الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | “حرب الريف” والفرس الأزرق لمحمد أمزيان

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 119"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    شدنا تسلسل الأحداث إلى ما كان يجري في منطقة النفوذ الكبير للمناورات الفرنسية.. تلك المنطقة التي كانت محصورة في الإطار الذي حدده الاتفاق الفرنسي – الإسباني باقتسام المغرب مستقبلا.

تتمة المقال تحت الإعلان

وكان من الطبيعي أن يغرق المولى عبد الحفيظ في شباك الاستعمار الفرنسي وأحابيله مثلما غرق فيها قبله أخوه المولى عبد العزيز، وبعد ما تجرع المولى عبد الحفيظ غصة الانهيار السياسي والاقتصادي، وأصبح قاب قوسين أو أدنى من الاستسلام بعد أن انغلقت أمامه كل الآفاق وانسدت كل الأبواب، أشرقت بارقة أمل كبرى من الشمال، من الريف، حينما هب الريف في ثورة عارمة أذهلت الإسبان وأصبحت تهدد كل ما شيده الفرنسيون من صروح للآمال، ذلك أن بوحمارة، الذي كان يتزعم الحركة الانفصالية في نواحي تازة وبعض مناطق جبالة المتاخمة للريف، أراد استغلال الوضعية التي كان يعاني منها المولى عبد الحفيظ وسارع إلى تقديم تنازلات للإسبان، الذين أصبحوا يتعاونون معه ويعاملونه على أساس أنه صاحب الأمر والنهي في منطقة الشمال.

وفكرة قيام انفصال بين الجنوب والشمال كانت حلما كبيرا للاستعمار الإسباني كان ينحصر في الوصول إلى هذا الانفصال، لذلك أخذ الإسبانيون يعاملون بوحمارة ويفاوضونه مثلما كان الفرنسيون يفاوضون المولى عبد الحفيظ ويعاملونه.

وفي سنة 1908، أمضى الإسبانيون مع بوحمارة اتفاقية منحهم بمقتضاها حق استغلال مناجم الريف وتصديرها عبر ميناء مليلية.

وأسس الإسبانيون بمقتضى هذا الاتفاق شركة “نورطي أفريكانو”، التي بدأت في العمل والاستغلال بمشاركة خبير وشريك فرنسي كان يسمى ماسيسني، وسارت الأمور حسبما كان يشتهيه بوحمارة ومعه الإسبان، وكان لا بد لبوحمارة من مقابل، وهو إخضاع قبائل الريف، واختار لهذه المهمة جلادين من كبار الجلادين المعروفين في محيطه، وهما أولا خادمه الأسود، الذي نصبه حاكما في قبيلة تمسمان، وقائد من قواد جيشه الكبار المحنكين واسمه عمر أوفقير، الذي تم تنصيبه في مقاطعة تركوت.

ولم يكن سكان جبال الريف بعيدين عن الأحداث، بحيث يقبلون الأمر الواقع.

وبما أن للجهاد رجالا في الجنوب، فإن قبائل الريف عقدت مؤتمرات ثلاث كان كل واحد منها يكتسي طابع تجمع شعبي يتبارى فيه الخطباء، وقد أسفر المؤتمر الثالث، الذي انعقد في إمزورن، عن بزوغ قائدين عظيمين تقاسما الحكمة والعسكرية.

وقد آلت الزعامة الفكرية للفقيه الصالح خريج جامعة القرويين، السيد عبد الكريم الخطابي، والد بطل الريف، بينما آلت الزعامة العسكرية لبطل مغوار محنك هو السيد محمد أمزيان، وبينما اتجهت جيوش القائد محمد أمزیان لضرب المواقع الإسبانية بعنف كبير، انكب الزعيم عبد الكريم الخطابي على حملة سياسية ضد بوحمارة ورأس حربته أوفقير.

ولعب الزعيم عبد الكريم الخطابي ورقة الوحدة الوطنية والالتزام بالولاء للسلطان الشرعي مولاي عبد الحفيظ، وكان من الصعب على الزعيم الخطابي أن يتصل بالسلطان الذي يدعو له بالولاء، ولكن الشهامة السياسية للزعيم الخطابي كانت تقتضي منه أن يوهم الناس جميعا بأنه على اتصال دائم بالسلطان، سلطان الجهاد، وأن المجاهدين الريفيين ليسوا وحدهم متروكين لخوض المعارك دون غطاء وطني متمثل في السلطان، سلطان الجهاد الذي تتناقل القوافل أخبار جهاده ضد الاحتلال الفرنسي.

يقول المؤلف محمد عمر القاضي في كتابه: “مذكرات عن حرب الريف”: ((لقد انعقد مؤتمر في موضع يسمى إمزورن، ضم جميع المواطنين كبيرهم وصغيرهم، لا فرق بين هذا وذاك، ليعبر كل واحد عن رأيه في قضية بالغة الخطورة.

كما حضر هذا المؤتمر الفقيهان السيد عبد الكريم الخطابي والسيد محمد بن السيد حدو العزوزي، اللذين هما الركن الأول والعنصر الحقيقي في القيام ضد الثائر المشعوذ بوحمارة، وكان الفقيهان المذكوران اتفقا وكتبا رسالة باسم السلطان مولاي عبد الحفيظ، موجهة إلى أعيان قبيلة بني ورياغل، ومكناها لرجل مجهول وكأنه أتى بها من فاس)).

وأمام عنف الضربات التي كانت توجهها جيوش الزعيم محمد أمزيان، دعا الفرنسيون إلى توجه القوات الفرنسية لوقف الزحف الريفي ضد القوات الإسبانية، مما جعل الجنرال الإسباني، مارينا، يهب للدفاع عن شرف إسبانيا ويعلن معارضته لكل تدخل فرنسي واستعداده لمواجهة الثوار الريفيين بجيوش إسبانية.. ولكن أية مواجهة.

معركة 2 يوليوز 1909

لقد استقدم الجنرال مارينا من إسبانيا عشرات الآلاف من الجنود، كان ثمانية آلاف جندي منهم فقط يحمون مناجم “نورطي أفريكانو” وفي جبل ازغنغن.

وفي يوم ثامن يوليوز 1909، هجمت جيوش أمزيان على هذا الجبل وتم تحطيم المنشآت الإسبانية واقتلاع السكة الحديدية، وعندما تراجع الجنود الإسبانيون إلى مليلية يضمدون جراحهم، جاءتهم طلبات النجدة من الجيوش الإسبانية الأخرى المحاصرة في كبدانة بعد أن أفلتت من هجوم في ثالث يوليوز على معسكر أقامه الإسبانيون سابقا في ريستينكا.

واستعاد الجنرال مارينا قواته، واستقدم قوات أخرى في محاولة جريئة لفك الحصار عن مليلية، التي لا يقبل الإسبان إطلاقا أن لا تكون محاطة بمنطقة حامية عازلة.

ولقد جرت معارك رهيبة في وادي موسى، واستعاد الجنرال مارينا قصبة “الطالعيون” بثمن غال جدا، دفعه عشرات من الضباط والجنود الإسبان، ويروي شاهد عيان لمحمد عمر القاضي، مؤلف كتاب “مذكرات عن حرب الريف”، أن ((المعركة التي وقعت على بعد ألفين من الأمتار من مدخل مليلية، مات فيها ثلاثة آلاف من الجنود والضباط الإسبان)).

وهذه المعركة لم ترد فقط في كتاب مؤلف مغربي ريفي، وإنما رواها المؤلف مارتن في كتابه: “أربعة قرون من تاريخ المغرب”، إلا أنه عوض ألفي متر، ذكر أن المعركة وقعت على بعد اثنى عشر كيلومترا من مليلية، وهبت المدفعية الإسبانية برا وبحرا لدك الريف بالقنابل ليلا ونهارا، مما أوحى للزعيم محمد أمزيان بفكرة حل بها مشكل الاتصال.

إن إرسال القنابل ليلا يجعل سكان الجبال يشاهدون لهيب تلك القنابل ويعرفون أن هناك معركة وهجوما، لذلك جمع الزعيم أمزيان ضباطه وجنوده وأطلعهم على المخطط الجديد، ويقضي هذا المخطط بأن يشعل رجال القبائل شهبا نارية كلما وجدوا أثارا للإسبان في جبال الريف، وبذلك تهب فيالق المجاهدين لطردهم.

ونظم الزعيم أمزيان أول نواة لجيش الجهاد قادرة على التدخل السريع بمجرد إعطاء الإشارة المضيئة.

وبعد أن كان أغلب جنوده من قبيلة قلعية، أصبحت فيالق المجاهدين تضم رجالا من مختلف جهات الريف، من بني ورياغل إلى بني شكر إلى فرخانة، وأهم ما في العنصرين الأخيرين هو أنهما كانا معروفين بتفاهمهما وتعايشهما مع الإسبان، أما ما دونهما، فكان الجهاد كالدم يسري في عروق كل رجال وشباب قلعية الذين جندوا ثمانية آلاف مجاهد بنفس عدد جنود الجنرال مارينا، لحماية مناجم “نورطي أفريكانو”، وشباب أحلاف، وشباب بني بوياحي، والمطالسة، وهوارة وأولاد ستوت.

وبقدر ما كان الزعيم أمزيان يعتمد على الشهب المضيئة لاستقدام النجدات وإعلان تواجد القوات الإسبانية، كان يعتمد على الحرب المكتومة الصامتة، وفي يوم 18 يوليوز 1909، أعطى الأوامر لجنوده بمفاجأة الإسبان في موقع الطالعيون، فكانت معركة بالسلاح الأبيض مات فيها من الإسبان مئات الجنود، وكان على رأس لائحة قتلى 18 يوليوز رئيس الفرقة، ضابط من رتبة كولونيل.

وأصبح الإسبان في مدريد يتحدثون عن أسطورة محمد أمزيان وفرسه الأزرق، هذا الفرس الذي كتبت عنه الحكايات والأساطير في إسبانيا، مما دعا الحكومة الإسبانية إلى التعمق في الموضوع والبحث عن جذور هذا الجهاد، والوصول إلى الترابط الأصيل بين المولى عبد الحفيظ للجهاد في الجنوب وتجاوب الريف مع هذه الدعوة في الشمال، ووصل إلى فاس مبعوث إسباني حمل رسالة إلى المولى عبد الحفيظ، رد عليها السلطان برسالة جوابية حملها وزیره ابن المواز، الذي وصل إلى مدريد يوم 9 يوليوز 1909، وهو اليوم الذي كانت فيه المعارك على أشدها في ضواحي مليلية.

ولكن يظهر أن الاتصال المقطوع بين الثوار الريفيين والسلطان عبد الحفيظ، جعل الاتصالات الدبلوماسية بين فاس ومدريد لا تعطي أي نتيجة.

 

يتبع

تعليق واحد

  1. للأسف هناك بعض المغالطات في المقال فالفاصل الزمني بين الأمير امحمد امزيان و المقاوم محمد الخطابي هو عشر سنوات على الأقل، كان فيها الأمير أمزيان يقود المعارك ضد الإسبان، وهو من فتح بوابة المقاومة في الريف وهو من تزعم أيضا مقاومة بوحمارة وهو دشن حرب العصابات بأسلوبه الخاص في حين كان محمد الخطابي يشتغل في مليلية مع الاسبان ولا شيء يجمع المقاومتين إلا التضاريس المشتركة وفكرة محاربة المحتل لكن ظروف القيام كانت مختلفة رغم استفادة محمد الخطابي الكبيرة من تجربة الأمير محمد امزيان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى