
هل يمكن محاسبة الحكومة على أدائها ومدى نجاحها بالنمو الاقتصادي المحقق في عهدها؟ وهل أصبحت الإنجازات الاقتصادية هي الأهم في عالم تسعى فيه كل دولة إلى الارتقاء باقتصادها، حيث أن الاقتصاد هو رمز قوة الدولة؟ ممكن في زمن نهاية الإيديولوجيات ونهاية عصر الشعارات الفضفاضة، وحال المغرب أنه من الدول الاقتصادية الصاعدة، وقد تعاقبت عليه على مدى ربع قرن ست حكومات.. فأي حكومة هي الأفضل من حيث الأداء الاقتصادي خلال هذه المدة ؟ هذا ما يقترحه هذا الملف على قرائه.
أعد الملف: سعد الحمري
بلغة الأرقام.. حكومة جطو الأفضل
لقد انتهى زمن الإيديولوجيا.. وأفسلت الأحزاب، ولم تعد تلعب الأدوار المنوطة بها، وهي الوساطة بين الدولة والمجتمع، وتأطير المواطنين سياسيا.. فما المصلحة من استمرارها؟ هل هو اقتراح برامج اقتصادية تحقق النمو الاقتصادي المنشود؟ هل هو إيجاد حلول اجتماعية وسياسية لعدة مشاكل مستعصية كالتعليم والصحة؟ الحال أن العالم تغير منذ سنة 1991، ووصلت رياح التغيير إلى المغرب على الأقل منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش العلوي سنة 1999، ومع ذلك، مازالت الأحزاب ترفع في المغرب شعارات سياسية وإيدلوجية لا تتماشى مع الواقع، رغم مرور ربع قرن كامل على بداية العهد الجديد، وهي مرحلة كافية لتغيير العقليات والانخراط في النظام العالمي الجديد، الذي لا يؤمن بالإيديولوجيات، مقابل سلطة العلم والابتكار والنمو الاقتصادي للبلاد..
فالواقع يفرض على الأحزاب، سواء كانت في الحكومة أو المعارضة، أو خلال حملاتها الانتخابية، اقتراح نماذج اقتصادية مبتكرة، تجعل المغرب يتقدم بشكل سريع بين القوى الاقتصادية الجديدة..
إن هذا الأمر يفرض علينا وضع كل الحكومات التي سيرت البلاد خلال عهد الملك محمد السادس، تحت المجهر، من خلال مقارنة نسبة النمو الاقتصادي وتطور الناتج الداخلي الخام.
نبدأ مع حكومة الاتحادي عبد الرحمان اليوسفي المخضرمة، التي أمضت نصف ولايتها في عهد الملك الحسن الثاني والنصف الآخر في عهد الملك محمد السادس، والتي ورثت اقتصادا منهكا من عهد الملك الحسن الثاني.. كانت نتيجة هذه الحكومة خلال ولايتها كالتالي: حققت في سنة 1999 نسبة نمو بلغت 1.7% ، ووصل الناتج الداخلي الخام للبلاد إلى 45.1 مليار دولار، وارتفعت نسبة النمو الاقتصادي في سنة 2000 قليلا، حيث بلغت 2.58 %، بينما تراجع الناتج الداخلي الخام إلى 42.1 مليار دولار، وفي سنة 2001، قفزت نسبة النمو إلى 7.72 %، وشهد الناتج الداخلي الخام ارتفاعا طفيفا بلغ 42.7 مليار دولار. ثم عادت نسبة النمو سنة 2002 لتستقر عند 3.73 %، بينما ارتفع الناتج الداخلي الخام إلى 45.7 مليار دولار.
وبهذا أسدل الستار عن هذه الحكومة على وقع زيادة في الناتج الداخلي الخام خلال مدة ولايتها، بلغ 0.6 مليار دولار وبمعدل نمو بلغ 3.93 % سنويا.
أما حكومة إدريس جطو، التي بدأت ولايتها سنة 2002 وانتهت سنة 2007، وهي الحكومة التكنوقراطية.. فقد شهدت في أول سنة من ولايتها وهي سنة 2003، نسبة نمو بلغت 6.17 %، ولأول مرة في تاريخ المغرب قفز الناتج الداخلي الخام فوق عتبة 50 مليار دولار، حيث بلغ 56.3 مليار دولار، أما في سنة 2004، فقد بلغت نسبة النمو 4.57 % وواصل الناتج الداخلي الخام ارتفاعه حيث قفز فوق حاجز 60 مليار دولار محققا 64.5 مليار دولار، وفي سنة 2005، فقد شهدت نسبة نمو بلغت 3.19 %، بينما استقر الناتج الداخلي الخام عند رقم 67.5 مليار دولار، ثم عادت عجلة النمو المضطرد لتدور مجددا سنة 2006، حيث بلغت نسبة 7.79 % ثم قفز الناتج الداخلي الخام إلى 74.3 مليار دولار، ورغم تباطؤ نسبة النمو سنة 2007، آخر سنة من عمر حكومة جطو، والتي بلغت 3.44 %، إلا أن الناتج الداخلي الخام واصل الارتفاع وقفز مجددا إلى 85.5 مليار دولار.. لتبقى هذه الحكومة استثناء، حيث تضاعف الناتج الداخلي الخام للبلاد بمقدار الضعف، حيث قفز من 45.5 مليار دولار سنة 2002 إلى 85.5 مليار دولار سنة 2007 بنسبة نمو سنوية بلغت 5.03 %، وهي أرقام إعجازية.
خلفت حكومة عباس الفاسي حكومة إدريس جطو، وكانت أرقامها كالتالي: سنة 2008 بلغت نسبة النمو 5.6% ، والناتج الداخلي الخام 91.3 مليار دولار، أما سنة2009 ، فقد شهدت انخفاض نسبة النمو إلى 4.2 %، في حين واصل الناتج الداخلي الخام الارتفاع ولو بشكل طفيف، حيث بلغ 94.6 مليار دولار، وفي سنة 2010، بلغت نسبة النمو 4.8 % والناتج الداخلي الخام 99.4 مليار دولار، ثم في آخر سنة من عمر حكومة عباس الفاسي، وهي سنة 2011، سجلت نسبة النمو 3.7 %، ثم قفز الناتج الداخلي إلى حاجز المائة مليار دولار، حيث بلغ 103.6 مليار دولار، أي بلغة الأرقام مجموع الزيادة في الناتج الداخلي الخام خلال عمر هذه الحكومة هو 12.3 مليار دولار ومعدل نمو سنوي بلغ 3.66 %.
أما حكومة عبد الإله بن كيران، أول حكومة في عهد الدستور الجديد، فكانت أرقامها كالتالي: في سنة 2012 بلغت نسبة النمو 3.0% ، والناتج الداخلي الخام 104.7 مليار دولار، وفي سنة 2013: نسبة النمو 4.2 %، والناتج الداخلي الخام 109.4 مليار دولار، ثم في سنة 2014، وصلت نسبة النمو 2.7 %، والناتج الداخلي الخام 112.4 مليار دولار، وفي سنة 2015، بلغت نسبة النمو 4.5 %، والناتج الداخلي الخام 117.7 مليار دولار، ثم سجل النمو في سنة 2016 نسبة 1.1 %، والناتج الداخلي الخام 118.8 مليار دولار، بواقع مجموع زيادات في الناتج الداخلي الخام بلغت 14.1 مليار دولار وبمعدل نمو سنويا بلغ 3.1 %.
وفيما يتعلق بحكومة سعد الدين العثماني، فإن نسبة النمو في سنة 2017، أول سنة من عملها، كانت 4.2 %، بينما الناتج الداخلي الخام 124.2 مليار دولار، وفي 2018: نسبة النمو 2.9 %، والناتج الداخلي الخام 127.0 مليار دولار، ثم سجلت سنة 2019 نسبة نمو بـ 2.6 %، والناتج الداخلي الخام 130.1 مليار دولار، وفي سنة 2020: نسبة النمو ناقص 3.6 بفعل جائحة “كورونا”، والناتج الداخلي الخام 121.0 مليار دولار، وفي 2021: نسبة النمو 7.9 %، والناتج الداخلي الخام 130.9 مليار دولار، بواقع مجموع الزيادات في الناتج الداخلي الخام بـ 6.7 ملايير دولار ومعدل نمو سنوي بلغ 2.26 %.
وأخيرا حكومة عزيز أخنوش.. فقد بلغت نسبة النمو سنة 2021 ما مجموعه 1.26 % والناتج الداخلي الخام 124.2 مليار دولار، وفي سنة2022 : نسبة النمو 1.26% ، والناتج الداخلي الخام 130.91 مليار دولار، ثم سنة 2023: نسبة النمو 3.18% ، والناتج الداخلي الخام: 141.11 مليار دولار. إذن مجموع الزيادة في الناتج الداخلي الخام بالنسبة لهذه الحكومة هو 23.8 مليار دولار ومعدل نمو سنوي بلغ 2.01 %.
بلغة الأرقام، فإن ما حققته حكومة إدريس جطو وحدها في المجال الاقتصادي، يعادل ما حققته الحكومات الأربع المتتالية.
إدريس جطو.. تكنوقراطي عرف كيف يربح رهان السياسة
إذن، لماذا حققت هذه الحكومة قفزة لم تتمكن أربع حكومات متتالية من الوصول إليها ؟ هذا هو السؤال المطروح.
يوم تأسيس حكومة إدريس جطو، علق المفكر الكبير عبد الله العروي، ضمن “خواطر الصباح” قائلا: ((الأربعاء 9 أكتوبر 2002، خبر سيء، أسندت إلى وزير الداخلية الحالي، صاحب التحليلات السياسية التافهة، مهمة تشكيل الحكومة الجديدة، سيجد الكثيرون أعذارا شتى لهذه الخطوة: المشكلات الاقتصادية، الإصلاحات الملحة، التوتر مع إسبانيا، الأزمة المستعصية مع الجزائر… إلخ، لكن كل هذه التأويلات لن تحجب الحدث الأهم، وهو أنها خطوة إلى الوراء، عودة إلى حكومة التكنوقراط.. أخطأ من قال إننا نسير على النهج الديمقراطي ولا نخاف أدنى نكسة، سجلت في هذا الكناش بعض الإجراءات التمهيدية لهذا التراجع، وقد يقول البعض إن ذلك كان مخططا قبل وفاة الحسن الثاني.. بدا الوقت مناسبا بعدما تمت الانتخابات في ظروف مقبولة، وكانت النتائج غير حاسمة. يستطيع الوزير الأول المعين أن يؤلف حكومة مع أحزاب الوسط مستغنيا عن اليسار، وحتى عن حزب الاستقلال، وينهي بذلك فترة التناوب.
سيقال إنها كانت فاشلة، لكنه لن يرتكب هذا الخطأ.. تناوب بدون تناوب.. هذا ما ينتظرنا بدون شك)).
نعم يمكن الاتفاق مع المفكر عبد الله العروي على أن حكومة إدريس جطو كانت نكسة في طريق الديمقراطية، ولكنها كانت فعالة من الناحية الاقتصادية بالحكم على الأرقام المحققة في عهدها.. فقد صرح هذا الأخير وهو قليل التصريحات على حكم عبد الله العروي، بالقول: ((لا يمكنني مواجهة شخصية من هذا الحجم والوزن، وعلى هذا المستوى من المعرفة والعمق مثل المفكر عبد الله العروي، الذي بالمناسبة يشترك معي في الانتماء إلى المنطقة نفسها، أزمور، غير أنني أرى أنه من الضروري توضيح أنني لم أطلب شيئا، ولم يسبق لي أن طلبت أن أكون وزيرا أول، أو سعيت إلى أي وزارة، وأعتز وأفتخر بأنني تحملت المسؤولية في فترة دقيقة من تاريخ وطننا، وقد فعلت ذلك بكل ما استطعت وقدمت كل مجهوداتي)).
وأضاف جطو أنه “ابن الشعب”، وقال: ((ليس لدي حزب أو جهة تحميني، وكل الوزراء والهيئات السياسية التي كانت مع الأستاذ اليوسفي في حكومة التناوب، أكملت معي المسار، وهي نفسها التي دعمتني وأعطتني ثقتها، وعندما قدمت البرنامج الحكومي في البرلمان، زكّاني الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بقيادة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي)).
الرجل نفسه في خطابه الوداعي أمام البرلمان سنة 2007، افتخر بالمنجزات الاقتصادية لحكومته، حيث أكد أن نسبة النمو ارتفعت في عهده، وتحدث عن تعزيز مناعة الاقتصاد الوطني، الذي تمكن من مواجهة الصدمات الناجمة عن التقلبات المناخية والظروف الدولية الصعبة، وحافظ على نسب نمو موجبة وعلى وتيرة الاستثمار العمومي، مشيرا إلى أن المغرب أصبح في صدارة دول المنطقة من حيث استقطاب رؤوس الأموال، كما انتقلت الاستثمارات الخارجية المباشرة من 5.8 مليارات درهم سنة 2002، إلى أكثر من 25 مليار درهم خلال سنة 2007.
إن انحدار إدريس جطو من فئة المقاولين ورجال الأعمال، كان وحده كافيا ليؤشر على انتقال الوزارة الأولى وحامل حقيبتها، من الدور السياسي إلى المهمة التدبيرية، المتمحورة أساسا حول المجالات الاقتصادية والاجتماعية، بل أصبحت للوزارة الأولى أبعاد مقاولاتية في التسيير، واختفت الرائحة السياسية التي فاحت بقوة في عهد عبد الرحمان اليوسفي، كما وصفه أحدهم بأنه ((عمل بذكاء كبير، وكانت له علاقات بالقصر الملكي، رغم أن هذه العلاقة عرفت انخفاضا وارتفاعا حسب السياقات والظروف، وتوازن اللوبيات الضاغطة ورضاها عن أداء الوزير الأول، والقرارات التي يتخذها أو السياسات التي يُعلنها)).
كما أن ((تعيين إدريس جطو يبين أن الملك يريد وزيرا أول وفيا، يستطيع أن يتعاون مع مختلف الأحزاب السياسية حتى لا تكون هناك توترات سياسية)) تعلق إحدى الصحف الإسبانية أياما قليلة بعد تكليف جطو بتشكيل فريقه الحكومي.
أما أهم قرارات حكومة إدريس جطو، فقد قامت بعدد من القرارات الاقتصادية الهامة التي ساهمت في تحسين الأداء الاقتصادي للمغرب في تلك الفترة، فجطو كان يرأس حكومة تحت قيادة الملك محمد السادس وكان هناك توجه نحو الإصلاحات الاقتصادية وتنفيذ برامج للتنمية.
ومن أهم الإصلاحات: إصلاح صندوق المقاصة، ثم ترشيد الدعم لتقليص التكاليف، ما أسهم في تحقيق استدامة مالية على المدى الطويل، إضافة إلى إصلاحات في القطاع المالي، حيث قامت الحكومة باتخاذ مجموعة من الإجراءات الإصلاحية في القطاع المالي من أجل تحسين مناخ الاستثمار، كما تم إصلاح النظام الضريبي لتشجيع الاستثمار الأجنبي والمحلي، ثم تحديث النظام الضريبي بما يتناسب مع التحولات الاقتصادية العالمية، إلى جانب تحرير التجارة، وتشجيع القطاع الخاص على الدخول في مجالات جديدة مثل الاستثمار في البنية التحتية والقطاعات الصناعية الأخرى، والتوقيع على اتفاقيات تجارية دولية لتعزيز التبادل التجاري بين المغرب وباقي الدول، مثل اتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة، ثم اعتماد المخطط الوطني للإقلاع الاقتصادي والتوجه نحو الخوصصة.. وكل هذه الإجراءات ساهمت في تحقيق استقرار اقتصادي نسبي في تلك الفترة.





