تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | حدود الوساطة الأمريكية بين المغرب والجزائر من خلال وثائق الخارجية الأمريكية

بالموازاة مع الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 26 لاعتلائه عرش المملكة، والذي خصص حيزا منه كالعادة لملف الصحراء، حيث أكد هذه المرة أن ملف الصحراء يحتاج إلى حل توافقي لا غالب فيه ولا مغلوب، مع الحرص على اعتبار أن الحكم الذاتي هو الحل الوحيد القابل للتنفيذ، جاءت زيارة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى المنطقة، في إطار محاولة أمريكية للتوسط بين البلدين، ويرى مهتمون بالشأن المغاربي، أن هذه الزيارة تأتي من أجل تفعيل أدوات الضغط الناعم لدفع الأطراف المنخرطة في نزاع الصحراء، وعلى رأسها الجزائر، إلى تبني المقاربات البراغماتية والواقعية التي تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الأخرى، خاصة في ظل تزايد أهمية المنطقة المغاربية في الأجندة الاستراتيجية لواشنطن، وإضعاف استمرار هذا النزاع المفتعل لهندسة الشراكات الأمنية والاقتصادية بين أمريكا وبعض دول المنطقة.

ورغم ما حمله الخطاب الملكي من إشارات إلى أن المغرب سيتعامل بمرونة مع الجزائر في هذا الملف حتى لا تظهر كطرف مهزوم، والتحركات الأمريكية الأخيرة.. إلا أن الموقف الجزائري من هذه التحركات يبقى غامضا، ويحاول هذا الملف استعراض محطة تاريخية مشابهة، ويتعلق الأمر بمحاولات لإنهاء ملف الصحراء خلال مرحلة الثمانينيات، كانت أمريكا كطرف فيها، وكيف انتهى الأمر في محاولة لإسقاط ما حدث في تلك المرحلة على الدينامية الحالية.

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال تحت الإعلان

مطالب أمريكية بجلوس المغرب والجزائر إلى طاولة المفاوضات

تتمة المقال تحت الإعلان

    شهد ملف الصحراء عدة تقلبات خلال مرحلة الثمانينيات تشبه إلى حد كبير ما يقع اليوم.. فانطلاقا من أواسط هذه الحقبة، تمكن المغرب من الحصول على السلاح وبناء الجدار الرملي، الذي فرض من خلاله الأمر الواقع على الجزائر والبوليساريو، ما أدى إلى تحريك الآلة الدبلوماسية من أجل إيجاد حل للقضية. وقد كانت أمريكا تراقب ما يحصل بين المغرب والجزائر على الدوام باهتمام كبير، وكانت دائمة الحرص على حث الأطراف على الجلوس إلى طاولة الحوار المسؤول.. فقد كانت تلاحظ المحاولات الرامية إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية خلال بداية الثمانينيات، بين الحسن الثاني والشاذلي بن جديد، وخصوصا اللقاءات السرية بينهما، وعندما فشلت المحاولات المغربية-الجزائرية نهاية سنة 1985، كتب نائب الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، رسالة إلى الملك الراحل الحسن الثاني مؤرخة بـ 24 يناير 1986، جاء فيها: ((إن بداية عام جديد هي فرصة للتطلع إلى تحديات جديدة، وللاطلاع على إنجازات الماضي وما يُسعدنا، ومن أبرز ما يسعدنا في عام 1985، استمرار الصداقة الطويلة بين الولايات المتحدة والمملكة المغربية، وإذ نتطلع إلى المستقبل، لا يزال القلق يساورنا إزاء الوضع في الصحراء الغربية. إن استمرار استعدادكم للسعي إلى تسوية سياسية عامل إيجابي مهم. وبهذه الروح، عملت حكومتي عن كثب مع حكومتكم في الأمم المتحدة، ويؤسفني أن النقاش كان عقيما مرة أخرى، لكنني أشعر بالارتياح لما علمته من أصدقاء مقربين في فرنسا من استعدادكم لمعالجة هذه القضية في محافل أخرى.

جلالة الملك، تعلمون أن حكومتي مقتنعة بأن أفضل حل لهذه المشكلة يكمن في الحوار بين المغرب والجزائر، وقد كان حواركم الرفيع المستوى السابق مع الرئيس بن جديد وحكومته مصدر أمل، ولا يزال يُشيد به المسؤولون الجزائريون بإيجابية بالغة. الآن، وبعد أن هدأت الأمور بعد نقاش الأمم المتحدة غير المثمر، يبدو أن الوقت مناسب مجددا للنظر في إمكانية أن تسفر الاتصالات رفيعة المستوى المتجددة بينكم وبين الرئيس بن جديد عن أي تقدم، وبناء على محادثاتي الشخصية معه ومع مسؤولين جزائريين كبار آخرين، أعتقد أن هناك تقبلا متزايدا من الجانب الجزائري لمثل هذا الحوار. سأكتب لاحقا إلى الرئيس بن جديد لأقترح عليه، كما أفعل معكم، أن هذه قد تكون لحظة مهمة للعمل من أجل السلام في الصحراء الغربية)).

الجزائر هي من طلبت الوساطة الأمريكية..

تكشف بعض الوثائق السرية، أن الجزائر هي من طلبت الوساطة الأمريكية من أجل حل هذا الملف، ومن ذلك وثيقة مؤرخة بتاريخ 13 يناير 1987، جاء فيها أن هناك مبادرة جزائرية من أجل طلب وساطة أمريكية بينها وبين المغرب في ملف الصحراء، أما أهم النقط التي تم التطرق إليها، فهي أن الجزائر أبدت اهتماما بالغا لإشراك الولايات المتحدة في عملية التفاوض بشأن الصحراء، حيث أصرت على أن فرصة شهرين أو ثلاثة أشهر متاحة الآن لحل المشكلة، كما ذكرت الوثيقة أن السفارة الأمريكية بالمغرب والتي عرض عليها إبداء الرأي في المقترح الجزائري، لا ترى احتمالا كبيرا للتوصل إلى تسوية مبكرة، وأنها تتساءل عن أسباب الضغط الجزائري، واعتبرت أن خلف ذلك ربما اعتقاد حكومة الجزائر بأن خطط المغرب لبناء الساتر الترابي السادس ومدّه إلى موريتانيا، ستعزز الموقف المغربي بقوة، وبالتالي تُضيّق نافذة الفرصة، ووفقا للسفارة الأمريكية، فإنه إذا بذل المغاربة قصارى جهدهم، فسيتمكنون من إكمال البناء الرئيسي في أقل من شهرين، وربما أيضا تسعى حكومة الجزائر للتأثير على ما تعتبره اتجاها تصاعديا في العلاقات الأمريكية المغربية.

ونظرا لاهتمام الولايات المتحدة بتعزيز الاستقرار الإقليمي، تعتقد السفارة الأمريكية بالمغرب، أنه مع بعض التحذيرات يمكن متابعة الاقتراح الجزائري بأن تؤكد الولايات المتحدة اهتمامها بالتوصل إلى تسوية سلمية.

ويتضمن الاقتراح الجزائري ضمنيا عدة افتراضات ظاهرة قد تكون غير صحيحة، حسب السفارة الأمريكية بالمغرب، الأول هو أنه إذا كان بإمكان الجزائريين إقناع البوليساريو، فيمكن للولايات المتحدة إقناع المغاربة، ورأت السفارة الأمريكية بالمغرب أنه بصرف النظر عن عدم تناسق الاقتراح الجزائري، فإن هذه الأخيرة في نهاية المطاف، هي نفسها طرف في النزاع ولها مصالحها الخاصة في التوصل إلى تسوية، فمن غير الواضح ما إذا كانت البوليساريو أو المغرب مستعد لتقديم تنازلات كبيرة، تظل الصحراء بالنسبة للملك والشعب المغربي، قضية وطنية ذات أبعاد تاريخية، سيتم رفض التنازلات التي تحث عليها الولايات المتحدة بأدب، ولكن بحزم.

ثانيا، يفترض المقترح الجزائري أن المغرب مستعد للتفاوض، بينما هو في الواقع، حسب الوثيقة الأمريكية، في وضع قوة متنامية، بعد أن فرض حالة من الجمود في الحرب على الأرض، ويتحرك الآن لملء الفراغ الأخير في دفاعاته. وتابعت الوثيقة، أن المغاربة يعتقدون أنهم يلعبون من موقع قوة، وإذا صح فهمهم، فإن لديهم استراتيجية طويلة الأمد للاستحواذ التدريجي على الصحراء، وهي استراتيجية لا تقبل تنازلات كبيرة في الوقت الراهن، وحسب نفس الوثيقة، فإنه يبدو أن هناك على الأقل أملا لدى الجزائر في أن المغرب قد سئم اللعبة، وربما يكون مستعدا للمحادثات، في حين أن احتمالات التوصل إلى تسوية سياسية من شأنها أن تتجاوز مجرد وضع اللمسات الأخيرة على ما يملكه المغرب بالفعل. على الرغم من أن الجزائر قد فازت في المعركة الدبلوماسية للحصول على اعتراف عدد كبير من الدول بالبوليساريو، إلا أن المملكة المغربية تفوقت على جبهة البوليساريو، وهي في إطار جهودها الرامية إلى تحقيق الاستقرار العسكري في الصحراء، تتجه بالفعل نحو تنمية المناطق المأهولة بالسكان اقتصاديا، ومن هذا المنظور، تضاءل الدافع لإجراء مفاوضات واسعة النطاق منذ عام 1984، عندما كانت هناك محاولات للتوسط بين المغرب والجزائر من أجل حل الملف.

أما موقف أمريكا من الطلب الجزائري من أجل لعب دور الوسيط بين المغرب والجزائر، فقد رأت السفارة الأمريكية أنه بغض النظر عن الآفاق الفعلية للمقترح الجزائري بالنسبة لأمريكا، فإنه من الضروري لأمريكا بذل جهد لتحفيز المحادثات المباشرة بين الجزائر والمغرب، وسواء عُقد الاجتماع المقترح بين الرئيس الشاذلي بن جديد والملك الحسن الثاني أو لا، فإنه سيكون من المفيد وجود زائر أمريكي رفيع المستوى في المنطقة في الفترة الزمنية بين نهاية فبراير وأوائل مارس 1987، حيث جاء في الوثيقة أن السفارة الأمريكية بالرباط اقترحت بالفعل زيارة نائب الرئيس الأمريكي لتدشين الذكرى المئوية الثانية للعلاقات الأمريكية المغربية في ذكرى عيد العرش، يوم 3 مارس من نفس السنة، وقد تكون هذه فرصة سانحة لأمريكا لإجراء مراجعة رفيعة المستوى للصفقة المتعلقة بالصحراء، وربما للحث على لقاء بين الحسن الثاني وبن جديد. كما يُفترض أن يسافر نائب الرئيس بعد ذلك إلى الجزائر، وزيارة تونس أو أي محطة إقليمية أخرى.

أما بخصوص دور الولايات المتحدة، فقد أوصت الوثيقة بشدة على أن يقتصر على دور الطرف الصديق غير المتورط، وحثت على توخي الحذر خشية أن يشعر الملك الحسن الثاني بأي ضغط جزائري عليه، مما قد يقوي عزمه على ترك الأمور تأخذ مجراها، وأكدت أنه يحب توضيح للجميع أن أمريكا ليست بديلا عن أطراف النزاع، وأنها لن تتدخل في جوهر النزاع، وأنها تسعى فقط إلى لعب دور تسهيلي في التقريب بين الطرفين.

إبلاغ أمريكا المغرب والجزائر بعدم جدوى وجود دولة سادسة في المنطقة

ورغم الجهود الأمريكية من أجل الوساطة بين المغرب والجزائر للوصول إلى حل نهائي، إلا أن وزارة الخارجية الأمريكية وزعت وثيقة سياسية على سفارتيها بكل من المغرب والجزائر يوم 7 مارس 1987، تؤكد فيها أن حكومة الولايات المتحدة تقر بالمسؤولية الإدارية لحكومة المغرب في ذلك الجزء من الصحراء الخاضع للسيطرة المغربية، وهذا لا يعني قبولا بالسيادة المغربية، وهي مسألة تُحسم من خلال العملية السياسية، وأكدت الوثيقة أنه في تبادلات سرية مع الحكومة الجزائرية والحكومة المغربية، أعربت أمريكا عن تحفظاتها بشأن جدوى قيام “دولة صحراوية مستقلة”.

كما جاء في وثيقة أخرى مؤرخة بتاريخ 6 شتنبر 1986، أن بقاء إقليم الصحراء تحت السيطرة المغربية هو أفضل ما يخدم الاستقرار الإقليمي والموقف الاستراتيجي الأمريكي على المدى الطويل، و”لن تخدم مصالحنا دولة مستقلة غير قابلة للحياة في الصحراء الغربية، خاضعة لتأثيرات ليبية أو سوفياتية أو غيرها من النفوذ المعادي أو غير الداعم للمصالح الاستراتيجية الأمريكية”.

كما أن مصالح الولايات المتحدة تتحقق على أفضل وجه من خلال الحفاظ على علاقات جيدة مع كل من المغرب والجزائر، ويُعد التعاون المغربي الجزائري أفضل ضمان للاستقرار الإقليمي على المدى الطويل، ومع ذلك، فإن التنافس بين هاتين الدولتين أساسي في السياسة الإقليمية، كما يجب على أمريكا أن تتجنب التورط في جهود الوساطة في نزاع الصحراء الغربية بين المغرب والجزائر طالما ظلت آفاق التسوية غير واعدة، وأن أمريكا تواصل تشجيع التعاون والمرونة المغربية والجزائرية.

قد ينطبق ما وقع الأمس على اليوم، حيث أن زيارة مستشار الرئيس الأمريكي للمنطقة من أجل تحريك المياه الراكدة، قد لا تأتي بجديد في ظل تمسك كل طرف بأفكاره والواقع الذي فرضه على الأرض، كما لا يتوقع أن تعمل أمريكا على فرض الأمر الواقع على الجزائر وجبهة البوليساريو بالأخص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى