المنبر الحر

المنبر الحر | العامل الاجتماعي في المغرب.. بين التأطير القانوني والتحديات المجتمعية

بقلم: فاطمة بوقلابة

    في خضم تصاعد مظاهر الهشاشة والتفكك الأسري والاجتماعي، برز العامل الاجتماعي كفاعل محوري في مواكبة الأزمات المجتمعية وتقديم الدعم للفئات الأكثر هشاشة، ولم تعد مهمته تقتصر على تقديم المساعدة، بل بات يمثل صمام أمان اجتماعيا، وجزء لا يتجزأ من السياسات العمومية الموجهة نحو الإدماج والتماسك الاجتماعي.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولأن أهمية هذا الدور تقتضي تقنينه وضبط معاييره، جاء القانون رقم 45.18 كإطار تشريعي يؤطر مزاولة مهنة العامل الاجتماعي، محددا الشروط والمعايير والضمانات التي تنظم هذه المهنة الحيوية، غير أن هذا التأطير القانوني، وعلى الرغم من تقدميته، يواجه صعوبات كبيرة على مستوى التنزيل والتفعيل، ما يحول واقع المهنة إلى مجال مزدوج بين التطلعات المؤسساتية والتحديات اليومية.

تتمة المقال تحت الإعلان

دور محوري في خدمة الفئات الهشة

تتمة المقال تحت الإعلان

يتواجد العامل الاجتماعي في صلب العمل الميداني والإنساني، حيث يتدخل في مؤسسات الرعاية، السجون، المستشفيات، والمراكز الاجتماعية، ويعمل كوسيط بين الأفراد والمؤسسات، موجها وداعما للفئات في وضعية صعبة، من أطفال الشوارع والنساء ضحايا العنف، إلى المسنين وذوي الاحتياجات الخاصة، كما يعتبر طرفا فاعلا في تنزيل السياسات الاجتماعية، عبر مواكبته لبرامج الإدماج، ومحاربته لمظاهر الإقصاء والتهميش. هذه الأدوار تجعل منه أكثر من مجرد ممارس مهني.. إنه عنصر محوري في دينامية التغيير الاجتماعي.

القانون 45.18.. بين التقدم القانوني والمأمول المجتمعي

يمثل القانون رقم 45.18 لحظة فارقة في الاعتراف الرسمي بمهنة العامل الاجتماعي.. فقد نص على شروط واضحة لمزاولة المهنة، منها: الحصول على شهادة جامعية في التخصص، أو التوفر على خبرة لا تقل عن ثلاث سنوات؛ التسجيل في السجل الوطني للعاملين الاجتماعيين؛ الحصول على بطاقة مهنية تخول له مزاولة المهنة قانونيا.

كما يُلزم القانون العاملين الاجتماعيين باحترام المبادئ الأخلاقية والمهنية، أهمها السر المهني، الحياد، والإبلاغ عن حالات الخطر، مقابل توفير الحماية القانونية والتكوين المستمر.

لكن رغم هذا التقدم التشريعي، لا تزال انتظارات العاملين الاجتماعيين والمجتمع المدني تفوق ما تم تحقيقه على أرض الواقع.

تحديات تقف حجر عثرة أمام التفعيل

أمام النصوص القانونية التي تبدو محكمة ومتكاملة، تبرز عراقيل ميدانية تقلص من نجاعة هذا الإطار، من أبرزها: ندرة الموارد البشرية المؤهلة وتوزيعها غير المتكافئ؛ ضعف الإمكانيات المادية للمؤسسات الاجتماعية، ما يحد من قدرات التدخل والاستجابة؛ الضغط النفسي المرتبط بتعامل العاملين مع قضايا إنسانية معقدة دون مواكبة كافية؛ غياب هيئة مهنية مستقلة تدافع عن حقوق العاملين وتنظم شؤون المهنة.

توصيات عملية من أجل مهنة فاعلة ومنصفة

لتجاوز واقع التحديات نحو مستقبل مهني متكامل، نقترح ما يلي:

• إحداث هيئة وطنية للعاملين الاجتماعيين، تمثلهم وتضطلع بدور تأطيري وترافعي؛

• تعزيز برامج التكوين الأساسي والمستمر لضمان مواكبة مستجدات الممارسة الميدانية.

• تحسين ظروف العمل من خلال الدعم النفسي المنتظم، وتوفير تحفيزات مادية ومعنوية؛

• تكريس الاعتراف المجتمعي بالمهنة عبر حملات تواصل وتحسيس بأهميتها وضرورتها.

نحو تفعيل حقيقي واعتراف فعلي

لا شك أن صدور القانون 45.18 يمثل خطوة نوعية نحو مأسسة مهنة العامل الاجتماعي، غير أن تفعيل هذا الإطار يتطلب إرادة سياسية حقيقية، واستثمارا في الإنسان، وتعاونا بين الدولة والمجتمع المدني، فالعامل الاجتماعي ليس فقط أداة لتطبيق السياسات، بل هو بوصلتنا نحو مجتمع متضامن، عادل، وقادر على مواجهة أزماته بالقيم الإنسانية قبل الإمكانيات التقنية.

فالعامل الاجتماعي هو قلب العدالة الاجتماعية النابض، فلنمنحه ما يستحق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى