حديث العاصمة | هل تضيع من الرباط ميزة “التراث الإنساني” ؟


ما ينجز اليوم من مشاريع في كل ربوع العاصمة الرباط، هي بالتأكيد تراث لأجيال الغد كما غنمت أجيالنا الحالية إنجازات السلف منذ قرون، فحصنتها بمناعة قانونية حتى لا يتسرب إليها غول التحريف والتزوير والمسخ لتاريخ أصالة وحضارة أهلها المقيمين فيها أو الذين تركوا بصماتهم عليها بغض النظر عن ديانتهم أو جنسيتهم أو ثقافتهم التي خلدوا بها مرورهم وجسدوها كقيمة مضافة تذكر بهذا المرور.
فصومعة حسان والمدينة العتيقة وحي الملاح وحي الإقامة وبرج “روتامبورغ”، وغيرها، إرث مصون وكنز ثمين لفائدة الإنسانية، وهذا ما أقرته اليونسكو واعترفت به تراثا إنسانيا من إبداع إنسان الرباط هو اليوم تحت التراب، يستفيد منه ورثة هذا التراث، ذلك الإنسان لم يورثنا المعمار والتعمير فحسب، بل ترك لنا عاداته وتقاليده وأزيائه وطقوس أعياده وأفراحه وأتراحه ومراسيم استقبال حجاجه..
وما يهمنا هنا هي التقاليد التي توحدنا، كالأعياد الوطنية التي انفصلت عن طقوسها الموروثة عن أجدادنا حتى كادت تفقد هويتها ولم نتعلم الدرس من العواصم الغربية والعربية والإفريقية في احتفالاتها بمناسبات أعيادها الوطنية، ففي العاصمة باريس عيدها الوطني يقترب من العالمية، وفي العاصمة لندن عيد جلوس الملك له نكهة خاصة ولباس تراثي ناطق بعمق التقليد الملكي في المجتمعات اللندنية، وفي عواصم الخليج العربي، تشبث بالأعراف الاحتفالية التقليدية المحلية، ولم تنجح أي محاولة في تلقيحها بأي دخيل عن تراثها، وجل العواصم الإفريقية حولت احتفالاتها بالأعياد الدينية والوطنية إلى واجبات مقدسة للتذكير بالهوية والتعبير عن الانتماء، والبوح بالفرحة حتى أن بعضها صارت قبلة للسياحة العالمية لاكتشاف خصوصيات أفراح كل شعب لم يتمكن من زعزعة إيمانه المتربصون به لعزله عن تاريخه وأصالته.
هذه العواصم التي استشهدنا بروعة تنظيماتها لاستقبال أعيادها، تتكلف مجالسها البلدية بالنيابة عن سكانها لإقامة حفلات أعيادهم بشكل لا يوصف في مجرد سطور، بينما جماعتنا، وليست أي جماعة، فهي ممثلة ساكنة عاصمة المملكة ومركز السياسة ومنبر الثقافة، وحارسة التراث الإنساني أمام المنتظمات الدولية والأعياد هي أم هذا التراث، حتى إذا زارنا زائر من خارج حدودنا لا يمكنه اكتشاف أعيادنا، لأنها بكل صراحة لا شيء يميزها عن الأيام العادية إلا بعطلة للشغالين.
والجماعة هي المسؤولة والوصية عن السياحة شريكتها، فأين هي حقوق ميزة التراث الإنساني كلقب رسمي للعاصمة ؟
لا نخفيكم غيرتنا من عواصم المعمور وهي تسعد إنسانها ببرامج خاصة في أعيادهم، بينما نحن في عاصمة التراث الإنساني، فمنذ 10 سنين ونحن نحتج على المجالس لتقاعسها في الحفاظ على تراثنا الإنساني.



