الحقيقة الضائعة | لعبة الاستعمار الفرنسي للحجز على ممتلكات المغرب
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 124"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

بمجرد موافقة المولى عبد الحفيظ على نصوص “اتفاقية رابع مارس”، سارع الوزير الفرنسي للخارجية إلى إخبار الدول المعنية ومطالبتها بتقديم الدعم للمغرب “في سبيل استرجاع سيادته”، وزيادة في المكر والمناورة.. سارع الوزير الفرنسي إلى إعطاء بعض البيانات: ((لقد وضعت فرنسا لائحة مفصلة بديونها على المغرب.. هذه الديون التي تبلغ في أصلها سبعين مليون فرنك، نتيجة خسائرها في حربها بالدار البيضاء، وديون كل الأبناك الفرنسية وشركات أشغال ميناء طنجة والدار البيضاء وميناء أسفي، وتسبيقات أعطيت لبناء ميناء العرائش، وفواتير متعددة ممضاة من طرف الحكومة، وكذلك رهن بعض الحلي والجواهر في ملك العائلة المالكة، بالإضافة إلى الفوائد الناتجة عن القروض، وكذا ضمانة للضمانة الناتجة في حالة تأخر أداء القروض وفوائدها)).
كان هذا هو القدر المعادل لقيمة رهن استغلال المغرب، وذلك بصورة أكثر وضوحا.
وبين المولى عبد الحفيظ وبين تنفيذ هذه الالتزامات برازخ ومسافات تضاهي في تباعدها الفرق بين السماء والأرض، وأين هي السماء.. وأين هي الأرض ؟
وفهم الفرنسيون أن المولى عبد الحفيظ لن يكون قادرا على احترام التزاماته المالية تجاه الحكومة الفرنسية، فاتجهوا بكل مكرهم إلى الدول الأخرى التي لها ديون على المغرب، كي تتخذ من الأسلوب الفرنسي قدوة وتكون مع فرنسا شبه نقابة لمطالبة المغرب بدفع ديونه لها، انطلاقا من أن هذا البلد الذي كان عظيما مهيبا في أيام الحسن الأول، أصبح اليوم عاجزا عن دفع ديونه.
وبهذا الاتصال مع الدول الأخرى، استطاع الفرنسيون أن يثيروا حساسية الحيطة تجاه المغرب من طرف الدول التي قد تكون لا تزال تربطها به علاقة ود وحسن الجوار.
ولا بد، قبل الدخول في بيانات المؤامرة الفرنسية المخططة في قضية الديون التي لها على المغرب، من أن أذكر ما ورد في الفصل السابق.. حينما بعث المولى عبد الحفيظ كوكبة عسكرية إلى طنجة، لسحب ثلاثمائة ألف فرنك فرنسي من أحد الأبناك، جاءت باسم السلطان من جهة مجهولة، بالإضافة إلى نصف مليون بسيطة، وهو قدر عرف الفرنسيون وزنه، كما عرفوا من خلاله حدود الغلاف المالي الذي يعتمد عليه السلطان في حل مشاكله المالية، أي حوالي مليون فرنك فرنسي في المجموع، لذلك كان لا بد للمكر الاستعماري من أن يجعل السلطان، وفي جيبه مليون فرنك، يقف أمام القوات العالمية الكبرى: فرنسا، ألمانيا وإسبانيا، وهي تطالب بالتضامن بأداء مجموع ديونها عليه، وهو مائة مليون و124 ألف فرنك مجزأة كما يلي:
– ديون فرنسا: 70.786.500 فرنك؛
– ديون ألمانيا : 20.225.000 فرنك؛
– ديون إسبانيا: 10.112.500 فرنك؛
ليكون المجموع هو 101.114.000 فرنك.
وقد أنشأت الدول الدائنة “كونسورسيوم” في أوروبا، لنشر لوائح ديونها على المغرب ومطالبة المحاكم المتخصصة بوضع حجز على ممتلكات المغرب ومداخيله من الجمارك..
بل إن الدول الدائنة ذهبت إلى أبعد من ذلك، حيث حولت ديونها على المغرب إلى أسهم تباع في الأسواق الفرنسية – الألمانية والإسبانية، بحيث أصبح بإمكان كل تاجر من هذه الدول أن يشتري نصيبه في سيادة المغرب، ويراهن عليها بعد أن يرهن أسهمه التي اشتراها بماله..
كان هذا هو الحصار الذي ضربه الاستعمار على المولى عبد الحفيظ، بعد أن خامرته فكرة الصمود أمام المناورات، وبصيغة أخرى، كان هذا حد السيف الذي رفعته القوات الاستعمارية فوق رأس المغرب، وكان بيدها القرار، قرار إنزال الضربة القاضية.
وكان طبيعيا أن لا تتوقف المناورات عند هذا الحد.. ففي الظروف التي كان فيها الخبراء الفرنسيون ينكبون على دراسة ظروف خلق المغرب وتشويه سمعته، ورهن سيادته وبيع أسهم الرهان في الأسواق العالمية.. كانت فيالق الجنرال ليوطي، السياسية والعسكرية، تولي تغلغلها واستغلالها للظروف المتأزمة، وكانت هذه الفيالق لا تتوقف عن تأسيس مراكز ومستوطنات، على طريقة المستوطنات التي تقيمها إسرائيل الآن في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأصبح الفرنسيون يفتخرون بإقامة المستوطنات على بعد مسافات قليلة من المعسكرات الفرنسية، فنراهم – مثلا – يعلنون عن مركز بوذنيب كمركز نموذجي للتعايش الذي يحلمون به.
الجهاد مستمر.. معركة فاتح مارس 1910
كان هذا جانبا من العمل السياسي للجنرال ليوطي، الذي كان يشكل رأس الرمح المتحرك، أما على الجانب العسكري، فقد كان المجاهدون المغاربة لا يتوقفون عن توجيه الضربات القاضية، في تحد شريف نبيل لهذا الاحتلال الغاشم.
لقد توجهت المقاومة المغربية من الجنوب الشرقي إلى الشمال الشرقي.
إن التواتيين والكوراريين، سكان الصحراء الشرقية، بعد أن طردوا من ديارهم وهربوا إلى وسط وطنهم مقاتلين ومحاربين – كما سبق التطرق له في الحلقات السابقة – قرروا التوجه إلى الشمال الشرقي لقطع الطريق على جيوش الغزو التي أصبحت الحدود الجزائرية بوابتها الكبرى.
وتحصن المقاومون على طول طريق الاستعمار من أنوال شمالا إلى بشار شرقا.
وكان الجنرال أليكس، الذي سبق الحديث عن معاركه مع جيوش الأمير مولاي رشيد والشريف بوسبع، قد احتار في أمر الهزائم التي يتلقاها على أيدي قبائل بوشاون في تخوم جبال الريف.
وكان الجنرال أليكس في حاجة إلى تفكير عميق وطويل قبل أن يكتشف سر هزائمه.
لقد تفنن رجال قبائل بوشاون في خداع الحرب حينما كانوا يرتدون الزي العسكري الفرنسي، وهي خدعة نجحت لقبائل بوشاون، ولكن إلى أن فطن بها الجنرال أليكس.
وفي انتقامه، عبرت الحدود الجزائرية قوات فرنسية ضخمة احتلت المحور الاستراتيجي للمقاومة، ونزلت قوات مهولة على طول الخط بين تخوم الريف وبركنت وكولومب بشار وبوذنيب، وبذلك احتلوا عيون سيدي ملوك في أول يونيو 1910، وتاوريرت في 20 يونيو.
وبعد معارك طاحنة بين جيوش الجنرال أليكس وجيوش قبائل بني بوياحي، استطاع الفرنسيون فتح الطريق الرابطة بين وجدة وتازة، وعلى الجبهة الغربية اهتزت القيادة العسكرية الفرنسية لأخبار المعارك التي خاضتها قبائل زعير، حيث قتل عدد من الضباط الفرنسيين، مما دعا الجنرال موانيي إلى الاتجاه بنفسه إلى زعير على رأس فيلقين لخوض المعركة الفاصلة ضد زعير، وقد جرى واد كريفلة بالدماء في معركة فاتح مارس 1910، ولم يستطع الجنرال موانيي بجيوشه التغلب على قبائل زعير إلا بعد أن دبر مؤامرة ضد هذه القبائل، تزعمها باشا مدينة الرباط، الذي بعث وسط الثوار جنودا له غدروا بإخوانهم المجاهدين.
وشرب الجنرال ليوطي نخب الانتصار على المولى عبد الحفيظ على الواجهات الثلاث: الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وكانت سعادة الجنرال ليوطي تزداد عندما تصله التقارير والإحصائيات عن قوافل البعير وهي تنقل قمح المغرب من كل جهاته إلى ميناء الدار البيضاء لتصديره إلى فرنسا، حيث كانت البواخر الفرنسية متراصة تنتظر دورها لشحن قمح المغرب.
فيا للهول.. بلد جائع يصدر القمح إلى فرنسا.



