ملف الأسبوع | الأمن الوطني.. من إدريس المحمدي إلى الحموشي
على هامش الذكرى 69 للتأسيس
يحتفي المغرب هذه الأيام بالذكرى 69 لتأسيس جهاز الأمن الوطني، الذي أصبح له صدى دوليا كأحد الأجهزة الأمنية القوية، باعتراف عدة دول، من تم لم يكن غريبا تتويج المدير العام لمديرية الأمن الوطني ومديرية مراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف الحموشي، بعدة أوسمة، آخرها وسام الأمير نايف من الدرجة الأولى(…)، وبالموازاة مع ذلك، تشهد الساحة الإقليمية تقلبات تطيح بأنظمة الحكم، وتشهد انهيار أجهزة الأمن على اعتبارها أداة الردع لدى النظام الساقط، كما هو الحال في سوريا حاليا، ما يؤدي إلى وجود انفلات أمني قد يطول وقد يقصر، حسب حالة كل بلاد.. فقد شاهدنا ليبيا حاليا يقودها جيش واحد لعبد الحميد الدبيبة والآخر لخليفة حفتر، أما في سوريا، فما زالت الانفلاتات الأمنية قائمة.. وهذا الوضع عاشه المغرب غداة استقلاله، حيث أنه يوم تأسيس جهاز الأمن الوطني وجد نفسه في مواجهة فراغ أمني رهيب، اضطره إلى الاستعانة بجيش التحرير من أجل ضبط الأمن في المنطقة الشمالية، ويعود هذا الملف إلى تفاصيل تلك المرحلة التي ما زالت تطرح عدة أسئلة حول بعض التجاوزات.
أعد الملف: سعد الحمري
سياق تأسيس جهاز الأمن الوطني المغربي
رغم توقيع المغرب على وثيقة الاستقلال يوم 2 مارس 1956 مع فرنسا ومع إسبانيا يوم 7 أبريل من نفس السنة، إلا أن تأسيس القوات المسلحة الملكية والأمن الوطني تأخر مدة شهرين ونصف بعد توقيع العقد مع فرنسا، وشهرا وأسبوعا مع إسبانيا، ومن الطبيعي أن يحدث هذا التأخير وأن يأخذ الأمر حيزا من الوقت من أجل الاتفاق بين مختلف المكونات السياسية، ويتعلق الأمر بحزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال، أقوى حزبين في البلاد، وحركة المقاومة المسلحة وجيش التحرير، واللتين كان الحزبان يسعيان إلى السيطرة عليهما.. وبين هذه المكونات كان هناك القصر يقف في الوسط، يسعى بكل ما أتيحت له الوسائل إلى أن يجعل جهازي الأمن والجيش تابعين له شخصيا، خصوصا بعد أحداث 2 ماي 1956 بمراكش، والتي أدت إلى سقوط الحسن اليوسي أول وزير داخلية في تاريخ المغرب بعد الاستقلال، المحسوب على حزب الشورى والاستقلال، وتعويضه بإدريس المحمدي، عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال.
هلل حزب الاستقلال لتعيين إدريس المحمدي في هذا المنصب، ورأى في ذلك انتصارا لطموحاته.. فقد أشادت جريدة “العلم” به معتبرة إياه جديرا بالمنصب، نظرا لكفاءته وجرأته، وحددت له مهمتان أساسيتان: أولهما الأمن، وثانيهما مسؤولية الحكم، مشيرة في الوقت ذاته إلى تذمر الشعب من سلوكيات وعدم كفاءة عمال الأقاليم والباشوات والقياد، كما تمنت أن يتولى تلك المناصب من هم من “ذوي الكفاءة والنزاهة”.
وفي ذات السياق، كشفت رسالة للمفوض العام للجمهورية الفرنسية بالمغرب، عن نتائج إقالة وزير الداخلية المقرب من القصر، وتعويضه بالاستقلالي إدريس المحمدي، وجاء ضمن نفس الوثيقة أن حزب الاستقلال تمكن من وضع يده على كل الشؤون الوزارية، وترك للقصر مجالا صغيرا للمناورة أمام طموحات هذا الأخير، كما لاحظ صاحب الرسالة أن تعيين إدريس المحمدي على رأس وزارة الداخلية من شأنه أن يمنع القصر من مراقبة القبائل، وختم المفوض العام للجمهورية الفرنسية بالمغرب هذه الرسالة بالاستنتاج أنه ((في الأسابيع أو على الأكثر في الأيام القليلة القادمة، سيلاحظ ما مدى استعداد القصر وقدرته على كبح حركة حزب الاستقلال السريعة من أجل السيطرة على المغرب، أو الاستسلام والخضوع لطموحه، أو انتظار عمل ابنه الأمير مولاي الحسن، الذي بدأ يقتفي أثر حزب الاستقلال، وهو الذي يسعى بسرعة من أجل فرض سلطته الخاصة على مجموع البلاد)).
لا تشير المصادر خلال هذه المرحلة إلى أن القصر دعم طرفا على الآخر، لكنه قام بإجراء يجعله الأقوى والماسك بزمام الأمور، وهو تسريع وتيرة تأسيس القوات المسلحة الملكية والأمن الوطني، اللذين أعلن عن تأسيسهما على التوالي، حيث تأسست إدارة الأمن الوطني يوم 14 ماي 1956 التي كان على رأسها محمد الغزاوي، فيما ترأس الملك محمد الخامس استعراض القوات المسلحة الملكية يوم 16 ماي، وهكذا أصبحت للقصر قوة رادعة تجعله المكون الأقوى داخل القوى السياسية التي أثثت المشهد السياسي للبلاد غداة الاستقلال.

أسباب استعانة جهاز الأمن الوطني بجيش التحرير لضبط الأمن في الشمال
كان جهاز الأمن في المغرب حديث التأسيس لا يراقب البلاد كلها، وكانت المنطقة الشمالية التي خرجت منها إسبانيا، دون عناصر الأمن، ما جعل الفوضى تعمها وتظهر فرق مسلحة تدعي أنها من جيش التحرير، تقوم بترهيب السكان. ولقد جعلت هذه الفوضى جيش التحرير في مرمى الانتقادات، حيث أصبحت التهم توجه له مباشرة، الأمر الذي جعله يخرج عن صمته، حيث أصدر نداء يوم 17 ماي 1956، أشار في بدايته إلى أن مظاهر اختلال الأمن أخذت تتكاثر خلال شهري أبريل وماي، وأكد أن ((قادة حركة المقاومة وجيش التحرير المغربي يتتبعون تطور الحالة بكثير من الاهتمام، ويرون أن أكبر خطر يهدد استقلالنا ويعرقل سيرنا نحو استكمال سيادتنا هو إظهار العجز عن ضبط شؤون بلادنا))، كما اتهم الاستعمار وأذنابه بـ((العمل على نشر الفتنة باسم جيش التحرير وتحت شعار المقاومة المغربية))، وأضاف البيان ذاته: ((وهذا هو السر في ظهور عصابات مسلحة تعيث في الأرض فسادا وتنهب أموال الناس بالباطل مستعملة وسائل التهديد بالسلاح والقتل)).
كما جاء ضمن نفس البيان، أن جيش التحرير يعمل على مطاردة هذه العصابات ويلقي القبض عليها ويسلمها للسلطات، وختم بالتأكيد على التالي: ((نعم كانت حركة المقاومة وجيش التحرير تعتمدان في نفقتهما على ما يقدمه لهما الإخوان العاملون من اكتتابات ومساهمات مالية، ورفعا للالتباس وإقفال باب اللصوصية، قررنا العدول عن جميع الاكتتابات ومنع حمل السلاح على كل عضو من أعضاء المقاومة))، وأضاف: ((إنه من الواجب توجيه هذا النداء للشعب المغربي ليكون على حذر من كل من يطلب المال باسم جيش التحرير أو أي منظمة.. كانت هذه التطورات، وهذا البيان بالتزامن مع تأسيس المديرية العامة للأمن الوطني، والقوات المسلحة الملكية، وقد كان من الصعب عليهما تحمل مسؤولية استتباب الأمن في مجموع التراب الوطني، نظرا لنقص الموارد البشرية، وعلى هذا الأساس نسقت حركة المقاومة وجيش التحرير مع الحكومة من أجل القيام بمهام استتباب الأمن العام في المنطقة الشمالية)).
وإلى جانب ذلك، كانت تطوان والمناطق المحيطة بها، تعرف حالة من الفوضى، وعلى هذا الأساس طلبت السلطات من جيش التحرير الدخول إلى المدينة من أجل الإشراف على الأمن العام هناك، وعند دخوله اتخذ جنان بريشة مركزا عاما له، وأصدرت القيادة العليا لحركة المقاومة وجيش التحرير يوم 27 ماي 1956، نداء تطالب من خلاله المغاربة المسلحين، وسكان تطوان خاصة، بتسليم ما بأيديهم من أسلحة في ظرف أسبوع ابتداء من تاريخ نشره، وقد جاء ضمنه ما يلي: ((لقد بدأت مظاهر اختلال الأمن تتكاثر في الأيام الأخيرة، وعم الرعب والاضطراب بين جميع السكان، وظهرت إلى الوجود فرق مسلحة من اللصوص وقطاع الطرق تنهب المال وتبعث الرعب في الأهالي باسم جيش التحرير وحركة المقاومة، مستعملة القوة والسلاح والقتل، ونحن نحارب هذه العصابات ونلقي القبض عليها أينما وجدت)).. وعليه، طلبت القيادة العليا من سكان تطوان والنواحي، تسليم جميع الأسلحة المرخصة وغير المرخصة إلى المركز العام بجنان بريشة في ظرف أسبوع.

هكذا نفذ جيش التحرير أول مهمة إحباط مؤامرة باسم الأمن الوطني
واكبت جريدة “الأمة”، التي أصبحت لسان حال حزب الاستقلال في المنطقة الشمالية، بعد انصهار حزب الإصلاح الوطني فيه، نشاط جيش التحرير في تطوان والنواحي.. فبعد ثلاثة أيام من توكيله المهمة، أشادت الجريدة بأعماله، حيث أكدت أنه يعمل على تطهير تطوان من الأسلحة و”الخونة الذين يهددون أمن الدولة”، وثمنت الجريدة عمله، وبعد يوم واحد من هذا المقال، أدلى عبد الخالق الطريس، عضو اللجنة التنفيذية للحزب بتصريح لمبعوث الإذاعة الإسبانية، أثنى في بدايته على العمل الذي يقوم به جيش التحرير من أجل استتباب الأمن، وصرح بالتالي: ((لقد زرت جهات لا يوجد فيها من وسائل السلطة سوى جيش التحرير، فوجدته يقوم حقا بدور هام يجعله معتبرا من جميع المواطنين أداة الدولة في إقرار دعائم الطمأنينة ووضع حد لكل أنواع الفوضى والخروج على التعاليم التي يدعو إليها جلالة الملك، الذي نطيعه ويطيعونه حبا فيه وثقة به وبحكومته الموقرة)). وفند الطريس ما ادعته بعض الجرائد الأجنبية عن أعمال جيش التحرير، كما دافع عن استعمال جيش التحرير العنف من أجل فرض النظام، حيث قال في هذا الصدد ما يلي: ((أنسب ذلك إلى التنطع الذي ظهرت به بعض بقايا الاستعمار بعدما نال المغرب حقه.. فقد طرقت تلك الفلول بعض قوات الشر في البلاد، فقامت ببعض الأدوار المسرحية المسيئة إلى سمعة البلاد وعدم استحقاقها للحرية والاستقلال، وإذا كانت قوات التحرير قد قامت بأعمال قليلة في هذا الميدان، فقد فعلت ذلك دفاعا عن نفسها ومقابل أعمال عدوانية ارتكبت ضدها، فالقضاء التام على كل أنواع الاختطاف يستلزم الابتعاد عن التحرش به ونصب الأفخاخ لرجاله، أما قوات الشر فعين الأمة تراقبها وسوف لا تجد في البلاد قريبا أي متسع للقيام بمناوراتها التي لا ينبغي من ورائها سوى خدمة الاستعمار، وعسى أن يتوصل من جديد إلى خدمة أغراضها الخاصة)).
إذا كانت جريدة “الأمة” قد أشادت بعمل جيش التحرير، وهو ما يعتبر إشارة ضمنية إلى أن حزب الاستقلال صار يعتبر نفسه مشرفا عليه، فإن جريدة “المغرب الحر” التي كانت تصدر في المنطقة الشمالية، وصارت بمثابة لسان حال حزب الشورى والاستقلال بالمنطقة، نشرت تقريرا مطولا انتقدت من خلاله أعمال جيش التحرير، وتساءلت “هل أصبح جيش التحرير يحمل اسم جيش التخريب؟”، ذلك أنه، حسب نفس التقرير، أصبح يبتز أهالي الشمال ويقوم بأعمال استفزازية، ويعتدي على النساء، الأمر الذي جعل بعض القبائل تطلق البراحين في الأسواق ليطالبوا برحيله عن المراكز التي يرابط بها، كما اتهمته بأنه يدعي أنه تابع لحزب الشورى والاستقلال من أجل تشويه سمعة هذا الأخير.
لم تمر على تصريح عبد الخالق الطريس إلا ثلاثة أيام، حتى بدأت حملة اعتقالات في حق الهيئة الريفية التي قيل أنها كانت تنوي القيام بثورة مسلحة في الشمال، واعتبرت الحملة من طرف السلطة أنها حملة في حق منظمة إجرامية كانت تعمل على زعزعة الاستقرار، وتجدر الإشارة إلى أنه لم يتم الإشارة إليها من طرف الحكومة أو جرائد حزب الاستقلال ولو بإشارة بسيطة، وعلى عكس ذلك، فقد ندد حزب الشورى والاستقلال باعتقال إبراهيم الوزاني وعبد السلام الطود، أحد زعماء هذه الهيئة كما ورد في كتاب “الهيئة الريفية”.
كانت أسباب الاعتقالات غير معلنة، وعلى هذا الأساس استغل الأمر من طرف حزب الشورى والاستقلال وأنصاره، وانطلقت دعاية في المنطقة الشمالية تقول بأن هذه الحملة من الاعتقالات لم تنفذها الحكومة، بل نفذها حزب الاستقلال الذي أصبح مسيطرا على جيش التحرير، وأن السبب يعود إلى رغبته في التخلص من حزب الشورى والاستقلال والاستفراد بالسلطة.
وبما أن جيش التحرير هو من كان ينفذ عمليات الاعتقال، على اعتباره كان مسؤولا عن الأمن في المنطقة الشمالية، فقد تم ربط هذا الجيش بحزب الاستقلال، واعتبر أنه أصبح تابعا لعلال الفاسي والمهدي بنبركة، ويأتمر بأمرهما.. لقد تحول الأمر إلى حملة ضد حزب الاستقلال.



