تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | سيناريوهات “تقرير مصير المينورسو” في الصحراء

المحامي الذي قدم دراسة سبقت اجتماع مجلس الأمن

كل المؤشرات تؤكد أن جلسة مجلس الأمن التي انعقدت بشكل مغلق يوم الإثنين المنصرم، تؤكد وجود “تحرك كبير” لطي ملف النزاع حول الصحراء، بل إن جل المحللين ذهبوا في اتجاه شرعنة تفاؤل غير مسبوق حول إمكانية “طي الملف” بشكل نهائي خلال مدة لا تتجاوز 8 أشهر، وسبحان مبدل الأحوال.. فقد سجل الملاحظون تحول مواقف المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة نحو استعمال لغة غير مسبوقة، تصب في اتجاه “دعم” الطرح المغربي، بعد سوابقه المعروفة في العداء(..)، حيث بات يتحدث عن “الزخم الراهن” و”الإشارات الإيجابية”، التي يمكن استثمارها(..)، ليتم تكريس هذا التفاؤل بعد تصريح قطب الدبلوماسية المغربية، السفير عمر هلال، الذي قال عقب هذا الاجتماع في تصريحات صحفية، إنه “يتمنى أن تكون الذكرى 50 للمسيرة الخضراء مناسبة لطي ملف الصحراء نهائيا”.

إعداد: سعيد الريحاني

تتمة المقال تحت الإعلان

    صبري الحو (تذكروا هذا الاسم دائما)، هو واحد من أعضاء “الصف الأول” في الدفاع عن الوطن، ذلك الصف الذي لا يفترض الحصول على رقم تأجير دائما(..)، شأنه شأن آخرين ممن يتحركون من أجل الوطن بعيدا عن الشعبوية(..)، وهو محامي بمكناس، وخبير في القانون الدولي، وقضايا الهجرة ونزاع الصحراء، والرئيس العام لأكاديمية التفكير الاستراتيجي، وعضو لجنة الدبلوماسية الموازية داخل جمعية هيئات المحامين بالمغرب.. كان قد سبق مجلس الأمن بتقديم “تقدير موقف” (وهو عمل لا يقوم به أي كان)، وهو عبارة عن دراسة ترسم ملامح مستقبل تواجد بعثة “المينورسو” في الصحراء (تنشر الأسبوع جل فقراتها في هذا العدد)، ذلك أن السؤال المطروح اليوم، بغض النظر عن اجتماع مجلس الأمن الذي سيتبعه اجتماع آخر مستقبلا (أكثر إلزاما)، هو: “ما هو مستقبل وجود بعثة المينورسو في الصحراء”؟ “كيف سيتم تقرير مصير بعثة المينورسو في ظل التطورات” ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

يقول صبري الحو من خلال جواب عن إشكال: “الحكم الذاتي ومستقبل بعثة المينورسو على ضوء البيئة الإقليمية والدولية الجديدة وديناميكية المغرب لحسم نزاع الصحراء”: ((إن محاولة رسم مستقبل بعثة المينورسو، هو في حقيقته خوض في أطروحات الحل؟ ومحاولة رصد وترجيح أي منها الأجدر أو الممكن التحقق؟ مراعاة في ذلك لمدى مطابقتها مع توجيه مجلس الأمن المحدد لمواصفات وشروط وأركان الحل؟ ومراعاة لمراكز الأطراف وإمكانياتها وحظوظها في الحفاظ عليها وتحسينها وتعزيزها؟ وكذا موازين القوى في علاقتها بتغيير طال رأي البيئة الإقليمية والقارية والدولية لصالح المغرب، واحتمالات التأثير على نهايات النزاع ونهاية بعثة المينورسو بالتبعية)).

تتمة المقال تحت الإعلان

الأدوار “الخفية” لبعثة “المينورسو”

    بلغة أكثر وضوحا، يسافر المحامي صبري بين الماضي والحاضر، دون خوض في التاريخ العميق(..)، ليقدم تشخيصا لوضع “المينورسو” أولا، حيث يقول في محور تحت عنوان: “أدوار المينورسو بين الماضي والحاضر من القانون إلى جوهر السياسة في غلاف القانون”: ((رسى واستقر دور المينورسو الرسمي والعلني، بعد استنفاذ هدفها الأول، الذي كان إجراء الاستفتاء لتحديد الوضع النهائي لإقليم الصحراء، في مراقبة وقف إطلاق النار وفي إزالة الألغام.. بيد أن دور بعثة المينورسو يمتد إلى أدوار أخرى غير رسمية وغير واضحة، تتم في الخفاء وفيما يشبه السرية، وتدافع الأمم المتحدة، والمينورسو نفسها، عن أحقيتها في هذه المهام والأعمال والتصرفات، بكونها حيوية وضرورية للدفع بالعملية السياسية نحو الأمام، وفي اتجاه الحل بإجبار الأطراف على التفاعل الإيجابي وكسر الجمود والتصلب لصالح مواقفها، كما تعتبر هذه الأعمال منبع وبنك المعلومات لكل أجهزة الأمم المتحدة تنهل منها من أجل سداد موقف أو بناء تقرير أو اتخاذ قرار استنادا إلى وقائع ومعطيات ومعلومات مستقاة من الواقع ومن عين المكان.

وتدور هذه المهام، التي طابعها استخباراتي سياسي وحقوقي، في جمع المعلومات والقيام بالمعاينات وإجراء اللقاءات خارج ولاية البعثة العسكرية، في فعل مراقبة وقف إطلاق النار، وتجد بعثة “المينورسو” صعوبة في حرية اللقاءات مع محاورين جدد وخارج المعنيين كأطراف في النزاع، وهو أحد أسباب إقالة كريستوفر روس، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ما قبل السابق، لأنه اعتبر ذلك جزء من آلية وطريقة عمله التي أطلق عليها “النهج المبتكرة”.. وهذه الصلاحيات التي تحاول “المينورسو” تمليكها وحيازتها ومنحها وضمها لنفسها، تجد صعوبات ومعارضات ومقاومة شديدة، بدءً عند محاولات تقديم التوصية والاقتراح إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار بترسيمها ومأسستها على غرار التوصية الأمريكية لتوسيع مهام “المينورسو” لتمتد وتطال حقوق الإنسان، والتي تقدمت بها السفيرة الأمريكية الدائمة  بمجلس الأمن، سوزانا رايس، سنة2013 ، وتم سحبها تحت ضغط الاحتجاج المغربي قبل بداية مناقشات مجلس الأمن، كما تلقى محاولات “المينورسو” لممارسة هذه الصلاحيات دون حصولها على رخصة قانونية من مجلس الأمن، قيودا على أرض الواقع، وهو ما يتم تجاوزه من طرفها عن طريق توظيف واستخدام أشخاص للقيام بذلك لحسابها سرا)) (المصدر: منقول حرفيا من دراسة المحامي صبري الحو).

صبري الحو: عمل “المينورسو” يمتد لأدوار استخباراتية وحقوقية ولا يقف عند مراقبة وقف إطلاق النار وإزالة الألغام

لماذا يرفض المغرب توسيع صلاحيات “المينورسو” ؟

    يرجع سبب الرفض المرتبط بجانب المغرب، إلى كون اختصاص “المينورسو” حصري في القيام بمهمتي إزالة الألغام ومراقبة وقف إطلاق النار، وأن المغرب كدولة، هو الطرف الأساسي المعني بالحوار والمفاوضات والمناقشات والزيارات على حد سواء، وهو سيد في اختيار مكان الزيارة، وله الحرية في انتقاء أو اختيار أو انتداب وتوكيل من يتولى أو يتولون حضور المفاوضات ومناقشات الموائد المستديرة أو المناقشات الثنائية بمقرات الأمم المتحدة، ولهذا يرفض المغرب ويحتج ولا يقبل بالتوسع في منح الصفة أو الأهلية أو مصلحة المشاركة لصالح محاورين جدد وآخرين، سواء من داخل المغرب أو من خارجه، دون موافقته، وعلى هذا الأساس، احتج المغرب على زيارة دي ميستورا إلى جنوب إفريقيا بأجندة مناقشة نزاع الصحراء رغم انعدام أي علاقة لها بالملف.

أضف إلى ذلك، أن المغرب يعتبر ويكيف التوسع في منح بعثة “المينورسو” اختصاصات أخرى، أنه لا يستند إلى أي إطار قانوني بعد استنفاذ البعثة للشق المدني والسياسي، بعد تخلي الأمم المتحدة عن المقاربة القانونية في شكل آلية الاستفتاء المعتمدة في إطار خطة التسوية واعتماد مقاربة جديدة هي المقاربة السياسية، منذ سنة 2004، وعمليا بمقتضى القرار رقم1675/2006 ، وهو المبرر والسبب الذي اعتمده وارتكز عليه المغرب عندما قام بطرد وتقليم الشق المدني من عضوية طاقم بعثة “المينورسو” المعتمدة لدى المغرب، إبان الأزمة مع الأمين العام السابق بان كي مون، بعد تصريحاته المستفزة داخل مخيمات تندوف في وصفه لمعاناة اللاجئين وربطها تعسفا بالمغرب، في خروج فج عن مبادئ الحياد.

ويعتقد المغرب، وهو على جادة الصواب في ذلك، أن إصدار موافقة أو مصادقة من مجلس الأمن على توسيع مهام “المينورسو”، سيزاحم ويشوش على شرعية ومشروعية سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وهي التي يتنامى الاعتراف له بها يوما بعد آخر، وستتحول هذه السيادة الفعلية إلى مجرد إدارة، وهي رغبة وإرادة وسعي واشتغال خصومه من أجل إعادة تكييف في طبيعة حيازة المغرب لهذه الأقاليم بسبب السيادة، لإعطاء انطباع زائف بأن ضم وسيطرة المغرب هي بناء على مفهوم الإدارة الذي يمنحه ميثاق الأمم المتحدة للمستعمر في علاقته بالأقاليم التي يسيطر عليها، والحال أن علاقة المغرب بالأقاليم تستند إلى شرعية التاريخ والبيعة الشرعية، وهي روابط مرجحة من الناحية القانونية ومؤكدة بمقتضى قرار قضائي صادر عن محكمة العدل الدولية.

كما أن المغرب يعتبر المهام موضوع الاقتراح بالتوسيع ومنه لبعثة “المينورسو”، والمرتبطة بحالة حقوق الإنسان وبمدى احترام المؤسسات الوطنية لها، سواء في متن السياسات العمومية وصلب السياسات العامة، أو في سلوك الموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين داخل الإقليم، هي مهام منوطة بمؤسسات وطنية حقوقية وتضطلع بها، ومشهود لها بالجدية والمصداقية أمميا في ملاحظات وتوصيات تقارير الأمين العام للأمم المتحدة وفي قرارات مجلس الأمن، في إثارة ومعالجة كل الملفات العارضة وذات العلاقة بالوضع بالإقليم والنزاع، وإن تقديم توصيات وطلبات للتوسع في اختصاص “المينورسو” لتشمل حقوق الإنسان تبعا لكل ذلك، هو تحصيل حاصل.

“المينورسو”.. مهمة محفوفة بخطر البوليساريو

    أما الطرف الآخر: الجزائر، فإنها تحرض البوليساريو على عرقلة مهام عناصر وقوات بعثة “المينورسو” شرق الجدار الدفاعي الأمني المغربي، وخاصة في محرم المنطقة العازلة، لمنعهم من القيام بمهام مراقبة وقف إطلاق النار، وجعل هذه العمليات عسيرة وبطيئة ومتأخرة، وجعل الخوف يدب إلى أعضاء وموظفي البعثة على أمنهم وحياتهم، وهو الخوف الذي يعبر عنه في كل مرة الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الخاص الذي هو رئيس بعثة “المينورسو”، وما فتئت البعثة تقر في كل دراسة دورية للحالة في الصحراء، أو إحاطة من المبعوث الشخصي للأمين العام لمجلس الأمن، بعجزها عن القيام بهذا الاضطلاع بالمهمة شرق الجدار، تبعا للصعوبات المفتعلة من طرف البوليساريو، والتي كيفها تقرير “المينورسو” الذي قدم في إطار إحاطة المبعوث الشخصي أمام مجلس الأمن بتاريخ 14 أبريل، بالممنهجة أو حتى بسبب شساعة المنطقة، وتطلب البعثة الاستعانة بتقنيات تكنولوجية من أجل إنجاز تلك المهام.

وغاية الجزائر والبوليساريو في اختلاق تلك المشاكل والعراقيل والصعوبات.. هي سعي حثيث من قبلهما لضم تلك المنطقة عبر تغيير الوضع القائم فيها بشكل خفي وخارج المراقبة الأممية، والدفع باعتبارها أراض تقع تحت سيطرة البوليساريو، التي يطلقون عليها “الأراضي المحررة”، ومحاولاتهم إعمار وإغراق المنطقة العازلة بالمدنيين، وهو قرار اتخذه ما يسمى بالمجلس الشعبي للبوليساريو سنة 2014، ولاحظ كما عاين الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره لسنة 2015، وبواسطة “المينورسو”، حركة مكثفة لعناصر البوليساريو في المنطقة ومحاولات تثبيت وإقامة  رموز بها، وهي المحاولات التي تصدى لها مجلس الأمن بأمرها بالانسحاب، وبمنع القيام بأعمال جديدة تغير من الوضع القائم (راجع تقارير الأمين العام وقرارات مجلس الأمن منذ سنة 2016).

خلفيات إصلاح أدوار بعثة المينورسوودور أمريكا وإسبانيا وفرنسا

    في محور تحت عنوان: “خلفيات إصلاح المينورسو ودور أمريكا وإسبانيا وفرنسا في خلق بيئة إقليمية ودولية جديدة تدعم الحل المغربي”، يقول صبري الحو: ((بعد التحولات الجديدة والجذرية التي عرفها اختصاص بعثة المينورسو، وانتقاله من اختصاص مزدوج سياسي مدني وعسكري، إلى مجرد عسكري محض، والذي استقر على مراقبة وقف إطلاق النار وإزالة الألغام، فإن نفس الفلسفة والخلفية من إنشائها بقيت قارة ثابتة لا تتغير، وهي ذات أولوية: خدمة العملية السياسية، ويستوي مثلما لا يغير من هذا الهدف، فشل مخطط التسوية بعجز الأمم المتحدة عن تنفيذه بعد أن استحال عليها الوصول إلى حسم أو توافق حول القاعدة والجسم الانتخابي المؤهل للمشاركة في الاستفتاء، وتخليها عنها، والانتقال إلى اعتماد مقاربة جديدة، وهي المقاربة السياسية المعتمدة والقائمة حاليا.. والآن، على إثر اتخاذ الأمانة العامة للأمم المتحدة لمخطط استراتيجي منذ سنة 2016، لجعل أعمال مجموعة من البعثات الأممية عبر العالم بما فيها “المينورسو”، ناجعة في اختصار الوقت وترشيد في التكاليف وتخفيض في النفقات واختيار جيد للعناصر البشرية المؤهلة على أساس ضمان مشاركة النوع وحضور عنصر النساء في سبيل النجاعة لتحقيق الأهداف)) (نفس المصدر).

بوريطة والأمين العام للأمم المتحدة غوتيريس

التمييز بين السيادة المغربية وحل الحكم الذاتي و”الهمسة” في أذن بوريطة

    تحت عنوان: “الدول بدأت تميز بين السيادة التي هي مغربية مطلقة وبين الحل الذي هو الحكم الذاتي القابل للتطوير”، يقول المحامي صبري الحو، وهو “صاحب القلم” في فقرات هذا التقرير: ((لقد بدأت الدول تفرق بين ما أسميه التمييز بين السيادة والحل: فالسيادة تبقى في جميع الأحوال مغربية بدون منازع، وتحظى بإجماع إسناد الدول الكبرى، منها التي لها حق النقض، وأخرى من الدول أصدقاء الصحراء ودول أخرى تؤيد المغرب، ويتم وصف هذه السيادة وتكييفها بأنها تكتسي طابع الشرعية والمشروعية، وتمييز هذا الموقف والقرار عن ماهية وطريقة حل النزاع، الذي يعتبرونه الحكم الذاتي فيما يعتبر مساندة ثانية ودعما مزدوجا وإضافيا للمغرب.. تأييد على مستوى السيادة وتأييد لمشروع الحل الذي يطرحه ويعرضه المغرب نفسه، ومن تم لا أتصور – مثلما لا أفترض – بداية للمناقشات أو المحادثات، أو حتى المفاوضات خارج قاعدة الحكم الذاتي.. وأرجو أن يكون هذا هو السر الذي تفطن له وزير الخارجية المغربي مؤخرا عند استقباله للمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، عندما تشبث من جديد بكون المغرب يجعل الحكم الذاتي قاعدة للمفاوضات، وحلا نهائيا للنزاع، وتراجع وزير الخارجية بذلك عن الأخطاء السابقة، عندما صرح لنفس المبعوث الشخصي، ستيفان دي ميستورا، خلال زيارته للمغرب سنة 2023، عن عدم اعتراض المغرب على بداية المناقشات من أي مبادرة أخرى وتصريحه له سنة 2024 بأن أولوية المغرب أنه منهمك في حشد التأييد الدولي لمبادرته بالحكم الذاتي، كما أرجو أن يكون المغرب قد استعد بشكل جيد لتلك المرافعات والمناقشات.

فالسيادة مغربية بدون منازع ولا مشارك ولا تشويش، والمغرب يقبل تنازلا بسيطا عن سيادته المطلقة من مظاهر ممارستها المطلقة، بمنحه وتفويضه لساكنة الإقليم، وهم مواطنوه، حق إدارة شؤونهم بأنفسهم بواسطة مؤسسات محلية مستقلة عن المركز ومتقدمة عن مشروع الجهوية الموسعة والمتقدمة، ولا يصل هذا الاستقلال والتفويض حد الفيدرالية ولا الكونفدرالية ولا الانفصال، الذي يكيف مبادرة المغرب حلا وسطا للنزاع.

وما يميز مبادرة المغرب بالحكم الذاتي، أنها ليست مغلقة، بل مرنة ومنفتحة، لأن المغرب جعلها مجرد أرضية قابلة للتطوير عبر المناقشات والمحادثات والمفاوضات، والشرط الوحيد الذي يضعه المغرب هو بقاء الصحراء تحت سيادته، والذي يتقاطع مع اعتراف الدول له بشرعية هذه السيادة، والشرط الثاني هو وضع حد نهائي للنزاع حتى لا يتم اتخاذ الحكم الذاتي، الذي سيمنحه للإقليم، لبنة لمطالبات مستقبلية بالانفصال.

وهو نفس النهج الذي اختارته الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنة 2020، بإعلان نفس الرئيس الحالي دونالد ترامب بعد إعادة انتخابه للمرة الثانية بمقتضى مرسوم رئاسي، عن اعتراف أمريكا بسيادة المغرب على كل الصحراء في إطار خارطة طريق دقيقة ومضبوطة محددة الأطراف والآلية والمسار والنهاية بحل النزاع في إطار سيادة المغرب، وهو المرسوم الذي أسميه بـ”قرار مقترن بالالتزام بالتنفيذ”، إذ أخذت أمريكا على عاتقها التزاما بالحل تجاه المغرب، وليس فقط مجرد التعبير عن موقف لصالح سيادته ومؤيد لمبادرته بالحكم الذاتي، وهو الالتزام الذي أكده البلاغ الأخير الصادر عن الخارجية الأمريكية عقب استقبال وزير الخارجية المغربي من طرف وزير الخارجية الأمريكي، وعلى نفس المنوال ونفس النهج، كان الإعلان والدعم الإسباني ثم الفرنسي، ثم مجموعة أخرى كانت بدورها أكثر جرأة واتخذت خطوات تنفيذية وعملية على أرض الواقع، وفتحت مراكز قنصلية لها في الإقليم.

وبعد عودة الرئيس دونالد ترامب إلى رئاسة أمريكا، واتخاذ الولايات المتحدة لقرارات بوقف أو تخفيض تمويلها لمجموعة من المنظمات والبعثات الأممية، كان الجميع يتطلع إلى اكتشاف ومعرفة كيف ستنعكس كل تلك القواعد والمواقف والقرارات والمتغيرات على مستقبل بعثة “المينورسو” وبالتبعية على نزاع الصحراء؟ وسارعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى وضع حد للتكهنات باستمرارها على نفس الموقف وتأكيده ودعوة الأطراف إلى استئناف المناقشات دون تأخير من أجل الوصول إلى تثبيت الحكم الذاتي تحت سيادة المغرب.

لماذا لا يتفاعل المغرب مع خرق البوليساريو لاتفاق وقف إطلاق النار ؟

    مبدئيا، ومن الناحية القانونية والسياسية، ولو شاء المغرب.. فإنه في حِلٍّ من الاستمرار في الالتزام بوقف إطلاق النار بعد أن خرقت وانسحبت البوليساريو من اتفاقها الذي التزمت به مع الأمم المتحدة تبعا للرابط القائم بين وقف إطلاق النار والعملية السياسية بمقتضى القرار الأممي رقم 690/1991، بيد أن المغرب يؤمن بأن التزامه قائم مع الأمم المتحدة كطرف أساسي عليهما التزامات متقابلة، وليس مع البوليساريو، التي تعتبر بالنسبة له من الغير، ويعتبرها المغرب مجرد أداة في يد الجزائر.. هذه الأخيرة كطرف حقيقي رئيسي في إطار ضابطي خلقها وتسبب لها في المشكل والاستمرار فيه، ومسؤوليتها السياسية والقانونية القائمة في إدراك الحل، وتبعا لكونها دولة اللجوء، واتفاقية جنيف الخاصة باللجوء، الذي يفرض عليها وبقوة القانون الدولي، تدخلا ومسؤولية في إطار إحدى صور الحلول الدائمة لإنهاء اللجوء، منها حالة ذات علاقة بالاندماج في النسيج الاجتماعي للجزائر.

ولهذا لا يتأثر المغرب مثلما لا يتفاعل مع رسالة البوليساريو بانسحابها من اتفاق وقف إطلاق النار، ولا بخرقها لالتزامها مع الأمم المتحدة، لأن أثاره بالنسبة للمغرب نسبية، ولأن المغرب أدرك أن ذلك الفسخ يجعل البوليساريو، والجزائر، المسؤولة قانونيا وسياسيا على أعمال وتصرفات اللاجئين، في مواجهة مباشرة مع الأمم المتحدة، لاسيما وأن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، رفض ما تسميه الجزائر تفويضها إدارة المخيمات للبوليساريو.

ولهذا لا يتأخر المغرب في كل مرة تنتهك البوليساريو وقف إطلاق النار، في مطالبة الأمم المتحدة باحترام التزامها مع المغرب على غرار ما وقع أثناء قطع معبر “الكركرات”، ودخول المنطقة العازلة وإقامة رموز فيها ومحاولات تغيير الوضع القائم فيها بإقامة منشآت وبنايات فيها..

فالمغرب يحث الأمم المتحدة، والدول الكبرى، والمجموعة الدولية، لتستخلص النتائج من ذلك من حيث ضرورة التمييز بينه كدولة وبين مجرد ميليشيا، وتحديد الطرف الأساسي المقابل الذي هو الجزائر، وترتيب المسؤوليات وتوجيهها.. هذه المسؤولية التي أصبحت متشعبة ومتعددة الأوجه وبعيدة المدى والترددات على مستوى التنمية وحرية التجارة والأمن والاستقرار والإرهاب والهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر والجريمة المنظمة وعبر الوطنية، وتتجاوز أثارها السلبية الأطراف لتشمل المنطقة المغاربية والساحل والصحراء، والأمن القومي الأوروبي، وحرية التجارة والسلم والأمن الدوليين..

وسط هذه الأوضاع المعقدة ومن الدرجة الثالثة في الخطورة، ظهر المغرب كقوة إقليمية صاعدة، يعطي باستمرار الدليل ويوفر الحجة بأنه يجمع بين مؤهلات القوة وأخلاق المصداقية وسلوك الجدية التي تجعله قطعة مركزيةforce et pièce maîtresse في المنطقة، بدونه ولولاه، كل المخاطر الداهمة المتشكلة والمترابطة، ستكون أكثر سلبا على نظم التنمية والأمن والاستقرار، ويجعل كل هذه النظم هشة وضعيفة، ومن نتائجها المباشرة الانهزام في مواجهة وأمام جميع التهديدات، والمغرب أظهر مع توالي الأحداث والوقائع قوته وقدرته على السيطرة على الوضع والتحكم في كل التحديات والإكراهات المؤثرة فيه، بما فيها تلك التي تهدد أمن وحياة عناصر بعثة “المينورسو”، التي تشتكي من السياسة الممنهجة المتبعة من طرف البوليساريو لعرقلة عملها، وبالمقابل تشيد بالتعاون الوثيق الذي يقوم به المغرب.

وعلى المستوى النفعي الاقتصادي.. فالمغرب أظهر وفقا لاستقرار نسب التنمية وقدرته على جلب الاستثمار الأجنبي، أنه قوة إقليمية يمكن الاعتماد عليها في المنطقة جسرا أوروبيا نحو غرب إفريقيا وبوابة عالمية نحو العمق الإفريقي، وذلك بفضل الخبرة والمعرفة والشرعية التي اكتسبها بفعل خطته الجديدة في إفريقيا التي ترتكز على الاستثمار الاقتصادي في القارة عبر شراكات عمادها “رابح-رابح” في المشاريع الاستراتيجية واستهداف المواطن الإفريقي البسيط، فيما يشبه المبادرة الوطنية للتنمية البشرية)) (المصدر: فقرات من دراسة المحامي صبري الحو).

ترامب وماكرون

الحلول الممكنة.. رسم مستقبل بعثة “المينورسو” في الصحراء

    يقول المحامي الخبير في قضايا الهجرة: ((“لكل بداية نهاية ولكل مشكلة حل”، لذلك فإنني أعتبر أن كل ما يقع من تدافع بين المغرب وخصومه طبيعي جدا، لأنه يتم بغية تأثير كل طرف في نتيجة الحل لصالحه ومحاولة إسقاط الآخر وإزاحته بعيدا كي لا يؤثر في تركيبة معادلات الحل النهائي، وقد أدرك المغرب أن الحل في النهاية صناعة يمكنه المساهمة والمشاركة بإيمان وبقوة ومهارة وحنكة ودبلوماسية، فانتقل بسرعة وبالضبط منذ سنة 2015، بحثا عن سبيل يوصله إلى ذلك، ونراه اليوم يركز على حشد التأييد الدولي لمبادرته بالحكم الذاتي مع الالتزام بالحزم والصرامة عندما يتعلق الأمر بحقوقه الترابية.. فما هي سيناريوهات انتهاء المينورسو في علاقتها بالحل، سواء في إطار التوافق المطلوب بين الأطراف عبر التفاوض أو حتى بدونه مع فرضية تدخل مجلس الأمن، أو بمبادرة منفردة من أحد الأطراف ؟

الخيار والفرضية الأولى: من الخطأ الاعتقاد بأن المينورسو عصية على إنهاء مهمتها دون توافق جميع الدول الأعضاء الدائمة بمجلس الأمن، بل إن مجرد رفض إحداها لتمديد مهمتها، يؤدي مباشرة إلى نهايتها، لأن استمرارها في ولايتها يتطلب استمرار التصويت بالتأييد والموافقة أو على الأقل امتناع هذه الدول عن التصويت، وأي تغيير خارج هذه القاعدة يؤدي إلى نهاية في ولايتها، ولا أتصور استمرار الجمعية العامة للأمم المتحدة باعتبارها الجهاز الذي يصوت على ميزانيتها السنوية، في التصويت بالموافقة على ميزانية بعثة غير موجودة بعد انتهاء ولايتها لـ”فيتو” ومعارضة أحد الأعضاء الدائمة للتمديد في ولايتها.

الخيار والفرضية الثانية: تعمدت البداية بهذا الخيار عنوة على إثر ما تسرب مؤخرا من معلومات تفيد بأن ستيفان دي ميستورا كمبعوث شخصي للأمين العام للأمم المتحدة، تحدث عن خيار تقسيم الصحراء بين المغرب والبوليساريو، وهو خيار سبق طرحه من ذي قبل في عهد الأمين العام كوفي عنان ومبعوثه الشخصي جيمس بيكر، وقبلت الجزائر والبوليساريو التفاوض من أجله، وراسلت الجزائر رسميا بواسطة وزير خارجيتها آنذاك عبد العزيز بوتفليقة، تنقل له قبولها بخيار التقسيم.

وقد لقيت هذه التوصية بخيار التقسيم، معارضة من طرف المغرب ورفضا قاطعا للتفاوض بشأنه، فاقترح الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك، إزاء حالة رفض التفاوض، عدم جدوى الاستمرار فيه إلا في إطار الضوابط المشار إليها في الفقرة 50 من تقريره عدد 178 بتاريخ 19 فبراير2002 ، والذي ينص على تأجيل كل شيء إلى حين الاتفاق على كل شيء، وفي حالة عدم الموافقة عليه، رغم اعتماد التكتم والسرية، ورغم تأجيل الحسم في كل شيء إلا بعد حصول التوافق على كل شيء، يتقدم مبعوثه الشخصي بطلب إلى مجلس الأمن بالتقسيم على أساس غير تفاوضي يراعى فيه سابق تقسيم المغرب وموريتانيا للإقليم، وبعيدا عن نفس الترتيبات الإقليمية التي كانت قائمة إبان وبتاريخ عملية التقسيم السابقة.

وهو ما يجعل التساؤل وجيها حول الكيفية والطريقة التي أعاد بها المبعوث الشخصي الحالي، ستيفان دي ميستورا، طرح وإحياء هذا الخيار؟ وعلى أي أساس؟ وقياسا على أي ترتيبات؟ لمعرفة هل هو توطئة لصورة وفرضية التقسيم بصورته الثانية غير التفاوضية؟ وفي هذه الحالة، ستستمر بعثة المينورسو في الإقليم بنفس حجمها، ومهما يكن من تصور اعتنقه المبعوث الشخصي ويتحين الفرصة لعرضه، فإن الخارجية الأمريكية قد صدمته في بلاغها المشترك عقب اللقاء مع وزير الخارجية المغربي، بأنها ترى في مبادرة المغرب بالحكم الذاتي الأساس الواقعي للحل، وهو توجيه له من طرف أمريكا لإعادة ضبط مقترحاته على ذلك الأساس الوحيد ودعوة الأطراف إلى استئناف المناقشات بتلك الأجندة الوحيدة، الشيء الذي تم باستدعائه شخصيا من أجل ذلك الهدف والعمل عليه ومن أجله.

الخيار والفرضية الثالثة: بنفس ترتيبات الخيار سالف الذكر، الذي وضعناه، وأخذا بعين الاعتبار البيئة الإقليمية والدولية المتغيرة لصالح المغرب وعزلة الجزائر، وتبعا لمقاربة الحل وشروطه أو نعوته المعلومة التي تنطبق على مبادرة المغرب بالحكم الذاتي، فهي ذات طبيعة سياسية وواقعية وعملية وتضمن تقرير المصير، لأنها مطابقة لقواعد القانون الدولي وتلقى إشادة من مجلس الأمن بذات المصداقية والجدية والواقعية، ونفس الإشادة تلقاها جهود المغرب.

وفرضا أن مجلس الأمن سيتخذ قرارا أوليا بدعوة الأطراف إلى التفاوض بشأن مبادرة المغرب بالحكم الذاتي، وفي حالة رفض الجزائر والبوليساريو، وهو احتمال وارد جدا، يعكف خبراء الأمم المتحدة على تدقيق مبادرة المغرب وتطويرها، وبعد ذلك عرضها على المجلس على أنها الخيار الوحيد.

وفي هذه الحالة، أعتقد جازما أن بعثة المينورسو ستستمر بنفس الحجم الحالي، لأنها ستشرف على عمليات تفكيك مخيمات اللاجئين في تندوف، عن طريق تنفيذ الحلول الدائمة في إطار العودة أو إعادة التوطين في بلد آخر أو الاندماج في النسيج الاجتماعي الجزائري.

أما الخيار والفرضية الرابعة: المتشائمة والتي أستبعدها، ومع ذلك من الضروري الإشارة إليها لأنها تبقى خيارا رغم أنه ومع ذلك وارد، فهي أن يتخذ مجلس الأمن ومن تلقاء نفسه، قرارا بإنهاء بعثة المينورسو، مقرا في ذلك بعجزه وفشله وعدم قدرته على الوصول إلى حل رغم الملايير التي أنفقت ورغم أكثر من اربعة عقود ونصف من الزمن الذي استغرقه تحقيقه القانوني والسياسي، أكيد ستنتشي كل الأطراف بذلك لأنها نجحت في عدم فرض شيء عليها كانت لا ترغب أصلا في التنازل عنه.

وفي الأخير، أومن بأن استمرار الموقف الأمريكي والفرنسي والإسباني وغيرها من الدول التي تدعم المغرب بالموقف والقرار، أو بفعل مادي على الأرض بفتح القنصليات في الإقليم أو بالاستثمار في المنطقة، في دعم سيادة المغرب وحرصهم على عدم حدوث أي تراجع أو تناقض بينهم في تأييدهم للحل في إطار مشروع المغرب بالحكم الذاتي وحصول تنسيق وثيق بين الأولى والثانية داخل مجلس الأمن، ونفس التنسيق مع إسبانيا داخل مجموعة الدول أصدقاء الصحراء، سيعزز قدرة هذه الدول على توجيه وتأطير بقية الدول الأعضاء داخل مجلس الأمن وخارجه وداخل التنظيمات القارية والإقليمية والدولية في اتجاه إيجابي لصالح تعاظم الديناميكية الدولية حول تأييد مبادرة المغرب بالحكم الذاتي والاعتراف بشرعية سيادته.

ومن شأن ذلك أيضا أن يجبر الصف الآخر في الجزائر والبوليساريو وجنوب إفريقيا وغيرهم ممن بقي أسير آراء انفصالية طوباوية، على التنازل استجابة للبيئة الإقليمية والقارية والدولية والأممية، التي هي لصالح المغرب في الاعتراف بشرعية سيادته على كل الصحراء، وبكون الحكم الذاتي هو الحل الوحيد والأوحد للنزاع حول الصحراء المغربية، الإقليم الذي حدد وضعه النهائي منذ استرجاعها من المستعمر الإسباني، الذي انضم للحق والمشروعية المغربية بشكل واضح وعلني منذ سنة 2022، والساكنة التي قررت مصيرها بانخراطها واندماجها في كافة أوجه الحياة في المغرب)).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى