
ما يميز المشهد السياسي الوطني ليس هو قوة المعارضة أو ضغطها داخل البرلمان، بل أحزاب التحالف الحكومي، التي مع قرب الاستحقاقات الانتخابية القادمة بدأت تسخيناتها من خلال انتقاد الحكومة التي هم أعضاء فيها، حتى قيل في كثير من الأحيان أن الأمر قد يتطور إلى تفجير الحكومة من الداخل، وبالتالي إسقاطها.. والواقع أن هناك حالات تم فيها تفجير الحكومة من الداخل خلال تاريخ المغرب، ويستعرض هذا الملف أهمها.
أعد الملف: سعد الحمري
قصة أول حكومة فجرها مكون من التحالف الحكومي من أجل قيادتها بنفسه
بعد عودة الملك محمد الخامس من المنفى، شكل أول حكومة في تاريخ المغرب المستقل، وكانت حكومة ائتلافية مكونة من حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال، إضافة إلى شخصيات مستقلة، حيث ترأسها مبارك البكاي، الذي كان مستقلا، وقد كانت هذه الحكومة هي الأولى التي شهدت ظاهرة تفجير التحالف الحكومي من طرف أحد مكوناتها.. فقد كان حزب الاستقلال يرى نفسه القوة الأولى في البلاد وهو الأولى بتشكيل وقيادة الحكومة لوحده دون الحاجة للدخول في تحالف مع قوة أخرى.
وابتداء من شهر يوليوز 1956، عقد الحزب مؤتمرا جهويا بمراكش، أعلن من خلاله المهدي بنبركة أنه يستحيل على وزراء الحزب تطبيق مقررات المؤتمر الاستثنائي للحزب الذي عقد خلال دجنبر 1955، والذي كان بمثابة خارطة طريق ومخطط شامل لإخراج البلاد من مخلفات الاستعمار، ما دامت هناك حكومة ائتلافية لا يسير فيها وزراء الحزب الوزارات الأساسية، وكان لهذه التصريحات وقع لدى باقي مكونات الحكومة، حيث أدخلت أعضاءها في مرحلة من الشد والجذب، الأمر الذي جعل محمد الخامس يلغي رحلة كانت مقررة إلى فرنسا ومدغشقر، وفي ظل هذه المستجدات، انعقد المؤتمر الوطني لحزب الاستقلال يومي 19 و20 غشت 1956، ويوم 20 غشت قدم وفد من الحزب عريضة للملك، أعلن من خلالها عن تقديم الحزب استقالته من الحكومة ورغبته في تشكيل حكومة منسجمة، وقام الملك باستشارة الأمير مولاي الحسن حول الأمر، فأخبره هذا الأخير بأنه من غير الملائم إقامة حكومة تتشكل من أعضاء الحزب وحده.
وبتزامن مع ذلك، عقد حزب الشورى والاستقلال مؤتمرا فوق العادة بعد ذلك بيوم واحد، أي يوم 21 غشت، وكان من أهم مقرراته أن أعلن احتجاجه ضد كل الانتقادات الموجهة ضد الحكومة، وندد بجميع المطالبين بحكومة منسجمة، كما احتج ضد كل “استبداد يرمي إلى قتل القوات الحية في بلادنا، ويستنكر جميع القوى القائمة على العنصرية والكراهية للأجنبي، التي تنتشر تحت رداء التفاني لتقيم في هذه البلاد نظاما هيتلريا يحمل في ركابه ويلات الإرهاب والبؤس ومرارة الدموع والدماء”، كما حذر من “المهيجين الذين يثيرون أزمة مصطنعة ويتعدى هدوئها بغية الانقضاض على الحكم الشرعي وإلقاء البلاد بين مخالب النظام الذي اشتهر به الحزب الواحد، في سبيل تحقيق نوايا غامضة كي يستعبدوا من جديد شعبنا العزيز”.
وطلب الحزب من وزرائه في الحكومة، متابعة مهامهم، وجدد دعمه للوزير الأول مبارك البكاي، كما دعا إلى إقامة جبهة لمواجهة حزب الاستقلال، في حين عقد مبارك البكاي ندوة صحفية يوم 1 شتنبر وأعلن أنه متشبث برئاسة الحكومة، وأن مهمة الحكومة الائتلافية لم تنته بعد.
غير أن النقاش الداخلي بين مكونات الحكومة انتهى باستجابة الملك محمد الخامس لمطالب حزب الاستقلال، حيث أعلن خلال شهر أكتوبر عن تأليف حكومة جديدة تضم وزراء من حزب الاستقلال، وكانت أولى ردود الفعل على هذه الحكومة الجديدة، قيام تمرد تافيلالت في يناير 1957 بقيادة عامل الإقليم عدي وبيهي، غير أن هذه الحكومة استمرت إلى أن أسقطتها أحداث الريف سنة 1958.
عهد الملك الحسن الثاني.. معالجة مشكل تفجير الحكومة من الداخل بالتعديل الحكومي
مع بداية عهد حكم الملك الحسن الثاني، ظهرت مستجدات جديدة تمثلت في وجود معارضة قوية لا تشارك في الحكومة مقابل أغلبية حكومية منسجمة.. لهذا كانت فكرة تفجير الأغلبية الحكومية من أحد مكوناتها غائبة تماما إلا في حالة واحدة استثنائية، عندما تم تشكيل أول حكومة منبثقة عن أول انتخابات تشريعية في تاريخ المغرب المستقل بتاريخ 17 ماي 1963، التي أفرزت عدد مقاعد برلمانية متقاربة بين المعارضة والتحالف، الذي سيشكل الحكومة.. يومها تأسست أول حكومة في عهد أول دستور عرفته البلاد، وهي حكومة أحمد باحنيني، وذلك يوم 13 نونبر 1963، غير أنها لم تكن منسجمة وقوية.. فقد ظهرت الخلافات داخل أعضائها منذ البداية، حيث تضمنت وزراء هزموا في الانتخابات التشريعية من داخل جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، وعلى رأسهم المحجوبي أحرضان، الذي لم يحصل على مقعد برلماني، الأمر الذي جعل بعض مكونات الجبهة تحتج على تعيينه وزيرا للدفاع، ورغم حصول أحرضان على منصب وزير الدفاع، إلا أنه ظل ينتقد الحكومة التي كان عضوا فيها، بدعوى أن حزب الأحرار المستقلين حصل على مناصب أكبر من حزبه، رغم أن حزب الحركة الشعبية يشكل الأغلبية داخل الأغلبية، ولم يدم الانسجام الحكومي طويلا حتى ظهرت أولى بوادر تصدعه في يناير سنة 1964، حيث طالب أحرضان أتباعه من البرلمانيين عن حزبه، بأن ينفصلوا عن جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، الأمر الذي كان من شأنه أن يجعل الحكومة تفقد الأغلبية داخل البرلمان.
كان حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، زعيم المعارضة، يراقب تطور الأمور دخل الأغلبية الحكومية، وفي ظل هذه الأوضاع، تقدم بملتمس الرقابة على الحكومة يوم 15 يونيو 1964، وهو ملتمس يهدف إلى مساءلة الحكومة وسحب الثقة منها، ودفعها إلى تقديم الاستقالة الجماعية بحكم الدستور، خاصة الفصل 81 من دستور 1962، وفي تطور مفاجئ، صرح قيادي من حزب الحركة الشعبية، أنه من الخطأ أن تعتقد الحكومة أن الأغلبية سوف تقف إلى جانبها بصفة أوتوماتيكية، في إشارة إلى إمكانية تصويت الحزب لصالح ملتمس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، إلا أن هذا الملتمس حصل يوم 16 يونيو 1964 على ستين صوتا فقط، أي أن عدد الأصوات يقل عن الأغلبية المطلقة اللازمة لتفعيل أثر الملتمس، والمحددة في أكثر من 72 صوتا.
رغم عدم نجاح مبادرة حزب المهدي بنبركة في وضع الرقابة على الحكومة وسحب الثقة منها، إلا أن الملك الحسن الثاني أحس بخطورة الوضع، حيث أصبح حزب الحركة الشعبية، وخاصة الجناح الموالي لأحرضان، قريبا من التحول إلى المعارضة فعليا، الأمر الذي جعل الملك يعلن عن تعديل وزاري في شهر يوليوز 1964، وهو الأمر الذي وافق عليه حزب الحركة الشعبية، وصادف الإعلان عن الحكومة الجديدة وجود عبد الكريم الخطيب بالخارج وأدخل أحرضان أنصاره كوزراء في الحكومة التي تكونت في 20 غشت 1964، ما جعل أنصار الخطيب يشعرون بالخيانة.
وبذلك تكونت مجموعة برلمانية مناصرة للخطيب من حزب الحركة الشعبية، تعرقل أعمال الحكومة، وتجلت معارضتها في التصويت يوم 25 يناير 1965 ضد ميزانية الأشغال العمومية إلى جانب أعضاء حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وفي ظل هذه الأوضاع، جاءت أحداث 23 مارس 1965، وفي ظل تحالف فصيل من حزب الحركة الشعبية مع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وجد هذا الأخير الفرصة مواتية لتقديم ملتمس رقابة آخر، رفعه إلى البرلمان بعد أحداث 23 مارس مباشرة، غير أن الحسن الثاني وجد نفسه فاقدا للثقة في الأغلبية البرلمانية، الأمر الذي جعله يقترح تكوين حكومة وحدة وطنية، وتزامن ذلك مع انهزام حكومة باحنيني في البرلمان، وذلك عندما قدم حزب الاستقلال، المعارض، مقترح قانون يخص الصحافة ويمنع الأجانب من النشر في المغرب، وقد صوت لصالحه المنشقون من حزب الحركة الشعبية، وهو الأمر الذي جعل الملك الحسن الثاني يعلن في نفس يوم التصويت على القانون الاستقلالي، حل البرلمان وإعلان حالة الاستثناء التي دامت خمس سنوات.
وباستثناء هذه الحالة في عهد الحسن الثاني، لم يحدث داخل الحكومات المتعاقبة أي صراع أو تهديد بتفجير التحالف الحكومي، وقد كان الملك يلجأ في كثير من الأحيان إلى تعديلات حكومية من أجل التغيير وضخ دماء جديدة فقط، ومن ذلك ما حصل لحكومة 2 نونبر 1972 بقيادة أحمد عصمان، واستمرت إلى يوم 10 أكتوبر 1977، وقد شهدت هذه الحكومة عدة تعديلات، وعن أسباب ذلك، كتب عبد الله العروي معلقا على هذا التعديل قائلا: ((أما التغيير الحكومي في المغرب، فلا أحد يدرك دوافعه.. لم يوجه أي نقد للوزراء المعنيين ولا يبدو أن من حلوا محلهم يفكرون في مشاريع جديدة، ومع هذا، سجل أن عددا من الشبان الذين ينتمون إلى مدن صغيرة قد عينوا ككتاب دولة لكي يتدربوا على العمل الحكومي. يوجد في كل وزارة وزير وكاتب دولة وكاتب عام، كل واحد من هؤلاء معين بظهير شريف، فلا ميزة إذن لواحد على الآخر بالنسبة لرئيس الدولة وفي عين الموظفين، يحصل عندها نوع من التمانع، وهذا هو سبب الجمود والركود.. معنى جديد، وربما عقيم، لمفهوم توسيع دائرة المشاركة كما يدعو إليه علماء السياسة والناصحون المتطوعون)).
عهد الملك محمد السادس.. حالة حزب الاستقلال سنة 2013 استثناء
في عهد الملك محمد السادس، تشكلت عدة حكومات.. إلا أنها لم تشهد ظاهرة تفجير الحكومة من أحد مكوناتها، غير أنه بعد دستور 2011 ومع تشكل أول حكومة بقيادة حزب العدالة والتنمية، كان أحد مكوناتها حزب الاستقلال.. هذا الأخير كان على موعد مع مؤتمره الوطني السادس عشر في 29 يونيو 2012، الذي أفرز قيادة جديدة تمثلت في الأمين العام الجديد حميد شباط، ومنذ ذلك الحدث ردد العديد من الاستقلاليين، في القيادة والقاعدة، شعار “التجديد”، والاجتهاد في إعادة صياغة تصورات الحزب ومواقفه على أسس جديدة تتلاءم مع التغيرات النوعية التي حملها قانون الأحزاب الجديد الصادر في 14 فبراير 2006 والدستور الموافق عليه في استفتاء فاتح يوليوز 2011، وفي صدارتها إعمال مبادئ الحكامة الجيدة والتدبير الديمقراطي في إدارة الحزب وصياغة سياساته العامة، كما شدد الحزب على أن تاريخه الذي سيُنهي عقده الثامن بحلول عام 2014، وعلى أن نضاله الطويل ومواقفه السياسية على امتداد الخمسين سنة التي أعقبت الإعلان عن الاستقلال، لا تسمح له بتبديد مكتسباته داخل حكومة يعتبرها غير فعالة في مواجهة الوضع الاقتصادي والاجتماعي الدقيق الذي يعيشه المغرب، ولا تمارس هذه الحكومة من وجهة نظره الحوار والتوافق حول الاستراتيجية التي يتوجب اعتمادها لمواجهة تعقيدات المرحلة، وعليه، بدأت الأصوات تتعالى بضرورة تفجير الحكومة والخروج منها ثم الالتحاق بالمعارضة، لذلك اتجه الحزب لعقد دورته الوطنية العادية يوم 11 ماي 2013، حيث صوت مجلسه الوطني بأغلبية كاسحة على الخروج من الحكومة.
ومنذ هذا الحدث، لم يشهد المغرب أي نسف للتحالف الحكومي، رغم حالة الغليان والشد والجذب داخل مكونات الحكومات المتعاقبة، والمقصود هنا حكومة سعد الدين العثماني، حيث شهدت هذه الحكومة محطات من التصريحات، خصوصا بين زعماء حزب العدالة والتنمية وحزب التجمع الوطني للأحرار، كادت في كثير من الأحيان أن تؤدي إلى نسف التحالف الحكومي، وبالتالي سقوط الحكومة، دون أن يحدث ذلك.
نفس الأمر حصل مع الحكومة الحالية، حيث أنه خلال مرحلتها الأولى خرج حزب الأصالة والمعاصرة، في أكثر من مناسبة، بانتقادات مبطنة للحكومة.. إلا أن شيئا من ذلك لم يحصل، ومؤخرا، وفي خضم الإعداد للاستحقاقات الانتخابية القادمة، خرج حزب الاستقلال بانتقادات لاذعة للحكومة التي هو عضو فيها، غير أن ما فعله لا يمكن إخراجه من سياق بداية العمل من أجل الاستحقاقات الانتخابية القادمة.





