة أخرى، من شأنه أن يسقط هيبة الحكومة من أعين الرأي العام المغربي، وباقي المكونات الأخرى.

كما جاء في تقرير السفير، أن الملك أكد خلال اللقاء بشدة، على أنه يعتقد أن المعلومات التي تصل إلى الرئيس دوغول حول موضوع اغتيال بنبركة وتطور الأحداث، قد تكون مغلوطة، ومن الممكن أن تكون هناك بعض الجهات داخل الأجهزة الفرنسية تتعمد فعل ذلك، ويطرح السفير الفرنسي السؤال التالي: كيف اعتقد الملك الحسن الثاني أن الرئيس الفرنسي دوغول لا يتم إطلاعه على كل تفاصيل هذه القضية ؟

ومنذ أحداث 23 مارس 1965 بالدار البيضاء، شنت صحافة اليسار الفرنسية حملة مسعورة ضد المغرب، ولم تكد هذه الحملة تتوقف حتى جاء حادث مهم آخر وهو اغتيال المهدي بنبركة، الأمر الذي جعل الصحافة بكاملها بما فيها اليمين واليسار، تتوحد ضد المغرب، بل وحتى الإعلام الرسمي، ويشير هذا التقرير إلى أن الحسن الثاني أبدى شديد التأسف من جراء هذه الحملة، خاصة وأن الإعلام الرسمي صار يقوم بحملات عدائية ضد المغرب، حتى إذا تعلق الأمر بتقديم برنامج إعلامي عن المغرب، فإنه تخللته لقطات حول مظاهرات 23 مارس 1965 بالدار البيضاء، كما أنها تقدم معطيات ومعلومات إيجابية ومنحازة لعبد الرحيم بوعبيد والمعارضة بصفة عامة، حيث أن كل هذه الخطوات – حسب التقرير الذي أعده السفير – في حد ذاتها موجهة ضد الملك بصريح العبارة.

يشير التقرير إلى أن الملك طلبت منه فرنسا أن يقيل أوفقير من منصبه، ولكن الملك تساءل خلال هذا اللقاء عن الفائدة من ذلك في هذه الظرفية، خاصة إذا كانت التحقيقات ستستمر، كما أشار إلى أن هذا القرار في حد ذاته لن يحل المشكلة أبدا.

ويشير السفير إلى أنه أخبر الملك خلال هذا اللقاء بأن قضية بنبركة لها وجهان: سياسي وقضائي.. فقد طلب منه أن يقيل أوفقير من منصبه دون أن تقدم له حجج إدانته، خاصة وأن اتهام أوفقير جاء بناء على ادعاءات مغرضة من طرف أحد القتلة، وهو جورج بوشيسييش George Boucheseiche، ويتساءل السفير بدوره حول هذه النقطة: هل يعقل أن يكتفي القضاء الفرنسي بتصريحات هذا المرتزق لاتخاذ قرار خطير من هذا الحجم والقاضي بإقالة الجنرال أوفقير من منصبه ؟

أما لماذا رفض تطبيق المسطرة المنصوص عليها في البند 28 من الاتفاقية القضائية المبرمة بين المغرب وفرنسا بتاريخ 5 أكتوبر 1957؟ فيشير صاحب التقرير في هذا الشأن، إلى أن المغرب لم يستجب للجنة القضائية المتعلقة بأوفقير، لأن الأمر يتعلق بإجراء يدخل في إطار السيادة الفرنسية، حيث أن النص القانوني كان من تحرير قاضي فرنسي، وهو الذي حدد الأسئلة التي كان على أوفقير أن يجيب عنها، لكن في إطار الفصل 28 من الاتفاقية الفرنسية-المغربية بخصوص التعاون القضائي، فالمسطرة تختلف تماما، ذلك أن طلب المتابعة القضائية لم يكن إلا أن تقبله السلطات القضائية المغربية، غير أنها هي التي درست الملف على أساس ما تتوصل به من وثائق في هذا الشأن، وبناء على هذه المعطيات، يقول صاحب التقرير، أنه في هذه الحالة فالمغرب هو من يتحمل المسؤولية أمام الرأي العام الوطني والدولي بخصوص القرار الذي سيتخذ بشأن أوفقير، وأن فرنسا من جهتها ستقوم بكل الإجراءات القانونية طبقا لما تخوله لها الاتفاقيات الجاري بها العمل في هذا الشأن.

ويشير التقرير إلى أمر التشكيك في غياب نتائج إيجابية من جراء اللجوء إلى هذه المسطرة، وأكد السفير الفرنسي أن الملك الحسن الثاني ألح إلحاحا قويا على هذا الجانب من القضية، ملتمسا منه توضيح مدى أخذ باريس بعين الاعتبار التقرير الذي قدمه له أحمد بنهيمة بخصوص تلك القضية.

ومنذ أن ذكر أحد المشاركين في اغتيال المهدي بنبركة اسم أوفقير كأحد المشاركين معه في العملية، حتى صار مطلب القضاء الفرنسي هو مثول أوفقير أمامه، ويشير التقرير إلى أن أوفقير ألح في كثير من الأحيان على الملك بأن يذهب إلى باريس، وذلك بهدف التعبير عن براءته، وكذلك الإجابة عن الاتهامات الموجهة إليه، غير أن الملك رفض هذه المقترحات قطعا.

وحسب التقرير، فإن الحسن الثاني حرص خلال هذا الاجتماع على تكذيب ما تداولته بعض الأخبار حول نيته في التخلي عن فرنسا وربط علاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، كما عبر الملك عن حزنه وطلب من السفير أن يخبر الرئيس الفرنسي بذلك، حيث حرص على التأكيد وبقوة على سعيه إلى الحفاظ على علاقته بهذا الأخير بالرغم من المشاكل التي طغت على العلاقات بين البلدين، وذلك رغم الأزمة الخطيرة والعميقة التي تمس علاقاته الشخصية مع الجنرال دوغول.

وختم السفير تقريره، بأن الملك متأثر صراحة بفعل تلك الأزمة، حيث أخبره وزير خارجيته أحمد بنهيمة، بأن الملك تأثر كثيرا من جراء استدعاء باريس لسفيرها من الرباط، وأكد له أن الملك ظل يتحدث عن الأمر طيلة شهر رمضان، كما عكف على الاضطلاع ومراجعة الصحف الفرنسية والبيانات الرسمية الصادرة من باريس، ويؤكد أن الملك استفسره حول السياسة الفرنسية تجاه دول العالم الثالث، وموقع المغرب فيها، وقال له بأن المغرب كملكية محافظة، ألم تعد له مكانة بين الدول التي تدعمها فرنسا ؟

أما بخصوص الجانب المتعلق بتطبيق المسطرة القانونية المتعلقة بالمادة 28 من الاتفاقية القضائية الفرنسية-المغربية، فإن السفير يشير إلى أنه أخبر بنهيمة بأن المسطرة ليست معقدة، فمن جهة، هناك قضية المحافظة على أوفقير في الحكومة، ومن جهة أخرى، مثول أوفقير أمام القضاء وهل تصدر إدانته؟ أما بخصوص المزايدات السياسية، فلا توجد لها مكانة في هذه القضية، حيث أكد السفير أن المساعدات الفرنسية لن تنقطع عن المغرب أبدا.

كما شكك السفير حول علم الملك بكل ما يقوم به أوفقير، حيث قال في التقرير: “لا يمكن القول بأن الحسن الثاني على علم بكل ما قام به أوفقير”، غير أنه لم يستبعد على أساس إخلاص أوفقير للملك، أن الأول كان يخبر الثاني بمجريات وتفاصيل الأحداث، ولكن إمكانية عدم إطلاع الملك من طرف أوفقير تبقى واردة وبقوة، كما ذكر السفير أن أوفقير مقتنع تمام الاقتناع بأن أي حجة حقيقية بخصوص إدانته في قضية بنبركة، لم توجه إليه، وأنه من الممكن أن يكون قد أقنع الملك بهذا الشعور، غير أنه – حسب السفير – فإن هذا الشعور يكتنفه بعض الحذر لعدم معرفة المغاربة بما يحتويه الملف القضائي، وهذا ما يفسر موقف الملك، سواء من خلال محادثاته مع السفير، أو من كونه لم يدل بأي تصريح يدين من خلاله إدانة فرنسا لأوفقير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى