بين السطور | لماذا البيعة ؟


خلال إحدى حفلات عيد العرش، من أولى سنوات حكم محمد السادس، وبعد أن حضر حشد من السفراء والأجانب حفل الولاء، اجتمع بعضهم مساء حول مائدة استدعوا لها، ليطلقوا ألسنتهم في موضوع البيعة، والطريقة التي يفرضها المخزن(…) على المئات من رعاياه وهم يستجيبون لـ”الله يرضي عليكم قالكم سيدنا” بـ”الله يبارك فعمر سيدي”.
ربما قد لا يحق لأحد أن ينقل التفسير الأجنبي لهذه الظاهرة، بانتقاد الطريقة التي تجري بها طقوس البيعة، رغم أن أصول اللعبة المخزنية مسطرة في دستور “العز والصولة”، لكن ما يحق لنا معرفته هو أن الحسن الثاني هو الذي اقتنع بعدم إنصاف الدستور للملك، فربط سنة 1979 حفلات عيد العرش بمراسيم البيعة، لأن “البيعة هي طريقة لتكريس التفويض الشعبي للملك بدون شروط”، حسب أطروحة الباحث الفرنسي إنياس دال، حول “النفوذ الملكي بين الدستور والممارسة”.
كانت خطوة الملك هاته قد جاءت شهورا قليلة بعد أن فاجأه الصحفي الكويتي أحمد الجار الله، في استجواب صحفي استقبله الحسن الثاني شخصيا، وكان رفقته آنذاك الراحل رمزي صوفيا، أحد كتاب الرأي السابقين بجريدة “الأسبوع الصحفي”، بسؤال محرج: “ماذا لو طالب المغاربة بإبعاد الملك؟”، فأجابه الحسن الثاني بدهائه المعهود: ((لقد كتب المغاربة ونشروا أن المغرب بعد الملك سيواجه التمزق، وكان المغاربة وكان المغرب قد قالوا إنه ببعد محمد الخامس لا ملك في المغرب، بينما لو كان المغرب يعيش برجل واحد، لما دام هذه المدة الطويلة، فالمغرب ليس دولة تعيش برجل واحد، أو حول رجل واحد)) (تاريخ الاستجواب: 18 غشت 1978).
فلمن يسأل لماذا البيعة، فلهذا البيعة..
وما أسرع هذا الزمن.. فقد مر اليوم على حكم الملك محمد السادس 26 سنة، بدأ حكمه بلقب ملك الفقراء، ومع مرور الوقت أصبح سلطان الأوراش الكبرى.. عهد شئنا أم كرهنا، مليء بالتحديات والإنجازات، والملفات الثقيلة، من القضايا الدبلوماسية المرتبطة بالصحراء خصوصا، إلى الملفات الداخلية التي ميزتها الإصلاحات الدستورية، تجربة جمع فيها قائدها تجربة الأجداد الممتدة لأربعة قرون، وتطلعات العصرنة التي صارت اليوم تستخدم الذكاء الاصطناعي، وتخصص جريدتنا هذا العدد بالمناسبة، عودة إلى مسيرة التنمية الشاملة التي قطعها المغرب خلال 26 سنة تحت قيادة محمد السادس، مع الرؤية الملكية لمغرب 2030، المرتكزة على خارطة الطريق الجديدة للمغرب الاقتصادي والدبلوماسي والرياضي.
المسيرة متواصلة، وكما قال الحسن الثاني، فالمغرب ليس دولة تسير برجل واحد، فأملنا أن يواصل الجميع المسيرة وراء قائدها، كما لا بد من تسجيل جرأة وشجاعة ملك واظب على تقديم تشريح عميق لكل أعطاب السياسات العمومية مع اقتراح للحلول، واختار لغة المكاشفة في التواصل مع باقي أفراد العائلة المغربية، كما طالب المؤسسات والأحزاب والنخب بقول الحقيقة ولو كانت مرة، والابتعاد عن النقد فقط من أجل النقد.
مع تهانينا بمناسبة عيد العرش، وعطلة سعيدة للجميع.



