

استهل توفيق الحكيم حديثه الثالث، بأن متعته الوحيدة بعدما جاوز الثمانين، هي الحديث إلى ربه، مذكرا نفسه بأن إلهه اختار للدين الجديد أمة سبق أن أنزل فيها دينين كبيرين هما اليهودية والمسيحية، ولم تنتفع هذه الأمة قبل الإسلام بالحضارتين المجاورتين لهما وهي حضارة الروم والفرس، فالعرب بدو لم يشتغلوا إلا بالتجارة وكان لا بد لحكمة الله سبحانه وتعالى أن تخاطبهم على قدر عقولهم، وعلى قدر هدفهم من التجارة الذي هو ابتغاء الربح: ((من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) و((إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم)).
واعتبر في هذا الحديث أن المدخل لرضى الله والحب له وليس فقط الخوف منه، معتبرا أن الكثير يغالون في تصوير ما يخيفنا منه سبحانه وتعالى أكثر من تصوير ما يحببنا فيه، فأقاموا الإسلام على الخوف أكثر مما أقاموه على الحب، مستدلا بقوله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلّم: ((لا إكراه في الدين))، والإكراه والكره لا يمكن أن يكون أساسا صادقا للحب والمعرفة، فالإمام الغزالي في فضل العلوم العقلية على العلوم اللغوية، قال: “تدرك الحكمة بالعقل واللغة بالسمع، والعقل أشرف من السمع”، واعتبر الحكيم أن ذلك هو سبب تخلف المسلمين على وجه الأرض لأنهم لا يفكرون، معترفا بأنه اشتغل بالقانون، وكذلك والده بلا موهبة، ولكنه كثير الأسئلة دون أن يظفر بالإجابة.
وقال توفيق الحكيم أن معنى الحب هو معرفة الله مناجيا الله “فحتى رسولك صلى الله عليه وسلم لم تكشف له سر الروح”.
أما عن قصته مع حب الجمال، فقد خاطب ربه بأنه يحب الجمال مصداقا لما روي عن عائشة رضي الله عنها: “كان نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه على الباب، فخرج يريدهم وفي الدار ركوة فيها ماء، فجعل ينظر في الماء ويسوي لحيته وشعره، فقلت: يا رسول الله وأنت تفعل هذا! قال: نعم إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيئ من نفسه، فإن الله جميل يحب الجمال”.
كما أورد بأنه جاء في أحد الأحاديث: “كان الرسول صلى الله عليه وسلم يسافر بالمشط والمرآة والدهن والسواك والكحل”، أورده البيهقي في “السنن” والإمام القرطبي والإمام الطبراني في “الأوسط” والإمام الغزالي في” آداب المسافر”، ومصداقا لقوله تعالى: ((لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)).
وخلص الحكيم إلى أن الجمال من أروع المخلوقات، وأن الله سبحانه وتعالى جعله في الإنسان والحيوان والطبيعة، واستدل بقولة الشاعر الألماني المسيحي الكبير ريلكه، لما قال: “إن الجمال ليس إلا أول درجات الهول”.
واستدل الحكيم بتجربته الشخصية، بأنه كلما انصرف عن المرأة كلما صرفه الله عن حبها إلى حب الفن، وجعل له من المرأة – حتى وإن كرهها – خادمة لإلهامه الفني، مذكرا بأن ذلك الشاعر الألماني كان واقعا في الحب، ومات أيضا بسبب الحب.. موتة جديرة بشاعر عندما أراد أن يقدم لمحبوبته وردة، اقتطفها من شجرة، فوخزه شوكها، وسال الدم من أصبعه وتسمم فمات،
كما استدل بما جاء في كتابه “أرني الله” (سنة 1935)، “لما ذهب رجل إلى ناسك وقال له أريد أن أرى الله: فأجابه بأن الله سبحانه وتعالى لا يرى بحواسنا الجسدية، ولكنه يتكشف لروحك إذا ظفرت بحبه، فسأل الرجل: كم مثلا، فقال الناسك: حذار الطمع، مستحيل لبشر أن يطيق مثقال ذرة من حبه تعالى، ولكني أسأل الله لك ربع ذرة من حبه، واستجاب الله، وإذا بالرجل يفقد عقله من قوة نور الله سبحانه، وحاول الناس أن يكلموه فلم يسمع، فقال الناسك للناس: لا جدوى، كيف يسمع كلام الآدميين من كان في قلبه ربع ذرة من حب الله؟ والله لو نشرتموه بالمنشار لما علم بذلك”.
فربع ذرة من نور الله تكفي لتحطيم تركيبنا الآدمي وإتلاف جهازنا العقلي!
لذلك، ومن خلال هذا الحديث لتوفيق الحكيم، يتضح أن حب البشر ما هو إلا جزء يسير من الحب السرمدي اللامتناهي الغير قابل للحساب العقلي أو الجسدي، الذي هو حب الله تعالى، وهو حب أرادت إرادته سبحانه وتعالى أن ينكشف بهدايته لأرواح عباده الكفيلة بالشعور برضاه لها، وهو حب صوفي يترجم بدرجات الإيمان في النفوس البشرية والأرواح التي لم يأت الإنسان من علمها إلا القليل، وتبقى محاولات رجال الفكر من الحكيم وغيره مجرد محاولات للغوص في أعماق العلم كي تفوز بشذرات من النورانية تساعدها على الهداية والمناجاة.
فقد بقي توفيق الحكيم متشككا – كما اعترف بنفسه – أن يكون من الضالين لولا دعوة الأزهر الشريف لشخصه في أن يحضر الاحتفال بعيده الألفي، واعتبر ذلك إشارة ورسالة مطمئنة من علمائه بأنهم لا يعتبرونه من الضالين، وهي شهادة كافية على مدى اتساع صدر فقهاء الدين لهفوات المفكرين والأدباء والشعراء والفلاسفة، ولمحاولاتهم في مناجاة خالقهم، والذين يقرون بوجوده وعظمته ولكن يختلفون في طريقة الوصول لهذه الحقيقة التي يصل إليها المؤمن أحيانا بفطرته.



