الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | فرنسا وإسبانيا.. وإطلاق عناصر الشر ضد السلطان

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 125"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    كان ليوطي في الوضع المثالي الذي خطط له على مدى سنوات طوال وهو في الجزائر، وكان يرى السلطان المولى عبد الحفيظ أشبه ما يكون بالثور الجريح في حلبة المصارعة، وقد أخذ الدم ينزف منه بغزارة، ولم يبق على الجنرال ليوطي إلا أن يختار الفرصة المناسبة لتوجيه الطعنة النهائية ليسقط الثور وترتفع هتافات الأجناس المتفرجة.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولكن الجنرال ليوطي والجهاز الاستعماري، كان يرى أن ما وجه إلى الثور من طعنات، لم ينهك قواه بشكل يجعل توجيه الضربة القاضية مشرفا للطاعن ولا مصيريا بالنسبة للمطعون..

إن عناصر الرفض المغربي والمقاومة المستمرة.. تشكل خطر التجديد الدائم للدم السيال، فلا بد إذن، من المزيد من الطعنات، وتوسيع الجروح وتقليب الأسنة في عمق المواجع.

وربما أوحت فكرة الثور وحلبة المصارعة إلى الجنرال ليوطي وأقطاب الاستعمار الفرنسي بالتفكير في إسبانيا، بلد مصارعة الثيران، ودورها الممكن في الإتيان بخبرتها في إنهاك الثور الجبار.

وتحركت البعثات والاتصالات بين باريس ومدريد، وهبت إسبانيا لتصعيد الموقف في شمال المغرب الذي هو من نصيبها، وتم إفهام الجنرال مارينا الإسباني، أن عليه أن لا يغرق في بحر الدم الفاصل بينه وبين احتلال المغرب، وهو الذي جعل كل همه الانتصار على قوات المجاهد أمزيان، وأوحي إليه أن يأخذ من النموذج الفرنسي في المغرب مثالا إيجابيا.

إن الفرنسيين يؤاخذون على الإسبان أنهم مسوقون في طريق المغامرة العسكرية متجاهلين الدور الحاسم للحرب السياسية.

فصدر من البلاط الإسباني قرار بالبدء في بناء عدة مدن وتوسيع المدن الموجودة، بينما صدر في الجريدة الرسمية الإسبانية قرار ملكي إسباني، يقضي بإدخال تطوان وسبتة ومليلية وسلوان تحت النفوذ المباشر لملك إسبانيا.

وصدرت الأوامر إلى رهبان الكنائس الفرنسية في التراب المغربي، بتقديم خبراتهم في مجال الدعوة المسيحية إلى المستعمرين الإسبان.

وهكذا دخل رئيس الكنيسة المسيحية بفاس يوم 4 مايو 1910 إلى مدينة القصر الكبير في حفل كنائسي مهيب، لتدشين الكنيسة الإسبانية في هذه المدينة، وهو قرار كان له في ذلك الوقت من الأهمية ما قد يستصغره القارئ اليوم..

إن بناء كنيسة في القصر الكبير سنة 1910 إنما كان يدخل في إطار الوصية الأزلية للراهبة إيزابيلا الكاثوليكية، باحتلال المغرب انتقاما للاحتلال العربي للأندلس.

وإذا كان السلطان الحسن الأول قد شن حربا ضد المغاربة الذين يحتمون بالجنسيات الأجنبية، وانتصر فيها – كما ورد تفصيله في ما سبق من حلقات – فإن إسبانيا سنة 1910 أعلنت رسميا فتح بوابة الجنسية الإسبانية على مصراعيها في وجه المغاربة الراغبين في الاحتماء بالملك الإسباني والاستظلال براية إسبانيا.

وهكذا نرى أن فلسفة الجنرال ليوطي في استعمال المناورات العسكرية إلى جانب المناورات السياسية، لقيت صدى وتجاوبا لدى الإسبانيين الذين أسهموا بنصيب وافر في تضييق الخناق على السلطان عبد الحفيظ.

مولاي حفيظ يفكر في شراء استقلال المغرب

    مهما قيل عن السلطان مولاي حفيظ، ومهما كتب عنه وهو الآن في جوار ربه، فإن ما سبق عرضه وسرده، وهذه السيول الجارفة من المشاكل والمتاعب، وإن كانت فوق ما يحمل البشر، في ظروف عالمية، توسعنا عبر هذه الحلقات من “الحقيقة الضائعة” في سردها، فإن الحق يظهر جليا، بينما تطرد هذه الحقائق الباطل طردا.. ولا شك إطلاقا في أن ما لفق حول المولى عبد الحفيظ من تهم ودعايات وأخبار ومبالغات.. تعتبر في تناقض كبير مع ما أوردنا من حقائق.. فقد كان الفرنسيون ملزمين بالاحتفاظ في وثائقهم بهذه المتاعب التي عانوها مع المولى عبد الحفيظ، بينما لم يشيعوها في الأوساط المغربية، التي لم تكن لها وسائل اتصال ولا إذاعة ولا صحف، فكان رجال الطابور الخامس العاملون لحساب المخابرات الفرنسية، يتفننون في إطلاق الشائعات عن هذا السلطان الذي جاهد ضد الوجود الفرنسي بالسلاح عدة سنوات، وجاهد بالسياسة ورفض الاحتلال عدة سنوات أخرى..

وبحكم انعدام الهيئات والوزراء المقتدرين.. فقد كان المولى عبد الحفيظ يواجه وحده هذه السيول من المناورات والمؤامرات، ولا يجد من ينشر له رأيه، ولا وسيلة للتوجه بالخطاب نحو شعبه.. فكذلك كانت ظروف المغرب في ذلك الوقت.

وعندما بلغت المناورات الأجنبية لفرض الحماية على المغرب أوجها، وتوحدت نظرة فرنسا وإسبانيا وألمانيا نحو المغرب، واتفقوا على تقديم لوائح ديونهم عليه، وتعدت تلك اللائحة المائة مليون فرنك، أي ما كان يعادل ميزانية المغرب عدة سنوات.. كان بإمكان المولى عبد الحفيظ أن يستسلم للأمر الواقع ويخضع لهؤلاء الجبابرة الذين كانوا عازمين بإصرار على احتلال المغرب.. وهل له من اختيار، وهو الذي جاء به القدر على عرش المغرب ليدفع ثمن أخطاء أخيه الأول، وليس له من نصير، إلا أن هذا السلطان الملحاح العنيد استدعى جلاديه ليقول لهم: ((تعهدوا بالانسحاب من المغرب وأنا أتعهد بدفع كل ديونكم))، وبذلك كان يفكر في شراء الاستقلال، وربما كان مخطئا، لأن المناورات التي حاكتها القوات الأوروبية لم تكن فعلا من أجل ديونهم على المغرب.

يقول صاحب كتاب “المسألة المغربية”: ((لقد استغلت فرنسا الضيق المالي الذي يعانيه المخزن، والذي يجعله في عجز تام عن الوفاء بهذه الالتزامات الضخمة في إجباره على بعض التساهل ودفعه إلى الارتباط بقرض جديد بضمانات جديدة تشدد قبضتها على رقبته..)).

إن المناورات هنا تبدو أكثر لؤما: “ادفع ديونك بالحصول على قروض أخرى”، وبمعنى آخر: “أحكم إغلاق الحلقة حول نفسك”.

ويأتي صاحب كتاب “المسألة المغربية” برد المولى عبد الحفيظ ويقول: ((وقد أبدى السلطان استعداده لدفع نفقات الاحتلال، وأعرب عن رغبته في فرض ضريبة خاصة على قبائل الشاوية ليستطيع دفع هذا المبلغ، كما وافق على أن تدفع القبائل تعويضا عن حوادث القتل والتخريب التي حدثت سنة 1907)).

ويضيف صاحب كتاب “المسألة المغربية”: ((وفيما يتعلق بالمناطق المغربية المحتلة، أبدى السلطان رغبته الملحة في جلاء الفرنسيين دون إمهال، وكانت فرنسا في أوساط نافذة في البرلمان والحكومة لا ترغب في الجلاء، وكانت هذه الأوساط تخفي رغباتها هذه تحت ستار وجوب الحصول على ضمانات تامة للمحافظة على الأمن في المناطق التي سـ”يتم” إخلاؤها قبل الجلاء)).

ويستشهد صاحب كتاب “المسألة المغربية” في سرد هذه الحقائق، وتشخيص هذا الصراع بين المحتل وسلطان المغرب، فيورد فقرات من فصول من مذكرات السفير الفرنسي رينيو المنشورة في الوثائق الفرنسية(…)، وفيها يورد السفير رينيو حقيقة ارتساماته حول صمود المولى عبد الحفيظ وارتباطه بأفكاره الأصلية.. أفكار الجهاد والحرص على طرد الفرنسيين فيقول: ((عبثا حاول رينيو إقناع السلطان بضرورة البقاء الفرنسي في برشيد ومديونة، وكانت المسألة في نظر عبد الحفيظ تتعلق بالرأي العام المغربي وسمعة السلطان، الذي بويع على أساس إجلاء القوات المحتلة.

وفيما يتعلق بمنطقة الحدود – تقول المذكرات الفرنسية – كانت المسألة أكثر تعقيدا، وقد بدا الفرنسيون أكثر تشددا، نظرا لأهمية هذه المنطقة بالنسبة للجزائر، وبسبب تصلب العسكريين وحكومة الجزائر، الذين كانوا يطمحون منذ زمن طويل إلى وضع يدهم على هذه المنطقة)).

وكأني بالفرنسيين يجمعون سياسييهم وضباطهم وخبراتهم ومستشاريهم.. ليراجعوا حساباتهم، ويتفقوا فيما بينهم على خطة أكثر حدة لتصفية حساب هذا السلطان وإرغامه على الخضوع، بتصعيد الموقف على كل الجبهات، أما الوسائل، فلم يكونوا يعدمونها، وهذا الجيش الفرنسي متواجد في شكل احتلال لكل أنحاء المغرب، وهذا الجيش الإسباني متواجد في المناطق الشمالية.. فلماذا الحوار مع هذا السلطان العنيد ؟

وقرر الفرنسيون سياسة تصعيد الموقف، وإطلاق عناصر الشر والفساد من عقالها.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى