بين السطور | لا عيد كبير.. لا مال كثير


بعيدا عن زمن السلطان محمد بن عبد الله، الذي في اتسم بما سمي “الفتنة الكبرى”، إذ لم يكن منشغلا إلا بتحركات زوجته لالة فاطمة، التي هي نفسها ابنة السلطان مولاي سليمان، والتي في عيد من الأعياد، قررت إزعاج الوقت(…) تحضيرا لولدها الأمير مولاي علي ليضمن مستقبله في الحكم، وبينما زوجها محمد الثالث يحتفل بعيد الأضحى في مكناس، وفي عز هذه الفتنة الكبرى(…)، توجهت هي إلى مولاي إدريس زرهون وذبحت فيه ثلاثين كبشا، وتوجهت في اليوم الموالي إلى سيدي حرازم، وذبحت فيه عشرة أكباش، ثم توجهت في اليوم الموالي إلى سيدي موسى بصفرو، حيث ذبحت عشرة أكباش، وفي كل مرة التف حولها السكان وانضموا في حفلات دامت أياما وليالٍ من المشويات(…).
بعيدا إذن، عن زمن الخير والخمير.. زمن لم يعد يجمعنا به إلا الخير والإحسان، لا ماديا ولا معنويا، ربما فقط لقلة قليلة ممن ابتعدوا جغرافيا قبل أن يعودوا(…)، ففي زمننا هذا، حركت السخرية أصابع المدونين مع اقتراب العيد، ومع اقتراب ثمن “الدوارة” من حاجز 800 درهم، وقرأنا:
– “ادفع تأمين 99 درهما شهريا واحمِ الكرشة من تقلبات السوق”.
– “إعلان: دوارة مستعملة للبيع بحالة ممتازة، شُويت مرة واحدة فقط، مع علبة عطرية كهدية”.
– “الدوارة تدخل بورصة الدار البيضاء ضمن مؤشر لحوم الأحشاء الفاخرة”..
يبدو أنه لا قرار رسمي يشغل البال، ولا شعيرة تهم، ولا بأس إن فات الدعاء، والشعب عازم على الذبح ولو قبل العيد، فما يهم المغاربة هو إشعال الفحم وتقليب الكبدة(…)، رغم إعلان الملك إلغاء الشعيرة هذا العام رأفة بجيوبهم.
المواطنة سلوك، والمواطنة المقرونة بالتعلم والوعي هي أساس تقدم المجتمعات، لكن ما حدث خلال الأيام القليلة الماضية، يؤكد أن شيئا ما ليس على ما يرام(…)، وبينما كان من المفترض ترك القطيع الوطني على حاله، يتخبط وسط مشاكله التي تهدده بالانقراض(…)، تم إطلاق العنان لممارسات غير مسبوقة تحت يافطة “التهافت المفضي للموت”، وبدل اغتنام فرصة إلغاء شعيرة الذبح، لترك الفرصة أمام القطيع الوطني لترتيب أوراقه من جديد(…)، تسابق “الجزارون بجميع أنواعهم” على ذبح أجود أنواع الخرفان، بينما تسابق مواطنون آخرون على تخزين كميات مهولة من اللحم والدوارة، في ثلاجاتهم..
المغاربة يسمونها “اللهطة”، ولكن الأمر تجاوز الوصف عندما أصبح القطيع يتعرض لحرب إبادة(…)، والغريب في الأمر أن المتهافتين على النيل من القطيع، كانوا يشتكون إلى حدود السنة الماضية من ضعف القدرة الشرائية، وغيرها من المبررات التي تكاد تفسد فرحة العيد.. فماذا حصل؟ وما ذنب القطيع أمام هذا السلوك الانتقامي.. ؟
العيد سيمر بأي حال من الأحوال، لكن التكالب على القطيع لا يمكن المرور عليه مرور الكرام، سواء تعلق الأمر بأولئك الذين يريدون القضاء على القطيع الوطني، بسلالات هجينة ومنفوخة قادمة من الخارج، أو من طرف أولئك الذين لا يرون في الكبش سوى كائنا يستحق الذبح، والرفس تحت الأقدام، حتى لو تطلب الأمر الركوب على قرارات حكومية، بعيدة عن الواقع(…).
كل عيد ووطننا بخير ..



