الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | الحرب التاريخية بفاس بين السلطان الحقيقي والسلطان المزور

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 130"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    أعجب المولى عبد الحفيظ بانضباط العسكريين الفرنسيين وإخلاصهم واستعدادهم لفرض النظام، وبدأت الأخبار تتقاطر عليه من كل جانب.. فقد عاد الأمن وعاد النظام، وبصيغة أخرى، لقد قال الفرنسيون لعفاريتهم “ارجعوا إلى قماقمكم لقد انتهت مهمتكم”..

تتمة المقال تحت الإعلان

وبدأت الجيوش الفرنسية تتحرك في المغرب بسهولة، وكتب المولى عبد الحفيظ يوم 24 أبريل 1911، رسالة إلى الحكومة الفرنسية، يطلب مساعدة قوات الجنرال موانيي لفرض النظام في نواحي الشاوية، وقال الفرنسيون نعم. وبسرعة مروعة تناقلت وكالة الأنباء الفرنسية “هافاس”، خبر هذه الرسالة وأذاعتها على الرأي العام العالمي.

كما أذاعت الوكالة أن جيش السلطان في الشاوية بقيادة الشريف العمراني، قد فرض النظام في إقليم الشاوية بدعم من الجنرال موانيي، وأن هذا الجيش متوجه إلى فاس لتقديم الولاء للمولى عبد الحفيظ.

وتحولت الفتن والفوضى إلى استقرار وأمن، وأصبح التعاون الفرنسي-المغربي شيئا واقعا وملموسا.

وجاءت جيوش فرنسية من وهران – وهذا هو بيت القصيد – بقيادة الكولونيل جيراردو، واحتلت دبدو، وأصبحت فاس تنتظر وصول القوات المشتركة لتدخل المدينة كبرهان على سلامة الاختيار وكاحتفال بالسلام، لكن فاس طال انتظارها.

لقد رفضت القبائل هذا التفاهم السريع بين السلطان والفرنسيين، وهبت لقطع الطريق في الجنوب بين القنيطرة وفاس، وفي الشرق بين تازة وفاس، وجرت معارك حول مدينة فاس تكبد فيها الفرنسيون خسائر فادحة، وفي تلك الأثناء أعلنت مكناس رفضها لتفاهم السلطان مع الفرنسيين، وتشكل وفد من الرجال المسلمين وقصد بيت الأمير مولاي الزين، أخ السلطان مولاي حفيظ، وأرغموه تحت تهديد السلاح على قبول منصب سلطان جديد.

وهي وضعية وصفها صاحب كتاب “المسألة المغربية” محمد خير فارس، بأنها وضع للسلطان عبد الحفيظ أمام الأمر الواقع، نأخذ من هذا الكتاب، في هذه المرحلة الفقرة التالية: ((لقد وجد عبد الحفيظ نفسه محاصرا في فاس، ووجد منافسا له في مكناس، ووجد أنه لن يستطيع أن يتلقى أية نجدة مغربية ما لم تسمح فرنسا بذلك، وكانت هذه مصرة على إشراك قواتها في إنقاذ فاس، بل إنها وضعت عبد الحفيظ أمام الأمر الواقع، فسواء وافق أو لم يوافق، فقد شرعت القوات الفرنسية في التقدم وأحيطت القبائل علما بنداء موانيي عن التدخل الفرنسي، ولم يجد عبد الحفيظ من الاستسلام للأمر الواقع بدّا، وقد حمل غايارد السلطان على أن يضع تاريخ الطلب في 27 أبريل، أي في موعد أسبق من تاريخ كتابه الحقيقي وأسبق من تاريخ نداء موانيي، كما أن طلب المساعدة لم يكن لحماية الرعايا الأجانب فقط، وإنما لتوطيد السلم في هذه المناطق والقضاء على أسباب الاضطرابات والشغب، كما طلب السلطان في نفس الوقت مجيء رينو وإعطاء غايارد السلطات اللازمة ليكون وسيطا بين السلطان والحملة الفرنسية، وذلك لمعالجة المسائل السياسية التي تتطلب الظروف معالجتها)).

وعاد المغرب – رغم الحماية العسكرية الفرنسية – يتخبط في دوامة من الفوضى والقتال، وأصبح الفرنسيون والأوروبيون يتعرضون للتقتيل والذبح في كل أنحاء المغرب، وبعث الكولونيل غايارد من فاس برقية إلى فرنسا يطلب النجدة لحماية الأوروبيين من “مجازر المغاربة”..

وسارعت فرنسا للاستجابة، حيث وصلت جيوش الكولونيل كورو وقوات الجنرال موانيي إلى ضواحي فاس، في محاولة لفك الحصار لا عن السلطان وإنما عن الأوروبيين، وعجز الفرنسيون عن فك الحصار ووصلت ثمانية آلاف جندي بقيادة الجنرال دالبييز، لنجدة القوات الفرنسية الأخرى، واشتبك الجميع مع القبائل التي أعلنت رفضها لاحتماء السلطان بالجيش الفرنسي، وكانت المعارك حول فاس، بين الجيش الفرنسي وقوات بني مطير وبني وراين وغياتة وأيت موسى وشراردة وأولاد جامع والزراهنة.

بينما وصل الصحفيون الفرنسيون من باريس لتغطية أخبار هذه الحرب، التي لم تكن في حساب الفرنسيين، وكانت أيام 4-6 و11-12-19 إلى يوم 22 مايو 1911، أيام حرب مفتوحة بين المغرب وفرنسا، عرفت فيها بطاح سايس ومرتفعات زلاغ مئات القتلى وجرت فيها الدماء بالسواقي.

وهي حرب شارك فيها كبار ضباط الاحتلال الفرنسي، والجنرال موانيي والجنرال دالبييز، والكولونيل كورو، والكولونيل برولارد، والكولونيل غايارد، والكولونيل بريموند، والكومندان مونجان، وعشرات الآلاف من الجنود الفرنسيين والجزائريين، بينما اتسعت رقعة المعارك حتى بلغت دبدو والبلاد الزرقاء والقنيطرة على ضفاف نهر سبو.

وفي معركة واحدة، حدثت في قصر علوان يوم 10 مايو، قتل 25 فرنسيا، وكان السلطان عبد الحفيظ في القصر بفاس يحاول الاتصال بالثوار، ويبعث المرسولين لاستدعاء زعمائهم، لكن بدون نتيجة، لكنه وجد نفسه قد ذهب بعيدا إلى درجة لم يبق أحد فيها يقبل أعذاره.

ثم لجأ المولى عبد الحفيظ إلى سياسة التراجع، فطرد وزيره الأول الكلاوي المدني إرضاء للمعارضين، ولكن دون نتيجة، ثم طرد الحاج التهامي الكلاوي من عمالة مراكش وعين أحد المعارضين مكانه، وهو السيد إدريس منو، ولكن دون نتيجة.

وذات ليلة من شهر جوان 1911، استدعى المولى عبد الحفيظ الضباط الفرنسيين للعشاء معهم ومحادثتهم في الأوضاع، وعلى رأسهم الجنرال موانيي والجنرال كورو، وعندما خرجوا وتوجهوا إلى ثكنة دار دبيبيغ، وجدوها تحت قصف مدافع أيت يوسي، فهربوا إلى صفرو، لكن ستة آلاف من أيت يوسي تعقبتهم تحت جنح الظلام بالرصاص.

وكانوا ينتظرون قدوم قوات الجنرال دالبييز الموجودة في البهاليل، ولكن هذا الجنرال نفسه كان محاصرا في ثكنته تحت رصاص قبائل زمور وزيان وكراون.

وفي خضم هذه المعارك، كان الفرنسيون متمسكين بمخططهم التناوري.. لقد استطاعوا ترهيب السلطان وكسب ثقته، ولا بد إذن من قطع دابر كل المفاجآت، وهم الذين سمعوا بأن سكان مكناس أرغموا مولاي الزين على قبول مهمة الملك، وأصبح في المغرب سلطان ثان ينافس السلطان الذي قضوا عدة سنوات مضنية في كسبه، لا بد لهم أن يتخلصوا من هذا السلطان الجديد وإلا فإنهم سيبقون طيلة حياة فرنسا، يغيرون مخططاتهم.

لذلك تشكلت قوات هائلة بقيادة الجنرال موانيي، وقررت احتلال مكناس بأي ثمن، وفعلا دخل الجنرال موانيي في معركة طاحنة مع سكان مكناس، الذين لم يكن لديهم رصاص وإنما قاوموا جيوش الجنرال موانيي بالسلاح الأبيض، السيوف والرماح والخناجر، وفرشت الحدائق المحيطة بمكناس بمئات الجثث التي دخل الجنرال موانيي على أشلائها إلى مدينة المولى إسماعيل.

وأمام هول المعارك، وتحت ضغط الهزيمة، خرج السلطان الجديد مولاي الزين لاستقبال الجنود الغازية.. إنه لم يتحمل معارك بضعة أيام فكيف به كالمولى عبد الحفيظ أن يتحمل معارك عدة سنوات ؟

وابتسم الجنرال موانيي لمولاي الزين ودعاه إلى مرافقته في الدخول للمدينة، ولكن مولاي الزين سريعا ما وجد نفسه مقيدا على جواده وكوكبة من الجنود الفرنسيين تهرب به إلى فاس، حيث تم تسليمه للسلطان الحقيقي.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى