تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | التوجه نحو الحكم الذاتي يفرض إحياء أدوار المستشارين الهمة والفاسي الفهري

ما بعد اعتراف الكبار بمغربية الصحراء

إعداد: سعيد الريحاني

    لا يمتلك عزيز أخنوش، رغم مكانته كرئيس للحكومة، ما يكفي من المؤهلات السياسية لمناقشة ملف الصحراء، باعتبارها قضية سيادية(..)، بل إن التقارير الصادرة مؤخرا عن المواقع، التي يفترض أنها مطلعة ومقربة، باتت تشكك في مؤهلاته، وقد كان لافتا للانتباه أن يصدر الموقع المعروف، المحسوب على كبار القوم(..) في بداية هذا الأسبوع، مقالا يشكك في قدرات أخنوش، ويعطيه 0 نقطة، تحت عنوان: “وكالات ومؤسسات عمومية مشلولة بسبب تقاعس رئيس الحكومة”، وقالت: ((هناك أعطاب يمكن إرجاعها إلى البيروقراطية، وأخرى إلى ضعف الكفاءة.. ثم هناك ما ينبع من اللامبالاة، أو حتى احتقار شبه معلن للمؤسسات.. هذا هو حال الشلل الغريب الذي يُعيق عمل عدد من الوكالات والمؤسسات العمومية المغربية.. فالمشكلة ليست تقنية، بل سياسية، واسمها: عزيز أخنوش، رئيس الحكومة يتعامل مع القانون وكأنه أمر اختياري إلى حد أنه لا يرى ضرورة في ترؤس مجالس الإدارة للهيئات التي تقع تحت مسؤوليته المباشرة… والأمر ليس مجرد تقصير عابر، بل هو سلوك ممنهج، والأمثلة كثيرة.. المراكز الجهوية للاستثمار (CRI)، التي يفترض أن تكون رافعة للاستثمار الإقليمي، لا تزال تنتظر عقد مجالس إدارتها، والمفارقة الغريبة، أن حكومة أخنوش نفسها هي من طالبت بشدة بوضع هذه المراكز تحت وصايتها، بعدما كانت تابعة لوزارة الداخلية.. لكن النتيجة: صفر اجتماع. رئيس الحكومة لا يكلّف نفسه حتى الرد على الدعوات)) (المصدر: موقع 360).

رئيس حكومة فاشل في نظر كبار القوم(..)، هل يعقل أن يكون له دور في قضية الصحراء؟ يبدو الأمر مستبعدا، ويبدو مستبعدا أكثر عندما نعرف أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية التي باتت تحظى بقبول المجتمع الدولي، والدول الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإنجلترا وإسبانيا.. تعد بمثابة فكرة عابرة للزمن وتتجاوز كل الحكومات والوزراء، ذلك أن هذا المقترح المغربي يعود تاريخه إلى سنة 2006، وقد كان اقتراحا ملكيا، قبل أن يتم الشروع في تحويله إلى اقتراح رسمي في المفاوضات (أهمها مفاوضات مانهاست بأمريكا) بجهود شارك فيها بشكل فعال فؤاد عالي الهمة، باعتباره وزيرا منتدبا في الداخلية وقتها (غاب فيما بعد، بعد دخوله معترك السياسة(، ليظل بعدها طيف الوزير السابق في الخارجية، الطيب الفاسي الفهري، حاضرا، إلى جانب مشاركين آخرين(..).  

تتمة المقال تحت الإعلان

حكاية تقديم مقترح الحكم الذاتي من الجانب المغربي، والذي قضى عمليا على المقترحات المريبة للمبعوثين الأمميين وآخرهم جيمس بيكر(..)، حكاية معروفة لدى وسائل الإعلام، فـ((في 30 يوليوز من سنة 2006، أعلن الملك محمد السادس في خطاب العرش، عن قرار المغرب تقديم مبادرة للحكم الذاتي للصحراء في إطار سيادة المملكة ووحدتها الترابية، باعتباره حلا لنزاع الصحراء.. وتوجيه كل جهود المغرب وطاقاته لمسيرة التنمية الشاملة، وللدفع ببناء الاتحاد المغاربي كخيار لا محيد عنه، بوصفه من صميم الحكمة، ومنطق التاريخ وحتمية المستقبل.. وفي 11 أبريل من سنة 2007، سلم السفير المندوب الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة، مصطفى الساهل، بنيويورك إلى الأمين العام الأممي بان كي مون، نص المبادرة المغربية، وفي 13 أبريل 2007، أكد الأمين العام في تقريره الذي حمل رقم “S/2007/202” أنه توصل بالمبادرة المغربية، وأوصى بأن يدعو مجلس الأمن المغرب وجبهة البوليساريو إلى الدخول في مفاوضات مباشرة ومن دون شروط مسبقة.. ولا تزال المبادرة المغربية تفرض نفسها بقوة أثناء مناقشة النزاع في المحافل الدولية، وخصوصا بمجلس الأمن الدولي، حيث دأبت الدول الأعضاء بالمجلس، وعلى رأسها الدول الدائمة العضوية، على التنويه بالجهود المغربية ووصفها بالجهود ذات “المصداقية والجدية”)) (المصدر: موقع “يا بلادي” / 2019.7.26).

تتمة المقال تحت الإعلان
صورة يظهر فيها الوفد المغربي المشارك في مفاوضات مانهاست وضمنه الهمة والفاسي الفهري

اليوم، لا تشيد الدول الأعضاء في مجلس الأمن بمبادرة الحكم الذاتي فقط، بل إنها تجاوزت ذلك، وآخرها بريطانيا، التي قدمت اعترافا صريحا بمغربية الأقاليم الجنوبية، فالاعتراف بالحكم الذاتي هو اعتراف بسيادة المغرب على صحرائه في نهاية المطاف..

خلال مفاوضات مانهاست، كان نجم المبادرة هو مقترح الحكم الذاتي.. وانظروا إلى دورة الزمان، ففؤاد عالي الهمة الذي شارك في بداية مفاوضات مانهاست وفي بلورة مقترح الحكم الذاتي سنة 2006، كان وزيرا منتدبا في الداخلية، وابتعد من أجل التفرغ لممارسة السياسة بعد حصوله على الرضى الملكي(..)، سيكون عليه اليوم العودة إلى نفس الملف من موقع آخر، وهو موقع المستشار الملكي، وكأن قدر هذا الأخير هو أن يلعب دورا كبيرا في الملفات المغربية.. وبالتأكيد سيكون إلى جانبه المستشار الملكي الآخر، وزير الخارجية الطيب الفاسي الفهري، الذي يعتبر مهندسا لوزارة الخارجية في نسختها الحالية، بل إن وجود ناصر بوريطة على رأس وزارة الخارجية يعد تكريسا لتوجهات الفاسي الفهري في هذه الوزارة السيادية، ويمكن القول إن الفاسي الفهري هو أستاذ ناصر بوريطة(..).

عمليا، يفرض الاعتراف بالحكم الذاتي من قبل دول العالم، ومؤشرات الشروع في تنزيله، دخول المستشارين الملكيين على الخط، لا سيما الفاسي الفهري، الملم بكافة تفاصيل الملف، ويكفي القول إنه كان واحدا من كبار المفاوضين، وشارك في كل جولات الحوار المعروفة في مانهاست، التي “نجحت” في فرض مقترح الحكم الذاتي كأمر واقع، وكرست عزلة خصوم المغرب في مقترحات بالية.. حتى أن البعض بات يعتبر أن “تقرير المصير” يعد بمثابة مبادرة كاملة، بينما الحكم الذاتي هو شكل من أشكال “تقرير المصير” المعترف بها دوليا.. هل يعقل أن يحمل ناصر بوريطة ملفات الحكم الذاتي إلى المنتظم الدولي دون العودة إلى معلمه، الطيب الفاسي الفهري ؟

ناصر بوريطة

إن أقوى تحدي يواجهه المغرب اليوم، بعد الاعتراف الحتمي بمبادرة الحكم الذاتي، هو تقديم مزيد من التوضيحات بشأن هذه المبادرة، وشكل تنزيلها على أرض الواقع(..)، وهو ما يحتم تحركات غير مسبوقة في المحيط الملكي، لتزكية الجهود الحكومية، التي تتغير مع تغير رياح السياسة، بينما يدخل ملف الصحراء في الملفات السيادية، المرتبطة بالتقاليد العريقة، ونظام الحكم، والرؤية الملكية.. وقد تأكد مع مرور الزمن أن مجال الرؤية الملكية كان أكبر من مجال رؤى فاعلين سياسيين، احترفوا المزايدات على حساب الوطن(..).

منذ مفاوضات مانهاست، التي تزعمها وفد مغربي يضم كلا من شكيب بنموسى (أصبح اليوم رئيسا للمندوبية السامية للتخطيط)، والطيب الفاسي الفهري، ورئيس المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية خليهن ولد الرشيد، ومدير مديرية الدراسات والمستندات (لادجيد) محمد ياسين المنصوري، هذا الأخير حافظ منذ توليه المنصب، على هدوء منقطع النظير، ولم يخلق أي عداوات في دوائر المسؤولية، باستثناء الأعداء المعروفين، ولكن أعداء المنصوري هم أعداء للوطن نفسه، وإذا ظهر السبب بطل العجب(..)، ويعد المنصوري واحدا من أهم مالكي أسرار ومفاتيح ملف الصحراء، لكن واجب التحفظ يفرض عدم الحديث، والعمل في صمت، رفقة النخبة الصامتة، رغم أن هؤلاء الرجال يرجع لهم الفضل في “اختراق” دوائر مغلقة ومظلمة، لمجالس اتخاذ القرارات على مستوى الدول الكبرى(..).

كان التأكيد على جدية مقترح الحكم الذاتي، وكانت كل المؤشرات على أن المغرب لن يعود للوراء، وسيتجاوز كافة الاحتمالات برفعه لسقف المفاوضات، حتى لو تطلب الأمر استعمال حق الدفاع عن النفس(..)، بل إن الجيش الملكي المغربي أصبحت معركته أكثر صرامة ووضوحا، بنفس الوضوح الذي أصبحت فيه المواقف المغربية، بدليل كلمات القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، الملك محمد السادس، نفسه، الذي كرر على مسامع المجتمع الدولي كلمات تؤكد عدم وجود أي إمكانية للتراجع، حيث: ((إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات ونجاعة الشراكات..))، و((المغرب لا يتفاوض على صحرائه، ومغربية الصحراء لم تكن يوما، ولن تكون أبدا مطروحة فوق طاولة المفاوضات، وإنما نتفاوض من أجل إيجاد حل سلمي لهذا النزاع الإقليمي المفتعل.. على هذا الأساس، نؤكد تمسك المغرب بالمسار السياسي الأممي، كما نجدد التزامنا بالخيار السلمي، وبوقف إطلاق النار، ومواصلة التنسيق والتعاون مع بعثة “المينورسو”، في نطاق اختصاصاتها المحددة)).. هكذا كان يتحدث الملك محمد السادس خلال السنين الأخيرة، بالتزامن مع اعتراف دول كبرى مثل أمريكا بمغربية الصحراء، وبعدها تبعها كثيرون..

الفاسي الفهري إلى جانب مدير «لادجيد» ياسين المنصوري

إن الحديث عن قبول المجتمع الدولي بمبادرة منح حكم ذاتي للأقاليم الجنوبية في إطار السيادة المغربية، يعني عمليا عودة المحتجزين في تندوف إلى وطنهم الأم(..)، فضلا عن تغييرات إدارية واقتصادية أخرى، فصلتها المبادرة المغربية قبل أن يتم تداولها على مستوى الإعلام الوطني والدولي، حيث ((تقوم المبادرة المغربية على مجموعة من المرتكزات والقواعد التي ترسم ملامح الحكم الذاتي الذي تقترحه المملكة المغربية، وسنحاول في هذا المقال تسليط الضوء على أهم تلك المرتكزات والقواعد.. تقترح المبادرة على المستوى الإداري أن يمارس سكان الجهة الإدارة المحلية والشرطة المحلية وكل ما يتعلق بمحاكم الجهة، أما على المستوى الاقتصادي، فتقترح أن يختص السكان بكل ما يحقق التنمية الاقتصادية والتخطيط الجهوي وتشجيع الاستثمارات في كل من المجال التجاري والصناعي والسياحي والفلاحي، وتدبير الشؤون المتعلقة بالبنية التحتية من ماء ومنشئات مائية وكهرباء وأشغال عمومية ونقل، وعلى المستوى الاجتماعي، فتقترح مبادرة الحكم الذاتي أن يتم منح سكان الصحراء المغربية اختصاصات متعلقة بالسكن والتربية والصحة والتشغيل والرياضة والضمان الاجتماعي والرعاية الاجتماعية والتنمية الثقافية، ولتحقيق هذه الأهداف، فقد نصت المبادرة على تمكين سكان الصحراء من موارد جد مهمة منها: الضرائب والرسوم والموارد المحصل عليها من استغلال الموارد الطبيعية للجهة، بالإضافة إلى الموارد المخصصة للجهة في إطار التضامن الوطني وعائدات ممتلكاتها، وللسهر على تدبير شؤون سكان الصحراء المغربية في إطار الحكم الذاتي، فقد اقترحت المبادرة أن يتم إحداث برلمان الحكم الذاتي للصحراء متكونا من أعضاء منتخبين من طرف مختلف القبائل الصحراوية وأعضاء منتخبين بالاقتراع العام المباشر من طرف مجموع سكان الجهة، أما السلطة التنفيذية فتمارس من طرف رئيس حكومة ينتخبه برلمان الحكم الذاتي للجهة وينصبه الملك، ويكون رئيس حكومة الحكم الذاتي هذا ممثلا للدولة المغربية في تلك الجهة ومسؤولا أمام برمان الجهة، كما تتولى المحكمة العليا الجهوية الخاصة بالحكم الذاتي للصحراء أن تنظر انتهائيا في تأويل قوانين الجهة دون أي إخلال باختصاصات المجلس الأعلى والمجلس الدستوري للمملكة المغربية)) (المصدر: معاذ الغريب/ موقع الجزيرة).

المؤكد أن التطورات الأخيرة ستفرض لا محالة دخول المستشارين الملكيين على الخط، خاصة الهمة والفاسي الفهري، لدعم الحكومة، فسواء تعلق الأمر بأخنوش أو بغيره، فالصحراء في مغربها والمغرب في صحرائه .. وهو ما يجعلها قضية أكبر من أي حكومة(..).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى