تحليل إخباري | “الأسد الإفريقي”.. سيناريو حسم ملف الصحراء عسكريا بعد إنهاء عمل بعثة “المينورسو”
ماذا لو تخلى المغرب عن سياسة "ضبط النفس" ؟
لحد الآن، يضع المغرب ثقته في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لحسم قضية الصحراء، دون أن يكون هناك تفاوض على مغربية الأقاليم الجنوبية، ولحد الآن فشلت الأمم المتحدة، رغم مرور السنين، في وضع حد لتحرك ميليشيات البوليساريو، التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء بخرقها لاتفاق وقف إطلاق النار، وشروعها عمليا في عرقلة وجود بعثة “المينورسو” في الصحراء، بل إن آخر الأخبار تؤكد أن أعضاء البعثة باتوا يواجهون خطرا حقيقيا في الميدان يهدد حياتهم(..).
إعداد: سعيد الريحاني
ما معنى أن تلجأ البوليساريو، التي تمثل الوجه القبيح للجزائر في المنطقة، إلى الاعتداء على أعضاء فريق “المينورسو”(..)؟ وما معنى أن تعلن مسؤوليتها بين الفينة والأخرى على مهاجمة مدنيين عزل(..)؟ ألا يعني ذلك أن الميليشيات الإرهابية تحتاج إلى “حملة عسكرية واسعة النطاق” لتنظيف المنطقة، كما حصل في “عملية الكركرات”؟ ولماذا يواصل المغرب ضبط نفسه أمام الاستفزاز، وقد حصل على الشرعية الدولية، بعد اعتراف الدول الكبرى الأعضاء في مجلس الأمن بمغربية الأقاليم الجنوبية، ألا يعني ذلك أن المشروعية اليوم توجد مع المغرب؟ ماذا لو استعمل المغرب أسلوبا آخر غير أسلوب ضبط النفس.. ؟
قد لا يجادل أحد في كون المغرب، طالما فضل الوسائل السياسية لحسم المعركة، رغم قدرته على حسمها عسكريا من طرف الجيش الملكي(..)، كما لا يجادل أحد في أن إمكانية اللجوء إلى هذا الحل تبقى مستبعدة.. طالما أن “المينورسو” تواصل عملها في الصحراء باعتبارها بعثة أممية، وقد اشتهر المغرب بتشبثه بالآليات الأممية، لكن ماذا لو انتهى عمل بعثة “المينورسو” في الصحراء(..) ؟
إن استمرار عمل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، الذي يقع تحت طائلة التمديد (ما يعني أن المهمة انتهت بالفشل)، مرتبط بسيناريو يلعب فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، دور البطولة.. فالرجل الذي يقود الولايات المتحدة الأمريكية للمرة الثانية تحت شعار “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، سبق له الاعتراف بمغربية الصحراء، ومعلوم أن أمريكا هي صاحبة القلم في هذا الملف، وهي صاحبة التمويل الأكبر، والكل يعلم أن ترامب يتجه نحو تقليص “الإنفاق الأمريكي العمومي” في كافة المجالات.. لماذا سيستثني بعثة “المينورسو” ؟
فكرة إنهاء عمل بعثة “المينورسو” في الصحراء، لم تعد فقط فكرة طائشة، بل أصبحت فكرة يتم التأصيل لها حتى داخل الأوساط الأمريكية، وهو ما يؤكده -على سبيل المثال – معهد المشروع الأمريكي لأبحاث السياسات العامة، أحد أعرق مؤسسات التفكير بواشنطن والمقرب من الحزب الجمهوري، الذي يعتبر أن هذا التوجه يتماشى مع تنزيل الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء.
فـ((في المقال المنشور بالموقع الرسمي للمعهد، المعروف اختصارا بـ AEI، والذي كتبه مايكل روبين، مدير تحليل السياسات بالمؤسسة التي يعود تاريخ إنشائها إلى عام 1938، نجد مقترح إنهاء بعثة “المينورسو” خيارا أمام الرئيس ترامب من أجل تقليص الإنفاق العام، ضمن مقترح أَعَمّ يتعلق بإلغاء بعثات حفظ السلام الفاشلة.. وفق توصيف المقال، الذي خص فقرة خاصة ببعثة “المينورسو” عنونها بـ: “الصحراء الغربية: بعثة بلا نتائج بعد 34 عاما”.. ويمضي مايكل روبين أبعد من ذلك حين يقول: إن الصحراويين أنفسهم يريدون الانضمام إلى المغرب، لهذا السبب، فإن جبهة البوليساريو الماركسية المدعومة من الجزائر، والتي تدعي تمثيل الصحراويين، لا تسمح للاجئين في المخيمات التي تسيطر عليها في ولاية تندوف الجزائرية، بالسفر إلى المغرب مع عائلاتهم.. إنها تحتجز النساء والأطفال كرهائن لمنع إعادة توطين اللاجئين، من خلال تمويل هذه المخيمات وتضخيم شرعية البوليساريو، حيث تساهم الأمم المتحدة في إدامة المشكلة)) (المصدر: موقع الصحيفة/ 22 مارس 2025).

في جميع الأحوال، بدأ يظهر أن مهمة بعثة “المينورسو” في الصحراء، تتجه نحو نهاية حتمية في ظل المتغيرات الدولية، وهو نفس المنحى الذي اتخذته الانطباعات التي تلت آخر اجتماع لمجلس الأمن.. فـ((كل المؤشرات تؤكد أن جلسة مجلس الأمن التي انعقدت مؤخرا بشكل مغلق، تؤكد وجود تحرك كبير لطي ملف النزاع حول الصحراء، بل إن جل المحللين ذهبوا في اتجاه شرعنة تفاؤل غير مسبوق حول إمكانية طي الملف بشكل نهائي خلال مدة لا تتجاوز 8 أشهر، كما سجل الملاحظون تحول مواقف المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، نحو استعمال لغة غير مسبوقة، تصب في اتجاه دعم الطرح المغربي، بعد سوابقه المعروفة في العداء(..)، حيث بات يتحدث عن الزخم الراهن والإشارات الإيجابية، التي يمكن استثمارها(..)، قبل أن يتم تكريس هذا التفاؤل بعد تصريح قطب الدبلوماسية المغربية، السفير عمر هلال، الذي قال عقب هذا الاجتماع في تصريحات صحفية، إنه: ((يتمنى أن تكون الذكرى 50 للمسيرة الخضراء مناسبة لطي ملف الصحراء نهائيا)) (المصدر: الأسبوع الصحفي/ عدد 18 أبريل 2025).
وكانت مناورات خصوم المغرب حول إمكانية “تحوير” دور بعثة “المينورسو” قد اصطدمت كلها بمواقف مغربية صارمة، وقد سبق لـ”الأسبوع” أن أجابت على لسان الخبير صبري الحو، عن سؤال: “لماذا يرفض المغرب توسيع صلاحيات “المينورسو”؟ فقال ما يلي: ((يرجع سبب الرفض المرتبط بجانب المغرب، إلى كون اختصاص “المينورسو” حصري في القيام بمهمتي إزالة الألغام ومراقبة وقف إطلاق النار، وأن المغرب كدولة، هو الطرف الأساسي المعني بالحوار والمفاوضات والمناقشات والزيارات على حد سواء، وهو سيد في اختيار مكان الزيارة، وله الحرية في انتقاء أو اختيار أو انتداب وتوكيل من يتولى أو يتولون حضور المفاوضات ومناقشات الموائد المستديرة أو المناقشات الثنائية بمقرات الأمم المتحدة، ولهذا يرفض المغرب، ويحتج، ولا يقبل بالتوسع في منح الصفة أو الأهلية أو مصلحة المشاركة لصالح محاورين جدد وآخرين، سواء من داخل المغرب أو من خارجه، دون موافقته، وعلى هذا الأساس، احتج المغرب على زيارة دي ميستورا إلى جنوب إفريقيا بأجندة مناقشة نزاع الصحراء رغم انعدام أي علاقة لها بالملف.. أضف إلى ذلك، أن المغرب يعتبر ويكيف التوسع في منح بعثة “المينورسو” اختصاصات أخرى، أنه لا يستند إلى أي إطار قانوني بعد استنفاذ البعثة للشق المدني والسياسي، بعد تخلي الأمم المتحدة عن المقاربة القانونية في شكل آلية الاستفتاء المعتمدة في إطار خطة التسوية واعتماد مقاربة جديدة هي المقاربة السياسية، منذ سنة 2004، وعمليا بمقتضى القرار رقم 1675/2006، وهو المبرر والسبب الذي اعتمده وارتكز عليه المغرب عندما قام بطرد وتقليم الشق المدني من عضوية طاقم بعثة “المينورسو” المعتمدة لدى المغرب، إبان الأزمة مع الأمين العام السابق بان كي مون، بعد تصريحاته المستفزة داخل مخيمات تندوف في وصفه لمعاناة اللاجئين وربطها تعسفا بالمغرب، في خروج فج عن مبادئ الحياد..

ويعتقد المغرب، وهو على جادة الصواب في ذلك، أن إصدار موافقة أو مصادقة من مجلس الأمن على توسيع مهام “المينورسو”، سيزاحم ويشوش على شرعية ومشروعية سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وهي التي يتنامى الاعتراف له بها يوما بعد آخر، وستتحول هذه السيادة الفعلية إلى مجرد إدارة، وهي رغبة وإرادة وسعي واشتغال خصومه من أجل إعادة تكييف في طبيعة حيازة المغرب لهذه الأقاليم بسبب السيادة، لإعطاء انطباع زائف بأن ضم وسيطرة المغرب هي بناء على مفهوم الإدارة الذي يمنحه ميثاق الأمم المتحدة للمستعمر في علاقته بالأقاليم التي يسيطر عليها، والحال أن علاقة المغرب بالأقاليم الجنوبية تستند إلى شرعية التاريخ والبيعة الشرعية، وهي روابط مرجحة من الناحية القانونية ومؤكدة بمقتضى قرار قضائي صادر عن محكمة العدل الدولية.. كما أن المغرب يعتبر المهام موضوع الاقتراح بالتوسيع ومنه لبعثة “المينورسو”، والمرتبطة بحالة حقوق الإنسان وبمدى احترام المؤسسات الوطنية لها، سواء في متن السياسات العمومية وصلب السياسات العامة، أو في سلوك الموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين داخل الإقليم، هي مهام منوطة بمؤسسات وطنية حقوقية وتضطلع بها، ومشهود لها بالجدية والمصداقية أمميا في ملاحظات وتوصيات تقارير الأمين العام للأمم المتحدة، وفي قرارات مجلس الأمن، في إثارة ومعالجة كل الملفات العارضة وذات العلاقة بالوضع في الإقليم والنزاع، وإن تقديم توصيات وطلبات للتوسع في اختصاص “المينورسو” لتشمل حقوق الإنسان تبعا لكل ذلك، هو تحصيل حاصل)) (المصدر: الأسبوع الصحفي/ عدد 18 أبريل 2025).
انعدام إمكانية توسيع صلاحيات “المينورسو”، والتوجه نحو إغلاق “البعثات الأممية الفاشلة” عبر العالم، هو المعطى الذي قد يعجل بإنهاء بعثة “المينورسو”، ما يعني استرجاع المغرب للمبادرة الميدانية بشكل كامل حتى لو تطلب الأمر حلولا عسكرية، ولمن يشكك في ذلك، يكفيه الاطلاع على النجاح المنقطع النظير الذي تحققه مناورات “الأسد الإفريقي” كل سنة، والتي انطلقت مؤخرا، وهي مناورات تعترف بمغربية الصحراء، وهدفها الاستراتيجي هو الدفاع المشترك، رفقة شريك المغرب: أمريكا.
يذكر أن مناورات “الأسد الإفريقي”، التي تقدم صورة قوية لقدرات الردع لدى الجيش الملكي المغربي، تحظى بمتابعة عالمية.. ويكفي قراءة بعض المقتطفات مما تكتبه الصحافة الوطنية والدولية عن هذه المناورات المرعبة لخصوم المغرب، ومن خلال ذلك يمكن معرفة سبب الرعب، حيث: ((تُصنف مناورات “الأسد الإفريقي” كأضخم التمارين العسكرية متعددة الجنسيات في إفريقيا، وتشرف على تنظيمها سنويا القيادة الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم” بشراكة مع القوات المسلحة الملكية المغربية.
ويؤكد احتضان المملكة لهذا الحدث سنويا، الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للمغرب على مستوى التعاون الأمني الإقليمي والدولي، حيث أفاد الجيش الأمريكي بأن نسخة هذا العام ستتميز بمشاركة واسعة النطاق، وتستهدف تعزيز التوافق العملياتي بين القوات المتحالفة، إضافة إلى الرفع من الجاهزية المشتركة لمواجهة الأزمات والظروف الطارئة في القارة الإفريقية ومناطق أخرى من العالم..
وتشمل فعاليات التمرين سلسلة من التدريبات المتقدمة، من بينها: تمارين القيادة الميدانية، تدريبات بالذخيرة الحية، وعروض للرماية القتالية، كما يتضمن البرنامج عمليات دعم إنساني ومساعدات طبية تشمل الطب العام، طب الأسنان، والطب البيطري، تُنفذ في المغرب، السنغال، وغانا، في إطار تبادل الخبرات وتعزيز الشراكات المدنية-العسكرية بين الدول المشاركة)) (المصدر: وكالات).



