ملف الأسبوع | محاولة إحياء دور لجان تقصي الحقائق في قص أجنحة الحكومة
بين التاريخ والحاضر

لا حديث مؤخرا إلا عن حقيقة أرقام الدعم الحكومي للحوم الحمراء، حيث أثارت الأرقام المسربة جدلا كبيرا، ويتعلق الأمر بـ 13 مليار درهم، وهو المبلغ الذي كان من شأنه، لو ذهب إلى جيوب المغاربة، أن يجعل سعر اللحوم الحمراء عند أقل من 30 درهما والله أعلم.. وعند رواج هذا الرقم، سارعت الحكومة إلى تكذيبه، لكن الطامة الكبرى ظهرت عندما خرجت أكثر من وزارة لتقدم أرقاما متضاربة، الأمر الذي دفع المعارضة إلى الدعوة إلى تشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق، وهو المقترح الذي قابلته الحكومة بالرفض، لذلك يقترح هذا الملف استعراض لجان تقصي الحقائق التي تم تشكيلها عبر تاريخ المغرب، وكيف كانت دائما تعري الواقع وتضع النقط على الحروف وتكذب أرقام الحكومة.
أعد الملف: سعد الحمري
أول لجنة لتقصي الحقائق قضت بوجود تسريب لامتحانات البكالوريا
تفجرت في سنة 1979 فضيحة قوية، عندما أثيرت قضية تسريب امتحانات البكالوريا في ظل حكومة المعطي بوعبيد، التي كان فيها عز الدين العراقي يشغل حقيبة وزارة التربية الوطنية، حيث أثارت المعارضة آنذاك عاصفة من الانتقادات ضد حكومة بوعبيد، وتحت ضغط البرلمان، تطلب الأمر مع هذه الفضيحة تشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق.
وفي ظل هذا السياق، أمر الملك الراحل الحسن الثاني بتشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق برئاسة العلوي الحافظي، وبعد مخاض، صادق مجلس النواب على الملتمس الرامي إلى تكوين لجنة برلمانية للبحث والتقصي، في 30 ماي 1979، حول سير امتحانات البكالوريا لدورة ماي 1979، وقد تشكلت اللجنة من 21 عضوا يمثلون كل الفرق البرلمانية.
باشرت اللجنة أعمالها، حيث طلبت من وزارة التربية الوطنية وتكوين الأطر موافاتها بالوثائق التالية: ملفات نيابات التعليم، محضر اجتماع عقد بالوزارة حول امتحانات البكالوريا، موضوعات امتحانات البكالوريا الدورة الأولى حسب الشعب، لائحة المشرفين على التصحيح، لائحة المفتشين المشرفين على الاختبارات الكتابية، وإضافة إلى ذلك، طلبت لجنة تقصي الحقائق محاضر الشرطة القضائية التي حققت في القضية بمدينة الخميسات.
وعلى ضوء هذه المعطيات، شرعت اللجنة في عملها الذي استغرق مدة لا تقل عن 60 ساعة مستمعة إلى 62 شاهدا، كما زارت مراكز الجهات التي أثيرت فيها القضية، ويتعلق الأمر بكل من الرباط ومراكش وفاس، وقد خلصت نتائج أشغال هذه اللجنة، بعد خمسة أيام من التحري، إلى رأيين: رأي أول يرى فيه أربعة أعضاء أنه ليس هناك تسريب للامتحانات بالمرة، وأن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد أعمال غش وتدليس عادية، قصد خلق جو من البلبلة والإضرار بحسن سير الامتحان، أما الرأي الثاني، فقد اجتمع حوله سبعة عشر عضوا، أقروا مجتمعين بوجود تسريب في امتحانات البكالوريا مع اختلاف في تحديد مداه.
وبذلك تم إقرار وجود تسريب امتحانات البكالوريا، غير أن الأمر لم يحظ بتغطية إعلامية كبيرة، نظرا لأن قضية الصحراء كانت في أوجها خلال تلك المرحلة، وخصوصا بداية محاولة الجزائر البحث عن عضوية دائمة لجبهة البوليساريو في منظمة الوحدة الإفريقية، إضافة إلى الانقلاب الذي حصل على الحكم في موريتانيا، وأخيرا وهو الأهم، تخلي موريتانيا عن منطقة الداخلة ووادي الذهب ومبايعة أهلها للملك الحسن الثاني، وهي أحداث غطت بقوة على هذه الفضيحة، ولم تترك لها هامشا لتعتبر قضية رأي عام على الصعيد الوطني.
1990.. عندما عرت اللجنة واقع المغرب ووقفت على اختلالات خطيرة
بعد إحدى عشر سنة من هذه التجربة، رغم عدم إعطائها حقها كآلية للرقابة، كان المغرب على موعد جديد مع تجريب هذه الآلية مجددا.. فقد وقعت أحداث شهر دجنبر 1990 في كل من فاس وطنجة، خلفت موتى وجرحى، وأضرارا كبيرة في الملك العام، إضافة إلى اهتزاز صورة المغرب دوليا بفعل التدخل العنيف لرجال الأمن من أجل تفريق المتظاهرين، إلى جانب التعتيم الإعلامي الذي مارسته السلطات الحكومية حول المعطيات المقدمة لوسائل الإعلام الدولية.
ولقد عجل هذا الأمر بتكوين لجنة جديدة لتقصي الحقائق، بناء على طلب التماس تقدمت به رئاسة مجلس النواب نيابة عن كافة الأطراف والمنظمات السياسية والنقابية، وقد تمت الموافقة الملكية على تشكيل هذه اللجنة التي ضمت 25 عضوا، منهم 9 أعضاء من المعارضة، وباشرت مهامها انطلاقا من يوم 28 دجنبر 1990، واستمرت سنة كاملة..
قدمت اللجنة تقريرا من اثني عشر صفحة للملك، في دجنبر 1991، وبخصوص أسباب ما وقع، فقد عددتها اللجنة في خمسة أسباب، وهي: أولا؛ الجو العام المهيمن، كأحداث الخليج، وعدم وصول الحوار بين أرباب العمل وممثلي السلطة إلى نتائج. ثانيا؛ استغلال الدعوة إلى الإضراب من طرف بعض الذين لهم سوابق، حيث قاموا بأعمال نهب وتدمير (وهذا يتوافق تماما مع رواية وزارة الداخلية). ثالثا؛ أن القاسم المشترك بين المتظاهرين هو قدومهم من أحياء الصفيح. رابعا؛ اتخاذ قرارات من المسؤولين المحليين غير موفقة، إضافة إلى ضعف الاحتياطات الأمنية. خامسا؛ أن ارتفاع عدد القتلى راجع أساسا إلى عدم توفر رجال الأمن على التجهيزات والوسائل الحديثة.
أما بخصوص الأرقام المقدمة من طرف الحكومة حول ضحايا هذه الأحداث، فقد أكدت اللجنة أن البلاغات والمعلومات التي أعلنت عنها المصادر المسؤولة حول ضحايا الأحداث، لم تكن مطابقة للنتائج التي وصلت إليها، حيث أن عدد الموتى الذين صرحت بهم الحكومة وهو 23 قتيلا، غير حقيقي، وأن العدد الحقيقي بناء على تحقيق اللجنة هو 42.
وفيما يتعلق بالخلاصات التي خرجت بها اللجنة، فهي ست خلاصات: أولا؛ إن أعضاء اللجنة يؤكدون على ضرورة الإسراع بمعالجة المشاكل المتعلقة بالسكن الصفيحي والسكن غير اللائق والبناء العشوائي، واتخاذ التدابير اللازمة لتحديد المسؤوليات بخصوص المخالفات والتجاوزات. ثانيا؛ يدعو أعضاء اللجنة إلى بذل المزيد من الجهود على جميع المستويات، للنهوض بمدينتي فاس وطنجة، وكل المناطق التي توجد بها أوضاع مشابهة، قصد التخفيف من حدة الهجرة ومن البطالة، ومن ارتفاع الكثافة السكانية لتلافي مثل تلك الحوادث في المستقبل. ثالثا؛ تدعو اللجنة إلى ضرورة إعادة النظر في التمركز بالنسبة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله، التي تضم أكثر من 43 ألف طالب ينتمون إلى 21 إقليما من مختلف أقاليم المملكة، وذلك بتوزيع الكليات على بقية الأقاليم التابعة للجهة. رابعا؛ تؤكد اللجنة أن الأسلوب الذي تعاملت به الجهات المختصة مع الرأي العام فيما يتعلق بالتصريح بضحايا الأحداث ولجوء هذه الجهات إلى عدم الكشف عن الأرقام الحقيقية، ترك الباب مفتوحا أمام الدعاية المعادية للمغرب من أجل تضخيم وتهويل الأحداث والنفخ في عدد الضحايا، مما يدعو في المستقبل إلى تجنب كل ما من شأنه أن يؤدي إلى خلق البلبلة والمس بمصداقية وسائل الإعلام. خامسا؛ إن أعضاء اللجنة يدعون الحكومة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل مساعدة الأشخاص الذين تضرروا في أموالهم وأملاكهم من جراء أعمال الشغب، والذين ثبت أنهم محقون في التعويض. سادسا؛ وتدعو اللجنة الحكومة إلى ضرورة توفير كل الحاجيات لقوات الأمن من وسائل وتجهيزات حديثة، وأجهزة مخصصة لتفريق المظاهرات والتدخل لمنع قيام أعمال الشغب، تجنبا لاستعمال الذخيرة الحية.
1995.. عندما أقرت لجنة تقصي الحقائق بشساعة الأراضي المخصصة لزراعة “الكيف”
بعد هذه اللجنة بخمس سنوات، أي سنة 1995، كان المغرب على موعد مع تشكيل لجنة تقصي حقائق أخرى.. فبعدما كان المغرب مرشحا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية على صدر صفحتها الأولى، تقريرا يتعلق بإنتاج المخدرات والاتجار بها في المغرب، وأثار التقرير ردود أفعال من أعلى مستوى داخل المغرب وخارجه، مما أدى إلى تشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق في موضوع المخدرات، بتاريخ 28 دجنبر 1995، تكونت من 20 عضوا من مختلف الفرق النيابية، وعقدت اللجنة أول اجتماع لها يوم الإثنين 25 مارس 1996، حيث انتخبت رئيسها ونائبها والكاتب والمقرر ونائبه، وكان للجنة أجل أقصاه ستة أشهر لجمع كل المعلومات والوقائع المتعلقة بالموضوع، وعقدت اللجنة عدة جلسات بلغت أربعة عشر جلسة، استدعت خلالها مسؤولين للإدلاء بالإفادات والمعلومات المرتبطة بالموضوع، منهم وزير الدولة في الداخلية، وزير الصحة، وزير الفلاحة والاستثمار الفلاحي، مدير الجمارك بالنيابة، ووزير المالية والاستثمارات الخارجية، إضافة إلى المدير العام لشركة التبغ، وقائد الدرك الملكي.
وعند انتهاء اللجنة من تحرياتها، رفع التقرير إلى البرلمان يوم الخميس 26 شتنبر 1996، والذي تضمن التوصيات والخلاصات التي توصلت إليها اللجنة، وكان من أهمها، الإقرار بحقيقة الوضع فيما يخص قضايا المخدرات، حيث اعترفت اللجنة بشساعة المساحات المزروعة والتي قدرت بحوالي 70000 هكتار، وقدرت أن إنتاج “الحشيش” عام 1995 لوحده بلغ 1500 طن.
كما أقرت اللجنة بأن هذا المشكل مشكل وطني مغربي، يحتاج لحلول مغربية في إطار سياسة شمولية، تضع برنامجا طويل المدى لإرساء بنيات بديل تنموي لحل مشكلة زراعة “الكيف” بالتركيز على منطقة الريف بصفة عامة والمناطق المعنية بهذه الزراعة بصفة خاصة.
وإضافة لذلك، فقد أكدت اللجنة عدم كفاية الوسائل المعبأة بشريا وتجهيزيا وقانونيا لمواجهة قضايا المخدرات بنجاح على مستوى المكافحة وعلى مستوى الوقاية والعلاج والتحسيس والتوعية، إضافة إلى التأكيد على أن مسؤولية المحيط الخارجي كانت ولا تزال قائمة، إذ المؤكد أن الانتشار الواسع والسريع لزراعة الكيف وارتفاع إنتاجه وتزايد حجم المحول منه ومن الكميات المهربة إلى الخارج.. كل ذلك جاء بالأساس استجابة للطلب المتزايد من الخارج واستهداف المغرب بحكم موقعه من طرف شبكات التهريب والترويج الأجنبية، التي لم تكتف بتهريب “الكيف” ومشتقاته من المغرب إلى الخارج، بل إنها حاولت أن تجعل من المغرب معبرا لتهريب المخدرات القوية، وخاصة من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا، وأيضا سوقا للاستهلاك والمقايضة ولو أن الأمر لا زال محدودا على هذا المستوى.
كما ألحت اللجنة على الدور الذي يجب أن تلعبه وكالة تنمية أقاليم الشمال في الاهتمام بمناطق الريف والانكباب بصفة خاصة على المناطق المعنية مباشرة بزراعة “الكيف”، من خلال تشخيص دقيق لمعطيات الواقع العميق لهذه المناطق اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا.
عهد الملك محمد السادس.. لجان تقصي حقائق أقرت بمسؤولية الدولة وأعفت مسؤولين من مهامهم
كانت سنة 2008 على موعد مع لجنة تقصي حقائق جديدة، على خلفية ما يعرف بـ”السبت الأسود” بمدينة سيدي إفني.. فبعدما احتج سكان المدينة على وضعهم وحاصروا الميناء، قامت قوى الأمن بإنزال مكثف بمدينة سيدي إفني محملة بآليات ومعدات، واستعملت في إخماد الاحتجاجات الاجتماعية، الهراوات والغازات المسيلة للدموع، والرصاص المطاطي، وحتى أحجار “المقلاع”، كما شرعت في مداهمة البيوت، وتكسير أبواب المنازل، وسرقة أمتعة وأغراض المواطنين وترويعهم وإرهابهم، والعبث بأثاث المنازل وتهشيمها وضرب الساكنة من طرف القوات المساعدة وقوات التدخل السريع، كما اقتيد البعض إلى مفوضية الشرطة وهناك تعرضوا للضرب والتعري، وإضافة لما سبق، تعرضت النسوة للتحرش الجنسي .
هذه الأحداث الخطيرة والمؤلمة، استدعت تكوين لجنة برلمانية لتقصي الحقائق بتاريخ 18 يونيو 2008، تعرضت أثناء سير عملها لمجموعة من الضغوط ولم تستمع لكبار المسؤولين الأمنيين، الذين كانت لهم مسؤوليات مباشرة عن تلك الأحداث الرهيبة، وبالموازاة مع لجنة التحقيق البرلمانية، شكلت 14 هيئة حقوقية لجنة للتقصي خرجت بتقرير تحت عنوان: “تقرير اللجنة الحقوقية المشتركة لتقصي الحقائق حول أحداث سيدي إفني”، وصفت فيه ما جرى بـ”العقاب الجماعي”.
ثم تشكلت لجنة أخرى لتقصي الحقائق حول أحداث “إكديم إيزيك” وأعمال العنف والشغب بمدينة العيون، بتاريخ 27 نونبر 2010، ثم تشكلت لجنة أخرى حول فيضانات كلميم سنة 2015، غير أن مآلات هذه اللجنة لم تظهر إلى اليوم. وأخيرا هناك لجنة تقصي الحقائق التي تشكلت سنة 2017 على خلفية تعثر مشروع “الحسيمة منارة المتوسط”، التي كان من نتائجها إعفاء مسؤولين كبار ووزراء في حكومة سعد الدين العثماني.




