الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | تحالف السلطان والعلماء لرفض اتفاق المقري مع فرنسا

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 122"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    هل كان سكان مدينة فاس أو سكان مدينة مراكش أو سطات أو طنجة أو أسفي أو الجديدة أو وجدة أو الحسيمة.. يعرفون ما يدور في الأيام الحالكة من سنة 1910 من مؤامرات أو مشاورات ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

إن كل ما كان يعرفه الناس في كل جنبات المغرب هو ما كان خبراء الدعاية والمناورات والمؤامرات، ضباط المخابرات الفرنسية، يشيعونه من أخبار متطابقة وأغراضهم ممهدة لمشاريعهم، وهو سلاح فتاك ما كان المغاربة في ذلك الوقت بقادرين على الصمود في وجهه، ولا بمتوفرين على الإمكانيات البسيكولوجية للرد عليه.

وبينما السلطان في قصره غارقا في المصائب والمشاكل مخنوقا بالأزمات محاصرا بالديون، كان الطابور الخامس الفرنسي، باسم السادات والأولياء والزوايا، يعيث فسادا في الرأي العام الوطني من طنجة إلى تزنيت.

ورغم أن الفرنسيين استطاعوا الضحك على وزير المالية المقري، حتى أمضى لهم على كل ما أرادوا، فإنهم نقلوا الخبر إلى الرأي العام الوطني في صيغة أخرى: ((ها هو السلطان يبعث المقري لمفاوضة فرنسا في بيع المغرب))، وكان هذا الادعاء متطابقا وما كانت عليه أفكار المعارضة المغربية آنذاك، وأتباع الكتاني ومناصرو مولاي عبد العزيز، وبذلك استطاعت الظروف فتح شرخ كبير في هيكل التضامن الوطني مع السلطان.

وشرب الفرنسيون نخب الانتصار عندما تحقق لهم ما أرادوا، وأقلع الثوار عن توجيه فوهات بنادقهم إلى الجنود الفرنسيين وإدارة طلقاتها إلى صدور بعضهم.

هجوم عسكري فرنسي على القصر

    وسارع المولى عبد الحفيظ إلى تدارك الموقف وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.. وواجه تحدي الفرنسيين وتماطل الألمانيين بتحد أكبر ودهاء أوسع.. ففي يوم 11 يناير 1910، توجهت فرقة عسكرية من فاس إلى طنجة دون أن يعرف أحد أية تفاصيل عن مهمتها.
ووصلت الفرقة إلى طنجة ودخلت الميناء، حيث استقبلت باخرة مجهولة الهوية محملة بالسلاح، كما توجه ضابط إلى بنك “دوتش أوريانت”، بنك في طنجة، وسحب منه حوالة قيمتها 300 ألف فرنك ونصف مليون بسيطة، جاءت باسم السلطان من طرف مجهول.

ووصلت شحنات السلاح وصناديق الأموال إلى فاس، وبها استطاع المولى عبد الحفيظ إحداث بعض التوازن العسكري والمالي لمدة قصيرة.

ثم إنه لما توجهت الدعايات نحو أسرة السلطان بالانتقاد، أصدر المولى عبد الحفيظ قرارا يقضي بأن يدفع أفراد عائلته والمقربون إليه الضرائب المفروضة على عامة الناس، لكن مضاعفة، وتدفع مسبقا، وتوجه أعوان القباضة إلى أبواب البيوت الكبرى وأصحاب الجاه العالي، ينفذون أوامر السلطان، وكانت فعلا شبه ثورة اهتز لها الرأي العام وأصبحت حديث الناس.

وعاد الفرنسيون إلى صندوق المناورات يبحثون في أعماقه عن أوراق جديدة، فأخرجوا ورقة من الخطورة بمكان.

لقد استقدموا من الجزائر أحد أولاد الأمير عبد القادر الجزائري، ويسمى عبد المالك، وصل على رأس جيوش كثيفة ليضع نفسه رهن إشارة الثائر مولاي الكبير، أخ المولى عبد الحفيظ، والذي لم يكن يخفي اعتماده وتعاونه مع الفرنسيين.

وبعد أن أحكم الفرنسيون الحصار حول السلطان، دخلوا عليه يوم 4 يناير 1910 بالوثيقة التي أمضاها المقري في باريس، طالبين منه التصديق عليها.

ولقد أجابهم بأنه لن يمضي شيئا لم يصادق عليه العلماء، ووعدهم بأنه سيرد الجواب بعد استشارة العلماء.

وفي يوم تاسع فبراير 1910، استدعى العلماء لاستشارتهم وشرح الظروف التي أحاطت بإمضاء ذلك الاتفاق من طرف المقري وأصل الشروط التي كان قد أملاها على المقري قبل توجهه لباريس، وطال اجتماع السلطان بالعلماء، وعاد للاجتماع معهم يوم 10 فبراير.. ففهم الفرنسيون أن الأمر سيأخذ اتجاها أخطر مما كانت تتجه نحوه نوياهم، وهم يعرفون الاتجاه التحرري للعلماء ورفضهم لكل تفاهم مع الفرنسيين، وأن المولى عبد الحفيظ سيضم صوته إلى أصواتهم وسيعود إلى الخضوع إلى فكرة الجهاد.

لذلك وجب إفساد الاجتماع بين المولى عبد الحفيظ والعلماء، إفساده بالهجوم على القصر الملكي بواسطة كوكبة من الجنود الفرنسيين، ودخول ضباط فرنسيين على مجلس السلطان مع العلماء، ويقف أحد الضباط الفرنسيين أمام السلطان ليقول له: ((لقد اعتقلتم أحد المغاربة كان يعمل في الجيش الفرنسي، وجئنا الآن لإطلاق سراحه حالا وإلا تصرفنا بطريقة أخرى)).

وهو تهديد وتدخل في الشؤون الداخلية، وتحد للسلطان، وإهانة للعلماء، وربما إعلان للحرب.

وفسر السلطان للعلماء أن الأمر يتعلق بجاسوس تم اعتقاله واستنطاقه واعترافه بأنه كان ينقل للفرنسيين أخبار القصر والحكومة.

وليس للسلطان من اختيار.. فهو يعرف والعلماء يفهمون أن تهديد الجيش الفرنسي قد ينتهي باعتقاله، واعتقال العلماء وتنصيب أي عميل آخر محله.. إنه موقف ليس غريبا عن الأساليب الاستعمارية الفرنسية.. أليس هؤلاء الضباط الذين دخلوا على مولاي حفيظ في القصر الملكي يوم عاشر فبراير 1910 هم زملاء للضباط الفرنسيين الذين دخلوا على المرحوم محمد الخامس يوم 20 غشت 1953 واعتقلوه ونفوه ؟

إلا أن المولى عبد الحفيظ لم يكن واثقا من الوعي السياسي لأمته، وربما لم يكن متوفرا على الشجاعة التي كان يتوفر عليها محمد الخامس، ففضل المولى عبد الحفيظ إفشال المناورة الفرنسية بأن خضع للضغط الفرنسي وإصدار أوامره حالا بإطلاق سراح الجاسوس المغربي وتسليمه حالا للجنود الفرنسيين.

ولكن السلطان خرج من اجتماعه مع العلماء، ليخبر الفرنسيين أنه لن يصادق على اتفاقية باريس، وأنه سيفكر.. من بعد.. من بعد.

ولم يقبل الفرنسيون، وتبادلوا الاتصالات مع باريس والجزائر، لمدة اثني عشر يوما، وفي يوم 22 فبراير، دخل القنصل الفرنسي كايار، على المولى عبد الحفيظ، في قصره، وفي يده وثيقة هي عبارة عن إنذار صارم من الحكومة الفرنسية لسلطان المغرب، وأكد كايار شفويا للمولى عبد الحفيظ أنه إذا لم يصدق السلطان بإمضائه على اتفاقية المقري في باريس، وفي ظرف ثمانية وأربعين ساعة، فإن فرنسا ستضطر لاتخاذ الإجراءات اللازمة.

وأية إجراءات، سأله السلطان؟ فتلعثم القنصل ولم يكن هو يعرف ما هي هذه الإجراءات وقال: أن يخرج مثلا الفرنسيين من المغرب.

فإما أن القنصل يشجع السلطان على عدم الإمضاء، حتى تتاح الفرصة للعسكريين أن يقولوا كلمتهم، وإما أنه لم يكن يتوقع من السلطان أي تأخر في إمضاء الوثيقة.

ودخل المولى عبد الحفيظ في مرحلة تفكير يوما وليلة، وفي اليوم التالي، يوم 23 فبراير، استدعى القنصل كايار، الذي دهش عندما دخل على السلطان فوجده محاطا بالعلماء والأعيان، وهي أبسط طريقة يبلغ بها المولى عبد الحفيظ قنصل فرنسا بأن الرأي ليس له وحده، وأنه يعمل برأي العلماء، بل إنه أكد للقنصل بلهجة عصبية غاضبة: ((إني أعطيك جوابي قبل مرور ثمانية وأربعين ساعة، إن جوابي واضح، اذهبوا عند المقري إلى باريس، أما أنا فلا أمضي)).

وبعدما خرج القنصل كايار يجر أذيال الخيبة، اتفق السلطان مع العلماء على الرفض، وعلى الاعتماد الكلي على المستشارين الأتراك.

أما المسائل الأخرى، مادية وسياسية، فإنه سيعتمد على الألمان.

وبسرعة استدعى صديقه هولتزمان، وكان – كما سبق التطرق له – قد أسلم وأصبح يسمى “الحاج عثمان”، كما استدعى صاحب أكبر نفوذ اقتصادي ألماني في المغرب، وهو مانزمان، واستدعى أصدقاءه من بين الإسبان وأصدقاءه من بين الطليان.. فلم يجد إلا الرفض الكلي.

ثم استدعى الضباط الأتراك، فأجابوه بأن الطريق بين فاس وإسطنبول بعيدة، وأن الوضع يحتاج إلى وقت طويل.

وبينما المولى عبد الحفيظ غارق في تفكيره، طلب العلماء مقابلته، وكانوا محتارين محرجين، وكم كانت مفاجأة المولى عبد الحفيظ كبيرة حينما أبلغوه أن الحكمة تقتضي الإمضاء والموافقة لإنقاذ المغرب من الانهيار.

إن الأخبار التي تتوارد من إقليم تازة، حيث يحظى المولى الكبير بالدعم الفرنسي، وحيث تحول جنود المولى عبد الحفيظ الذين توجهوا لمحاربته، إلى مرتزقة له تناسوا أهلهم وأولادهم، واندمجوا في قبيلة الحياينة، يقطعون معها الطرق وينهبون ويسرقون ويهددون فاس، بينما أخبار الحوز ومراكش لا تقل هولا عن أخبار الحياينة، حيث أصبح الفرنسيون يملون إرادتهم على السلطان بواسطة المدني الكلاوي.

حقا وضعية اتفق المولى عبد الحفيظ والعلماء على أنها أكثر خطورة من التصديق على اتفاقية باريس التي ستضمن على الأقل تدخل الفرنسيين لفرض النظام الداخلي.

وفي يوم 26 فبراير، بعث السلطان حاجبه الدبلوماسي سي عيسى، ليبلغ القنصل كايار بأن المولى عبد الحفيظ وافق على المصادقة على الاتفاق، وأصبح الاتفاق نافذ المفعول ابتداء من رابع مارس 1910، وأصبح يحمل اسم “اتفاق رابع مارس”.

وبإمضائه تجرع المولى عبد الحفيظ غصة مرة رفض القبول بها مدة ثلاثة عشر شهرا، ولم تكن في البداية إلا مناورة استعمارية متمثلة في خيانة الأمانة من طرف المقري، ولكن الفرنسيين قالوا للمقري: امضي أنت، ونحن سنتكفل بالسلطان.

وكانت ثلاثة عشر شهرا من التكفل الاستعماري والمؤامرات والمناورات.. انتهت بانتصار الفرنسيين، ونشرت مجلة “اللجنة الإفريقية – الفرنسية” نص “اتفاقية رابع مارس” في ملحق بعنوان: “الكتاب الأصفر”.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى