الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | فتنة الساعات الأخيرة.. حقائق لم تنشر إلا سنة 1980

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 128"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    إذا كان التخطيط لاحتلال المغرب قد تم في الجزائر، وجيوش احتلال المغرب جاءت من الجزائر، وبمساهمة مجندين جزائريين، وإذا كانت فكرة احتلال المغرب صدرت عن أدمغة رسمت وأنجزت احتلال الجزائر.. فإن هذه كلها حقائق بديهية برع الفرنسيون في إخفائها عن الرأي العام العالمي، وتفننوا في إغراقها في خضم المشاكل والمآسي الداخلية المغربية، ولكن الحق يظهر ولو بعد عشرات السنين.. لنقرأ ما صدر سنة 1980 في كتاب تضمن مذكرات الرجل الذي كان يخطط لاحتلال المغرب وهو في الجزائر، وأعني به الجنرال ليوطي.

تتمة المقال تحت الإعلان

في هذه المذكرات التي نشرها عن مؤسسة النشر الفرنسية “بيران” سنة 1980 المؤلف أندري لوريفيران، نجد الجواب القاطع والحجة الدامغة على أن كل ما كان يدور في المغرب من فتن وثورات.. إنما من صنع خبراء الاحتلال الفرنسي في الجزائر وعلى رأسهم الجنرال ليوطي.

في الصفحة 243 من هذا الكتاب الحديث، نجد الجنرال ليوطي ينشر الحقيقة الضائعة عن دوره في المغرب وهو جالس في وهران، يقول ليوطي في تقرير لرئيسه الحاكم العام للجزائر، جونار:

((سيدي الحاكم العام،

أشكركم على برقيتكم الحارة(…). إني عاجز عن أن أجد التعبيرات المناسبة عن شعوري لما أستوحيه من الحرارة ورباطة الجأش الكامنة وراء دعمكم(…)، إني أرتاح الآن رغم الكثير من المصاعب وفي خضم المرارة(…)، حيث تبقون بالنسبة لي نقطة الارتكاز(…) ومنبع النور الذي أوجه إليه سفينتي بثقة وأمان)).

ويضيف الجنرال ليوطي مفسرا سر هذا الدعم: ((مهما كانت عيوب الفيلق التاسع عشر، فإني أتمتع بالنتيجة التي حصلنا عليها(…). إن الأخبار سارة يوما بعد يوم(…)، ففي بركان حيث كنت أول أمس، وفي بني بويحيى الذين جاؤوا للسوق وأخبرونا أن القبائل التي تهاجمنا قد تم القضاء عليها، وهم يشكروننا(…) ويمكن اعتبار الجهة الشرقية كلها خاضعة لنا(…)، بينما الجهة الغربية سائرة في نفس الطريق، وبحكم الأمر الواقع، فإن اتفاقية 1895 قد أصبحت لاغية(…)، ونحن نسيطر على الملوية وإلى الأبد(…).

إن مهمتي قد نفذت(…)، وأن باريس لم يكن لها أن تفهم ولم ترد أن تفهم سهولة المهمة وفعاليتها وطابعها الفرنسي وسرعتها، انطلاقا من هنا(…)، بفضل وحدة العمل والحرية في التصرف(…). إنها وضعية سليمة ومضمونة النتائج)).

ويختم الجنرال ليوطي رسالته لرئيسه الحاكم العام للجزائر، قائلا: ((والآن، وقد نفذت برنامجي حتى الملوية، أصبح من حقي أن أسلم المسؤولية لغيري)).

فهل نسينا برنامج ليوطي الذي سبق ونشرناه في حلقات سابقة من كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية”.. حينما قال بأن على فرنسا أن تحتل المغرب بواسطة ازدواجية العمل، العسكري والسياسي ؟

والأهم من هذه الرسالة، هو تاريخ كتابتها، التي تكمن في طياتها أهمية الفترة التي كتب فيها هذا التقرير.

إن هذا التقرير مكتوب في وهران في 24 يوليوز 1910.

وعندما يتحدث ليوطي في هذا التاريخ بالضبط، عن انتهاء المهمة، يجب أن نستعرض ماذا جرى في المغرب خلال الشهور التي سبقت كتابة هذا التقرير. يجب إذن، أن نترجم هذا التقرير بما عرفه المغرب من أحداث.

تقرير ليوطي يتحدث عن النقط التالية:

1) الارتياح في خضم المرارة والمصاعب؛
2) الأخبار السارة يوما بعد يوم؛
3) زيارته لبركان، رغم أنه كان رسميا رئيسا للجيش الفرنسي في وهران؛
4) قبائل بني بويحيى التي كانت تضرب القبائل المناهضة لفرنسا وتقدم النتائج للجنرال ليوطي؛
5) خضوع الجبهة الشرقية للنفوذ الفرنسي؛
6) الجبهة الغربية داخل المغرب في طريق الخضوع؛
7) اعتبار اتفاقية 1895 التي تعترف باستقلال المغرب، لاغية؛
8) الاعتزاز بالسيطرة على الملوية وإلى الأبد؛
9) إن باريس لم تكن تفهم نجاح المناورات بواسطة التواجد الفرنسي وحرية التصرف؛
10) اعتبار ليوطي بأن مهمته قد انتهت.

فلم يبق لنا إذن، إلا أن نعود لمسلسل الأحداث التي عرفها المغرب قبل يوليوز 1910، تاريخ كتابة هذا التقرير، لنجد المغرب يحترق في كل أقاليمه:

• فالحرب على أشدها بين القبائل في تادلة وبني مسكين ودكالة وزعير وزمور تحت أنظار الجيش الفرنسي؛

• والدعوة سارت بين الأوساط لرفض أداء الضرائب، وتزعم هذه الحركة التجار الألمان والإنجليز والإسبان؛

• والجنسيات الأجنبية أصبحت تباع للمواطنين المغاربة بالآلاف، وغالبا ما تعطى مجانا؛

• وأصبح الهجوم على قوافل البريد شيئا يجري به العمل في كل الأقاليم.

ورغم أن رجال الجيش المكونين من البخاري وشراڭة وأولاد جامع والأوداية.. كانوا يتمتعون بإعفاء من أداء الضرائب، نصح أحد المستشارين عامل السلطان في مراكش، وهو الكلاوي، أن يفرض عليهم الضرائب، مما جعلهم يلجؤون إلى الثورة.

إنه الحصار، تم ضربه حول المولى عبد الحفيظ من كل جهة، وذلكم بما لا يدع مجالا للشك، هو مهمة الجنرال ليوطي في وهران.. تلك المهمة التي كانت تنقله بين فترة وأخرى إلى القيام بزيارات داخل حدود المغرب، وقد دخل ليوطي إلى فرنسا بعد يوليوز 1910 ليرتاح، لكن متى كان جنرال من فصيلة ليوطي يستسلم للراحة..؟ ولو كان قد ذهب فعلا للراحة، لما جاء من باريس إلى المغرب حيث أصبح أول مقيم عام لفرنسا بالمغرب.

إنه من خلال تقرير ليوطي، يظهر بجلاء أنه ذهب إلى باريس لشرح مخططه بعد أن استطاع إقناعهم بنجاح برنامجه “السياسي – العسكري”.

هذا البرنامج الذي أصبح مخططا، تبنته الحكومة الفرنسية، وحضرت الرأي العام العالمي لتقبله حتى أن الصحف البريطانية شنت حربا على المولى عبد الحفيظ، ونشرت نداءات قبائل مغربية تدعو العالم إلى تخليص المغرب من المولى عبد الحفيظ ووزيره الأول المدني الكلاوي، بل إن الأمر ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث تداول مجلس العموم البريطاني في جلسة 11 مايو 1911، قضية التدخل الأوروبي (الفرنسي) في المغرب، وسأل أحد النواب البريطانيين عماذا ستفعله بريطانيا لحماية النظام الحالي في المغرب من الغزو؟ فأجاب الوزير كراي، النائب قائلا: ((إن الحكومة البريطانية مطلعة تماما على الفساد القائم في المغرب، وأنها سعت دوما إلى إصلاحه.. ولكن ليست هناك مسألة تدخل أوروبي إلا لتجنب الفساد، وأن كل الوسائل التي ستتخذها حكومة بريطانيا، محددة ومطابقة للاتفاق الإنجليزي – الفرنسي)).

نقلت هذه المداولة في النشرة الخاصة للجنة الفرنسية – الإفريقية في شهر مايو 1911 (الصفحة 186)، وكأن الوزير البريطاني يعتبر فرنسا وبريطانيا أساتذة لحسن السلوك وكل شعوب إفريقيا أطفالا مشاغبين.

ولكن الفترة الفاصلة بين مغادرة ليوطي لمهمته في وهران وتعيينه في المغرب، كانت هي المرحلة الأهم.. لقد كانت فترة الضغط على المولى عبد الحفيظ ليستسلم للمخطط.

إنه إذا كان المولى عبد الحفيظ لم يقبل الاستسلام تحت ضغط الأزمة الاقتصادية، وثورات القبائل ومناورات الخبراء، وإذا كان بعيدا عن ميدان المعارك والفتن، فإنه يجب نقل المعركة إلى فاس، بل يجب التخطيط لمؤامرة الإطاحة به، ولم يكن التخطيط لمؤامرة من هذا النوع شيئا صعبا.. فقد كان الرأي العام الذي كان المولى عبد الحفيظ يعتز به، قد أصبح يشعر بالهزات، وأصبحت نقط الاستفهام تسبق أحاديث الناس، ونقط التعجب تلي كل تعليقاتهم.. ولكن الناس في تلك الأثناء كانوا يجهلون تماما خبايا المخطط الفرنسي.

هذا المخطط الذي لخصه صاحب كتاب “المسألة المغربية” (الصفحة 547) بقوله: ((لكن فرنسا ظلت ماضية في تنفيذ خطتها المرسومة.. فلم يهمها أمر الفساد بقدر ما كان يهمها استغلاله لصالحها)).

ذلكم الفساد الذي كان مثار نقاش في مجلس العموم البريطاني طبعا.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى