هل تعود “السنبلة” كما كانت شامخة في الرباط ؟

انطلقت مسيرة “السنبلة” في العاصمة مع استقلال المملكة، حيث تقلد أحد رموزها منصب والي الرباط ونواحيها، وما إن أنهى مهامه سنة 1959 حتى بادر إلى تأسيس حزب “السنبلة”، ربما لتأطير وتنظيم أتباعه في الوسط القروي بأقاليم معينة، ولهذا كان غير مهتم بالرباط لعلمه بخباياها وبالقوى المسيطرة على نخبها، ويستحيل اختراقها أو الوقوف أمامها في أي استحقاق انتخابي.
ولكي نوضح مكانة “السنبلة” في ذلك الوقت.. فقد انتزعت رئاسة مجلس النواب في أولى انتخابات برلمانية في المغرب في بداية الستينات، وهذا يبرر امتدادها ونفوذها في العالم القروي وكان يمثل في ذلك الوقت حوالي 80 % من تراب المملكة.
وكانت العاصمة، لعدة أسباب تاريخية وثقافية، تحت سيطرة قوى سياسية يصعب منافستها في عقر دارها، لذلك ظلت “السنبلة” منفية ومبعدة من الحضور في أي مجلس منتخب في الرباط، إلى بداية التسعينات، حيث وقعت المفاجأة في استحقاقات محلية بترأس الحزب رئاسة مجلس عمالة الرباط، من هذه المحطة بدأت مسيرة “السنبلة” ولم تكن نزهة أو فرجة، بل مقارعة ومحاكاة وصراع مع “الوردة” التي تحسب من أهل الديار، فكانت هذه الخطوة الأولى تلاها تعيين هذا الرئيس لمجلس عمالة العاصمة الإدارية ومقر الحكومة، عضوا في حكومة 2002، وهو بطبيعة الحال محسوب على التيار الرباطي، فكان حصادا سياسيا لافتا للانتباه بعثر كل برامج “الوردة”، التي كانت لا تزال مُحكمة قبضتها على الجماعة وبعض المقاطعات ومجلس العمالة، ستضطر في انتخابات 2003 لتسليم المفاتيح لـ”السنبلة”، وكانت ضربة معلم قاسية للمنافسين الذين استصغروا، أو بعبارة أخرى، استهانوا بطموحات “السنبلة”، التي في ظرف 10 سنوات حصدت فيها مجالس العمالة مرتين ونيابة أولى للنواب ووزارة والجماعة لتنتهي هذه المسيرة سنة 2009، ولكن بطريقة رد الصاع صاعين لـ”السنبلة” التي أنهت حقبة طويلة من صولات وجولات “الوردة”، التي استجمعت كل دهائها السياسي وتاريخها المتجذر في العاصمة، ونزلت بكل هذا الثقل لإزاحة تلك التي سحبت منها قيادتها في الرباط بمساعدة تحالف هجين نجح في إقصاء “السنبلة” وتنصيب “الوردة”، لكن وقع ما لم يكن في الحسبان من تصادم لم يسبق له مثيل بين المتحالفين ضد خصمهم في ظل هذا الصراع الذي عاد على صانعيه بالانهزامات، فـ”بأخطائهم” كونوا قوة من خصومهم نتج عنها مغادرة “الوردة” و”السنبلة” حقول المجالس برمتها وتركوها لـ”القنديل”، الذي سرعان ما تركها بدوره لـ”الحمامة” الحاكمة اليوم لشؤون العاصمة.
هذا التقرير المقتضب هو بمثابة سيرة ذاتية وتاريخية لطلوع “السنبلة” ولحظات هبوطها، وما بين الطلوع والهبوط حارت عقول الملاحظين عمن يتحمل هذه “الانتكاسة” السياسية.
فبدون شك ستذهب التأويلات إلى القادة الثلاثة الذين ساهموا في “الطلوع” وتجاهلتهم “السنبلة”، فغادروا حقولها وانتشروا في أرض الله الواسعة وهم اليوم في مواقع حساسة بقبعات حزبية أخرى، فأما ما يجري ويدور في رحى “السنبلة”، فذلك موضوع آخر(…).



