تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | محاولة إنقاذ الصحافة المغربية عبر بوابة القانون

بين حرية التعبير والمقتضيات الدستورية

رغم أن الصبيحة كانت مخصصة لتقديم أكبر قانونين منظمين للصحافة بالمغرب، إلا أن ذلك لم يجذب اهتمام سوى عدد قليل من الصحفيين والناشرين، إلى اجتماع ذلك الصباح في ضيافة لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، حيث جلس المهدي بنسعيد، الوزير الشاب المرشح للعب أدوار كبيرة في المستقبل(..)، بكامل الأريحية إلى جانب رئيس اللجنة، غير بعيد عن واحد من أقطاب الوزارة، عبد العزيز البوزدايني، وقد كان واضحا تسلح الوزير بلغة “التحدي” عندما اختار البداية بالرد على المشككين، الذين اتهموه بإقصاء المهنيين أثناء إعداد القوانين المتعلقة بالصحافة والنشر، حيث قال إن الوزارة اختارت احترام الدستور، وهو ما يعني عمليا تكليف المجلس الوطني للصحافة (اللجنة المؤقتة) بالمشاورات، التي ستتم مواصلتها في وقت لاحق، ورغم المسافة التي حرص المهدي على توضيحها بين “تدخلات الحكومة” ونشاط المجلس الوطني للصحافة، فقد قال إن تجربته تراوحت بين السلبيات والإيجابيات..

إعداد: سعيد الريحاني

الجلسة الصباحية، التي انعقدت يوم الأربعاء المنصرم، كانت مخصصة لتقديم مشروع القانون رقم 25.026، المتعلق بتنظيم المجلس الوطني للصحافة، ومشروع القانون رقم 25.027، الذي يقضي بتغيير وتتميم القانون رقم 13.89 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين، وقد تميزت بإشهار الوزير المهدي بنسعيد لورقة “الدستور” في الدفاع عن المشاريع المقترحة(..).

تتمة المقال تحت الإعلان

يقول المهدي بنسعيد: ((إن مشروع القانون المتعلق بتنظيم المجلس الوطني للصحافة يأتي انسجاما مع أحكام الدستور، خاصة الفصول 25 و27 و28، وهو ما يعني عمليا إحالته على البنود التي تقول بأن “حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها.. وحرية الإبداع والنشر والعرض في مجالات الإبداع الأدبي والفني والبحث العلمي والتقني مضمونة” (الفصل 25).. بالإضافة إلى النص الذي يقول: “تدعم السلطات العمومية بالوسائل الملائمة، تنمية الإبداع الثقافي والفني، والبحث العلمي والتقني والنهوض بالرياضة، كما تسعى إلى تطوير تلك المجالات وتنظيمها بكيفية مستقلة، وعلى أسس ديمقراطية ومهنية مضبوطة” (الفصـل 27)، والنص الدستوري الذي يقول: “للمواطنين والمواطنات حق الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية، والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام.. ولا يمكن تقييد الحق في المعلومة إلا بمقتضى القانون، بهدف حماية كل ما يتعلق بالدفاع الوطني، وحماية وأمن الدولة الداخلي والخارجي، والحياة الخاصة للأفراد، وكذا الوقاية من المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور، وحماية مصادر المعلومات والمجالات التي يحددها القانون بدقة”.

تتمة المقال تحت الإعلان

وبذلك يكون أول تحدي للنص التشريعي، المطروح اليوم للنقاش، والذي يفترض فيه أن يكون بوابة لإنقاذ الصحافة المغربية، هو تحدي التنزيل السليم للدستور، لاسيما وأن هذا النص المصادق عليه باستفتاء شعبي، كان جوابا لمطالب اجتماعية، كان عنوانها سنة 2011، ويقول النص حرفيا: “حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية”.

للجميع الحق في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء بكل حرية، ومن غير قيد، عدا ما ينص عليه القانون صراحة.. تشجع السلطات العمومية على تنظيم قطاع الصحافة بكيفية مستقلة، وعلى أسس ديمقراطية، وعلى وضع القواعد القانونية والأخلاقية المتعلقة به.. يحدد القانون قواعد تنظيم وسائل الإعلام العمومية ومراقبتها، ويضمن الاستفادة من هذه الوسائل، مع احترام التعددية اللغوية والثقافية والسياسية للمجتمع المغربي.. وتسهر الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري على احترام هذه التعددية، وفق أحكام الفصل 165 من هذا الدستور (الفصـل 28).

يمكن القول إن أحد أهم المستجدات التي حملتها القوانين المتعلقة بالصحافة كما قدمها الوزير بنسعيد، هي محاولة إعادة تعريف مهمة الصحافي وهذا ما شمله مشروع قانون رقم 25.27، الذي يقضي بتغيير وتتميم القانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين، فهذا القانون تم تبرير اللجوء إليه بـ”التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الصحافة والإعلام، وما أفرزته هذه التحولات من حاجة إلى تحسين الإطار التشريعي المنظم لمهنة الصحافة ضمانا لملاءمته مع متطلبات الواقع الجديد وتحصينا لمبادئ حرية الصحافة في إطار احترام القانون وأخلاقية المهنة”.

يمكن القول أيضا أن القوانين المقترحة في هذا الصدد، حملت بصمة اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون الصحافة والنشر (المجلس الوطني للصحافة)، لاسيما وأن الوزارة تؤكد أن ما تم إنجازه، كان استنادا إلى خلاصات عمل اللجنة المؤقتة لتسيير القطاع الصحافة والنشر طبقا لمقتضيات القانون رقم 15.23 المحدث لها، بعد المشاورات التي قامت بها مع مختلف الهيئات المهنية في مجال الصحافة والنشر في إطار المقاربة التشاركية التي اعتمدتها اللجنة في أشغالها)) (المصدر: تصريحات الوزير بنسعيد).

بغض النظر عن الموقف، حيث لا زالت الهيئات المهنية تبلور مواقفها من مشاريع القوانين هاته.. فقد حملت بعض المستجدات، أهمها “تعديل تعاريف أصناف الصحافيين المهنيين” كما يلي:

• الصحفي المهني المحترف

تم تدقيق تعريف الصحفي المهني المحترف، عبر التنصيص على أنه كل صحفي مهني يزاول مهنة الصحافة بصورة رئيسية ومنتظمة في مؤسسة صحافية؛

• الصحفي المهني المتدرب

تم تعريف الصحافي المتدرب، من خلال التنصيص على أن شرط التوفر على سنتين من التكوين المستمر، يجب أن يكون معتمدا من المجلس الوطني للصحافة.

ويهدف هذا المستجد إلى تعزيز مهنية الصحافي المتدرب، وضمان مسار تكويني مؤسساتي.. (طبعا هذا المستجد ينفي عن نشطاء الفايسبوك واليوتيوب صفة صحافيين).

• أما فيما يخص الوضعية القانونية المرتبطة ببطاقة الصحافة المهنية، فقد تم استبدال عبارة “ملغاة”، التي كانت مستعملة في هذه الحالة، بعبارة “تم سحبها”، مما يدخل وضوحا قانونيا أكبر في تحديد الوضعية القانونية لبطاقة الصحافة المهنية.. وهذا المقتضى يؤطر بشكل أدق الحالات التي تشكل جنحة يعاقب عليها بموجب مجموعة القانون الجنائي، حماية لمصداقية المهنة ومنعا لانتحال الصفة والتلاعب بوثائق رسمية.. (هذا المستجد يشكل خطورة قانونية على من يدعي الانتساب لمهنة الصحافة).

وبينما تتكرر الدعوة في السنين الأخيرة إلى ضرورة تطبيق مقتضيات “الاتفاقية الجماعية”، فقد تم توسيع القانون المطبق، ليشمل تعديل المادة 13 عبر استبدال عبارة “الاتفاقية الجماعية” الواردة في المادة 24 بعبارة “الاتفاقيات المنصوص عليها في المادة 24”، ويهدف هذا التعديل (حسب الوزير بنسعيد) إلى توسيع نطاق الإحالة القانونية وعدم حصرها في اتفاقية جماعية واحدة، إذ أصبحت تشمل مختلف الاتفاقيات الممكنة التي تنص عليها المادة 24 من القانون.

لم يكن متوقعا، أن تشمل مشاريع قوانين الصحافة، بنودا تتعلق بالملكية الفكرية، ولكن مشروع القانون المذكور تضمن إضافة فقرة جديدة بشأن حقوق المؤلف، وذلك من خلال التنصيص على أنه يجب ألا يحول أي اتفاق دون استفادة الصحافي المهني من حقوق المؤلف والحقوق المجاورة طبقا للتشريع الجاري به العمل، ويكرس هذا التعديل مبدأ أساسيا في حماية الإبداع الصحفي، ويضع حدا لأي محاولات للحد من حقوق الملكية الفكرية للصحافي، ويعد هذا التعديل خطوة مهمة نحو ضمان التوازن بين العلاقة التعاقدية التي تربط الصحافي بالمؤسسة الصحافية من جهة، وحقه في ملكية أعماله الأصلية من جهة أخرى.. (باختصار: يضمن هذا البند حقوق الملكية الفكرية للصحفي بخصوص مقالاته، كما أن إعادة استعمالها قد تترتب عنها حقوق أخرى).

ارتباطا بنفس مشاريع القوانين، فقد حاول المشرع تفادي تعدد “المصطلحات في مجال الصحافة”، عبر توحيدها، حيث تم توحيد المصطلحات المعتمدة، وذلك من خلال تعويض المؤسسات الصحافية أو وكالات الأنباء أو هيئات الإذاعة والتلفزة، بعبارة “المؤسسة الصحافية”، كما تم توحيد المصطلحات المستعملة في القانون عبر تعويض عبارة المؤسسة الصحفية أو المؤسسات الصحفية حيثما وردت في هذا القانون، بعبارة المؤسسة الصحفية أو معهد الاتصال السمعي البصري أو وكالة الأنباء.. ويهدف هذا المقتضى إلى ضمان شمولية وانسجام الإطار القانوني بما يعكس تنوع الفاعلين في الحقل الإعلامي الوطني، ويسهل التطبيق السليم لمقتضيات هذا القانون على مختلف مكونات المشهد الإعلامي (حسب تقديم الوزارة).

ويبقى أحد أكثر فصول مشاريع القوانين التي قدمها الوزير المهدي بنسعيد إثارة للجدل، هو ما يرتبط بالتنظيم الذاتي لمهنة الصحافة، خاصة ما يتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وذلك بعد تعذر تجديد هياكل هذه المؤسسة إثر صعوبات حالت دون إجراء الانتخابات المهنية، وهي الصعوبات المستمرة إلى اليوم(..).

باختصار.. فقد تم الاحتفاظ بنفس مهام المجلس، مع إضافة مهام جديدة أهمها مسك سجل خاص بالصحافيين المهنيين، وسجل خاص بالناشرين، وتوسيع النطاق المؤسساتي ليشمل التعاون والشراكة مع الهيئات الوطنية والأجنبية (الهيئات الدولية).

أما بخصوص الهيكلة والتمثيلية، وهي نقطة حساسة في المجال(..)، فقد تم تقليص عدد أعضاء المجلس إلى 19 عضوا عوض 21، موزعين على ثلاث فئات: فئة ممثلي الصحافيين (7 أعضاء، منهم ثلاثة منتخبين على الأقل)، و7 ناشرين منهم حكماء(..)، بالإضافة إلى فئة المؤسسات، ومنهم قاضي يعينه المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وعضو يعينه المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وعضو يعينه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.. ويبقى أحد أكبر المستجدات بهذا الخصوص، هو تغييب اتحاد كتاب المغرب.

يذكر أن القانون سالف الذكر، قد حمل في طياته عدة رسائل سياسية وقانونية، كما تضمن رسائل إلى من يهمهم الأمر، غير أن النقاش الحقيقي بخصوص مشاريع القوانين هاته، ما زال مرتبطا بمسار تشريعي، وهو المسار الذي قد لا يتعدى يومين، وقد يطول حسب الإشارة(..)، ما يعني ضرورة استغلال المرحلة لاستخلاص الدروس وبناء الطريق نحو المستقبل، فمهما يقال، فإن الجسم الصحافي المغربي يبقى في حاجة إلى نقلة نوعية، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه(..).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى