ملف الأسبوع | هل يتحول مخطط الحكم الذاتي إلى مأزق للمغرب ؟

مخطط الحكم الذاتي كحل نهائي ودائم لملف الصحراء، هو المصطلح الأكثر استعمالا في القاموس الدبلوماسي المغربي مؤخرا، حيث نرى وفودا دولية تزور وزارة الخارجية المغربية، ثم يعلن رئيس الوفد أن بلاده تدعم مخطط الحكم الذاتي.. حتى أصبح هناك شبه إجماع دولي عليه، بعدما واجه المغرب لوحده العالم منذ طرحه للمقترح سنة 2007 وإلى اليوم من أجل إقناع المنتظم الدولي بأنه الحل الوحيد، غير أنه انطلاقا من أواخر سنة 2024، طالب المبعوث الأممي إلى الصحراء، ستيفان دي ميستورا، المغرب بتقديم تفاصيل حول مقترحه، وجدد ذلك في شهر أبريل الحالي.. فهل تصبح مناقشة التفاصيل في غير مصلحة المغرب ؟
أعد الملف: سعد الحمري
عندما كانت أمريكا تطالب المغرب بمنح درجة محدودة من الحكم الذاتي للصحراء..
من المعروف أن مقترح الحكم الذاتي في الصحراء لم يتم طرحه أول مرة سنة 2007 من طرف المغرب، بل كانت إسبانيا هي من اقترحته سنة 1973 وعرضته على جامعة الدول العربية، غير أن المغرب رفضه لأنه كان يعتبر أن هذا المقترح سيؤدي في نهاية المطاف إلى الانفصال، وقد تم بعد ذلك تبني هذا المقترح في أكثر من مناسبة من طرف عدة وسطاء، من بينهم أمريكا التي تبنت مقترح الحكم الذاتي كحل لنزاع الصحراء في سنة 1977، عندما أحست الجزائر بأنها أصبحت منهكة في حرب الصحراء، لكن ماذا اقترحت أمريكا كشكل للحكم الذاتي؟ تخبرنا إحدى مراسلات وزارة الخارجية الأمريكية، أن أقصى ما توقعته أمريكا من الملك الحسن الثاني، هو “درجة محدودة من الحكم الذاتي للصحراء وإعادة دمج بعض زعماء جبهة البوليساريو في المغرب”، وهنا يجب التسطير بخط عريض على عبارة “درجة محدودة من الحكم الذاتي”، بمعنى جزء بسيط من الصلاحيات لسكان المنطقة، غير أن الملك الحسن الثاني فور توصله بالمقترح الأمريكي، رفض الفكرة من أساسها، وهو ما عبر عنه في كثير من لقاءاته الصحفية.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل عادت الفكرة للظهور من جديد، وهذه المرة تبنتها الجزائر، غير أنه ليس بين أيدينا صراحة فكرة حول الموقف المغربي منها، وإنما صرح عاهل البلاد للصحافة في سنة 1987 وقال: ((المغرب مستعد لمنح الصحراويين الحكم الذاتي الموسع باستثناء الطابع البريدي والعلم وإصدار الأوراق النقدية))، وبعد سنة من ذلك، أي سنة 1988، أجاب الملك عن سؤال وجهه له أحد الصحفيين وكان كالتالي: “جرى الحديث مؤخرا عن احتمال منح الصحراء حكما ذاتيا في إطار السيادة المغربية؟”، ليجيبه الحسن الثاني، وكأنه لم يقتنع بهذا الاقتراح الذي أبدى قبوله به سنة قبل ذلك، بالآتي: ((ليس بالضرورة، ليس بالضرورة.. لقد قلت يوما إني آمل أن أترك لخلفي مغربا مبنيا على شاكلة المقاطعات الألمانية “لي لاندرز”، لقد كنتم أيها الفرنسيون أول من طالب بالاستفتاء، وقلنا في البداية لا(…)، بعد ذلك قلنا نعم)).
كان الموقف الأمريكي خلال نهاية الثمانينات من هذه القضية هو الحياد، مع أن الولايات المتحدة رأت أن 1988 سنة حاسمة، ومن الممكن أن تكون فرصة سانحة لحل هذا الملف.. فقد صدر تقرير أمريكي يوم 28 مارس 1988، عنوانه “الصحراء الغربية.. 1988 فرصة سانحة”، وأكد التقرير أن “الأمين العام للأمم المتحدة بيريز دي كويلار، يعمل على وضع آلية تضمن سيطرة المغرب على الصحراء مع الحفاظ على ماء وجه الجزائر”، كما جاء ضمن نفس التقرير أن “تسوية قضية الصحراء وتعزيز التعاون المغاربي قد يعقدان جهود الولايات المتحدة لتعزيز حضورها ونفوذها في المنطقة، إلا أن ذلك سيعزز الاستقرار الإقليمي ويُضعف النفوذ السوفياتي”، وختم التقرير بالتالي: “إذا لم تُفتح هذه الفرصة، فقد لا تظهر فرصة جديدة قبل بضع سنوات”.
وفي مراسلة أخرى تعود لسنة 1987، أكدت وثيقة أمريكية أن أكبر القوى العظمى اعتدالا ستصر على تسوية تشمل عودة اللاجئين الصحراويين إلى الصحراء مع شكل من أشكال الحكم الذاتي المحلي، وأضافت أنه لن يسمح المغاربة الذين استقروا في الصحراء والبالغ عددهم 180 ألف نسمة، للملك الحسن الثاني، بالتنازل عن مكانتهم المتميزة والمهيمنة من أجل السلام مع البوليساريو، ومن المؤكد أنهم لا ينوون منح الصحراويين سيطرة سياسية حتى كجزء من الحكم الذاتي من المغرب.
المغرب تحمل 13 سنة من أجل إقناع المنتظم الدولي بجدوى الحكم الذاتي
ماذا حصل بين سنتي 1988 و2007؟ فقد تأرجحت الأمور بين رفض المغرب لمقترح الحكم الذاتي وقبوله به، بل وتبنيه رسميا وطرحه أمام منظمة الأمم المتحدة كحل نهائي لنزاع الصحراء.. هل هو مبادرة مغربية صرفة، أم تدخلت فيه قوى دولية من أجل إقناع المغرب بتبنيه رغم ما قد يحتوي عليه من مخاطر تهدد نظام الحكم المركزي ؟
فهناك ملاحظة بسيطة، وهي لو كانت مبادرة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب كحل نهائي لنزاع الصحراء من إملاء قوى دولية، لما أمضى 13 سنة كاملة من أجل بداية إقناع القوى الكبرى بمدى جدواه، والمقصود هنا هو أمريكا التي أقرت في نهاية العهدة الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليس فقط بدعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية، بل أيضا بسيادة المغرب على صحرائه، ثم تبعتها إسبانيا التي أقرت فقط بدعم مبادرة الحكم الذاتي سنة 2022، ومعنى هذا أن هناك فارقا بين الإقرار بسيادة المغرب على صحرائه ودعم مبادرة الحكم الذاتي، حيث تجلى ذلك في الصراع المغربي الفرنسي، عندما طالب المغرب بموقف فرنسي يتجاوز مجرد دعم خطة الحكم الذاتي في الصحراء إلى الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، وهو ما تجلى في غشت 2024 وانتهت بعد ذلك الأزمة المغربية الفرنسية.
ماذا حدث بين أكتوبر 2024 واليوم ؟
لكن يبدو أن الأمور أخذت مجرى آخر انطلاقا من تقرير المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، في أكتوبر 2024، عندما طالب المغرب بتفصيل حيثيات مقترحه للحكم الذاتي، وما السلطات التي ستحتفظ بها الرباط، وما السلطات التي ستكون للحكم المحلي.. يومها طرح السؤال حول دوافع هذا الطلب، هل المقصود به إحراج المغرب، أم التمهيد لحوار سياسي جدي بين الطرفين على أرضية المقترح المغربي للحكم الذاتي ؟
في الواقع، ثمة إشكال حقيقي في ترجيح أحد الاحتمالين، لكن هناك ما يشبه المسلمة في لغة التفاوض السياسي، إذ أن التفاصيل هي جزء من عملية التفاوض، وأن الكشف عنها يعتبر بمثابة كشف الأوراق للخصوم وتمكينهم من الابتزاز السياسي، فلا تفاوض البتة في التفاصيل من غير مواقف مبدئية سابقة، يتم بناء عليها تحصيل التوافق حول مبدأ أن الحكم الذاتي هو الحل الوحيد لحل النزاع. ولعل هذا بالضبط هو ما أشار إليه المسؤول عن الدبلوماسية المغربية ناصر بوريطة، في جوابه عن دي ميستورا، إذ ذكر في النقطة الرابعة من توضيحه: “إن الأطراف حينما تكون مستعدة للدخول في مسار مبادرة الحكم الذاتي، وفي احترام للخطوط الحمراء، يمكن الحديث عن التفاصيل”.
ومن جانب آخر، فمن الممكن أن يكون التفصيل الذي طالب به دي ميستورا يهم أعضاء مجلس الأمن، فالملاحظ هنا أن الزخم الدولي الداعم للمقترح المغربي للحكم الذاتي لم يشترط ذلك بالمطلق، هذا في الوقت الذي تراجع فيه الدعم لأطروحة الاستفتاء، حتى صارت رؤية الخصوم معزولة تماما بعدما تم الإقرار في إحاطات سابقة لمجلس الأمن بأن هذا الحل الاستفتاء غير واقعي ومستحيل التطبيق، وفي إحاطة رسمية أمام مجلس الأمن بتاريخ 14 أبريل 2025، كشف المبعوث الأممي دي ميستورا، عن مؤشرات محتملة للتحول في مسار النزاع، أبرزها تأكيد الولايات المتحدة مجددا على دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، وموقفها الواضح بشأن ضرورة التوصل إلى “حل متوافق عليه بشكل متبادل”، مع إعلانها عن نية الإدارة الأمريكية الانخراط المباشر في تسهيل هذا الحل، وهو ما قد يشكل منعطفا دبلوماسيا حاسما في سياق الجهود الأممية.
وجدد دي ميستورا – في إحاطته – حرصه على التأكيد بأن هذه المعطيات الجديدة تطرح ثلاثة رسائل أساسية حملها الموقف الأمريكي: أولها، أن “الحكم الذاتي يجب أن يكون جادا وموضحا بالتفصيل، بما يشمل الصلاحيات الممنوحة للإدارة المحلية في الصحراء”.
إلا أن ملاحظة دي ميستورا لم تكن الوحيدة حول شكل الحكم الذاتي الذي يقترحه المغرب.. فقبل إحاطته لمجلس الأمن، صدر بيان عن وزارة الخارجية الأمريكية، يحث الأطراف على “الانخراط في المناقشات من دون تأخير باستخدام مقترح الحكم الذاتي المغربي إطارا وحيدا للتفاوض على حل مقبول للطرفين”، وأكد البيان نفسه أن “الولايات المتحدة لا تزال تعتقد أن الحكم الذاتي الحقيقي في ظل السيادة المغربية هو الحل الوحيد الممكن”، ولأول مرة تستعمل الخارجية الأمريكية كلمة “حقيقي” مرادفة للحكم الذاتي، في إشارة إلى طبيعة ونمط الحكم الذاتي الذي تسعى الإدارة الأمريكية إلى دعمه في المنطقة.
وسوف نجد تقاطعا كبيرا بين هذا التصريح وما جاء في الورقة التي قدمها مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستيفان دي ميستورا، وفيها أنه تلقى ثلاثة رسائل من السلطات الأمريكية، الأولى مفادها أن الحكم الذاتي يجب أن يكون “جادا”، ولذلك طالب المغرب بأن يشرح بمزيد من التفصيل مبادرته، ويوضح الصلاحيات التي سيتم تفويضها لكيان يتمتع بالحكم الذاتي “الحقيقي” في الإقليم المتنازع عليه، والثانية تتعلق بضرورة أن يكون “الحل مقبولا للطرفين”، والثالثة أن “تنخرط واشنطن مباشرة في تسهيل التوصل إلى حل متفق عليه”.
وقد قرأ علي أنوزلا هذا التوافق بين دي ميستورا والإدارة الأمريكية بالتالي: ((هذا التناص بين التصريح الأمريكي وورقة المبعوث الأممي، واستعمال الكلمات نفسها، أمر جديد ويحمل عدة مؤشرات تدعو السلطات المغربية إلى أخذ الكثير من الحيطة والحذر في التعاطي مع الاستحقاقات المقبلة التي تنتظر هذه القضية، لأن مطالبة واشنطن، التي تعتبر “صاحبة القلم” بخصوص هذا النزاع داخل مجلس الأمن، والمبعوث الأممي الذي يقدم قراراته النهائية إلى المجلس نفسه للمصادقة عليها، بأن يكون الحكم الذاتي الذي يقترحه المغرب “حقيقيا” و”جادا”، ودعوة الرباط إلى تقديم تفاصيل أكثر حول مبادرتها، قد يعني أن ما هو مطروح حاليا للنقاش “غير جاد” و”ليس حقيقيا”، كما قد يعني مزيدا من الضغط على الرباط لتقديم تنازلات أكبر بذريعة “تجويد” الحكم الذاتي المقترح إقامته في إقليم الصحراء، وربما إقامة “كردستان” جديدة في جنوب المغرب، على غرار كردستان في شمال العراق وشقيقتها التي تسعى واشنطن إلى إقامتها في شمال شرقي سوريا، بما أن هذه هي التجارب “الناجحة”، التي قد تدعي الإدارة الأمريكية أنها أشرفت على إقامتها في المنطقة العربية بهدف الحفاظ على استمرار مصالحها داخلها)).
قد تكون هذه القراءة فيها جانب من الصواب، إذا أخذنا بعين الاعتبار الموقف الجزائري الذي بدأ يسجل مؤخرا من خطة الحكم الذاتي، حيث علقت وزارة الخارجية الجزائرية على موقف بريطانيا الأخير من قضية الصحراء مع ما حمله من تأسف من كون “مبادرة الحكم الذاتي لم يتم عرضها على الصحراويين كأساس للتفاوض”، مع العلم أن هذا المقترح يطرحه المغرب على طاولة التفاوض، ونصه موجود على الأنترنيت ومتوفر لدى وسائل الإعلام، فإن الإشارة الجزائرية هنا قد تحمل قراءة أخرى تُلمح إلى بداية تقبلها مناقشة المقترح المغربي أساسا للتفاوض، وإضافة لذلك، فقد أبدت عدة قيادات من جبهة البوليساريو، من بينهم أبي بشرايا البشير، ممثل الجبهة لدى الأمم المتحدة، الذي أكد لقناة “دوتشه فيله” الألمانية، أن “الجبهة ترى أن الحكم الذاتي من الممكن أن يكون خيارا ثالثا إلى جانب الانفصال أو الاندماج في المغرب في إطار استفتاء”.. فهل هي بداية جر المغرب لتقديم تنازلات ضمن إطار الحكم الذاتي؟ وما هي التنازلات التي من الممكن جر المغرب لتقديمها؟ أمامنا نماذج محدودة نجحت أمريكا في ترسيخ مبدأ الحكم الذاتي فيها، ويتعلق الأمر بكردستان العراق التي بدأت تعاني مؤخرا من مشاكل مع السلطة المركزية في بغداد جعلتها تنظم استفتاء يوم 25 شتنبر 2017، أعلنت من خلاله عن رغبة غالبية الكرد في الانفصال عن بغداد، غير أن التنفيذ ما زال متوقفا إلى اليوم، كما تسعى أمريكا إلى منح أكراد سوريا حكما ذاتيا، وبخصوص نموذج المغرب، فإننا نعلم أن أصل الصراع الذي نشب بين القصر والمعارضة خلال سنوات الرصاص، كان بفعل رغبة المعارضة في اقتسام السلطة مع القصر، وهو ما لم يحصل إلى اليوم، حيث منحت سلطات محدودة.. فهل ستقبل الدولة بتقديم تنازلات في إطار مخطط الحكم الذاتي يقضي بتقديم تنازلات ؟





Le Sahara marocain il ne sera jamais négociable point