متابعات | تفاصيل وأرقام تستوجب سقوط الحكومة تحت أقدام “الفراقشية”
هل هي سرقة أموال الدولة تحت غطاء قانون المالية ؟

لازالت قضية “الفراقشية” أو المستوردين الكبار للمواشي والأبقار، تثير ضجة كبيرة وسط الرأي العام والمعارضة البرلمانية في ظل مناورة وزارة الفلاحة لإنكار الامتيازات التي حصل عليها 277 مستوردا كبيرا وصغيرا، من أهمهم 18 “شناقا” كبيرا استفادوا من حصة 80 % من الإعفاءات الجمركية ومن الضريبة على القيمة المضافة خلال الفترة ما بين 2022 و2024، حيث إن هذه الإعفاءات والامتيازات مستمرة إلى حدود اليوم ضمن قانون المالية 2025، مما يسمح للمستوردين بالحصول على المزيد من المال العام وتضخيم أرباحهم أمام صمت الحكومة المتواطئة.
الرباط. الأسبوع
قامت الحكومة عبر وزارة الاقتصاد والمالية، بعدة إجراءات عبر إزالة وتخفيض الرسوم الجمركية والإعفاءات الضريبية عن بعض الواردات من المنتجات الأساسية والغذائية، مثل القطاني والحبوب وبذور دوار الشمس منذ سنة 2022، والتي اعتبرتها تدخلا في إطار الدعم للمواد الاستهلاكية في السوق الداخلية بهدف التحكم في التضخم ودعم القدرة الشرائية للمواطنين، لكن التناقض الحاصل اليوم أن الحكومة ترفض الاعتراف بهذه الإعفاءات الضريبية والجمركية بكونها دعما للمستوردين تذهب إلى جيوبهم وأرباحهم وغير مرتبطة بشروط لتسقيف الأثمنة كما يحصل في قطاع القمح والحبوب.
وحسب الأرقام الرسمية التي كشفت عنها وزارة الاقتصاد والمالية في أكتوبر الماضي، فقد فقدت الميزانية العامة أزيد من 13 مليار درهم ما بين أكتوبر 2022 وأكتوبر 2024، جراء وقف استيفاء رسم الاستيراد وعدم تحصيل الضريبة على القيمة المضافة، وهو ما انضاف إليه دعم رؤوس أكباش عيد الأضحى لسنتي 2023 و2024، والبالغ حوالي 437 مليون درهم، ليناهز مجموع ما فقدته المالية العمومية إلى غاية أكتوبر 2024، 13.5 مليار درهم.
الملاحظ أن تقريرا قدمته وزارة الاقتصاد والمالية للبرلمان، يخالف المعلومات والمعطيات التي خرج بها بلاغ وزارة الفلاحة، والذي حصر الدعم في أقل من 44 مليار سنتيم، بينما تقرير وزارة المالية على هامش مناقشة قانون المالية 2025، يتناول واردات الأغنام والأبقار ما بين 2022 و2024 بمجموع 217 ألفا و719 من رؤوس الأبقار بكلفة 3702 مليون درهم، ومليون و136 ألفا و560 من رؤوس الأغنام، بكلفة 1951.85 مليون درهم، وفي ظل استمرار عمليات الاستيراد خلال سنة 2025، تشير التقديرات إلى أن تكلفة الإعفاءات الجمركية والضريبية قد ترتفع إلى 20 مليار درهم في حالة عدم مراجعة قانون المالية الذي يعطي هذه الامتيازات.
مكتب الصرف بدوره تناول في تقريره ارتفاع حجم واردات المغرب من رؤوس المواشي، والذي عرف ارتفاعا قياسيا خلال سنة 2024، حيث بلغت قيمتها 5.576 ملايير درهم بالمقارنة مع 2.857 مليار درهم خلال سنة 2023، أي بزيادة نسبتها 95.2 %، أي أن الحكومة استوردت في سنة 2024 ضعف قيمة الواردات المسجلة في العام السابق من رؤوس المواشي، بزيادة بلغت 2.719 مليار درهم.
وأضاف مكتب الصرف في نشرة أخرى خلال شهر فبراير الماضي، أن واردات الحيوانات الحية عرفت زيادة كبيرة مع بداية سنة 2025، حيث بلغت قيمتها 1.04 مليار درهم في الفترة الممتدة من يناير إلى فبراير 2025، أي بزيادة قدرها 796 مليون درهم، تقدر بـ 312 %، مستفيدة من الإعفاءات الجمركية والضريبية، ليظل السؤال: لماذا لا يؤثر الاستيراد المكثف على انخفاض أسعار اللحوم الحمراء في الأسواق ؟
في هذا الإطار، يؤكد الوزير السابق للميزانية، إدريس الأزمي، القيادي بحزب العدالة والتنمية، أن عملية الاستيراد مستمرة منذ أكتوبر 2022 إلى الآن، بعدما اتخذت الحكومة عشرة مراسيم للإعفاء من رسوم الاستيراد وعدة قرارات وزارية، عبر دعم 500 درهم لأضاحي عيد الأضحى سنتي 2023 و2024، إذ تحملت ميزانية الدولة الضريبة على القيمة المضافة عند الاستيراد، مضيفا أن الجديد هذه السنة يكمن في قانون المالية 2025، الذي يتضمن إعفاءات من رسوم الاستيراد والإعفاء من الضريبة على القيمة المضافة، وذلك عبر تحديد كمية المواشي المستوردة في 700 ألف رأس غنم و150 ألف رأس من الأبقار والماعز والجمال.
وقال الأزمي أن الإعفاءات والامتيازات التي منحتها الحكومة لمستوردي المواشي، لم تكن مشروطة، عكس ما يحصل في القمح والحبوب، حيث يتم استيرادها عندما يكون نقص في الإنتاج الوطني، عبر توقيف رسوم الاستيراد أمام المستوردين لكن الثمن تحدده الحكومة، وبالتالي، لا يمكن لهم أن يفرضوا أي ثمن، في حين أن مستوردي الأبقار والأغنام استفادوا من دعم 500 درهم بالنسبة للأضاحي والمواشي ومن رسوم الاستيراد والضريبة على القيمة المضافة، وكانت لهم حرية البيع بدون قيود، لأن الحكومة لا تتدخل في الثمن، لذلك لم يكن هناك أي أثر على أسعار اللحوم التي ظلت مرتفعة إلى يومنا هذا رغم الدعم والإعفاءات، موضحا أن الأرقام المتداولة لم تخترعها المعارضة، بل هي أرقام رسمية، أعطتها وزارة الاقتصاد والمالية في تقرير رسمي وزع في أكتوبر الماضي في البرلمان، ورقم 13 مليار درهم يتعلق بالإعفاء من رسوم الاستيراد ومن الضريبة على القيمة المضافة، أما حاليا، فقد تطور لأن الاستيراد مستمر إلى اليوم، بمعنى خلال سنة 2025 سوف نتجاوز بكثير هذا الرقم لأنه حتى بلاغ وزارة الفلاحة يؤكد الاستمرار في استيراد الماشية مع وقف رسوم الاستيراد والإعفاء من الضريبة، مشيرا إلى أن وزارة الفلاحة وقعت اتفاقيات من أجل تطوير القطيع الوطني للأغنام والأبقار بعشرات الملايير من الدراهم، من بينها اتفاقية ماي 2022 على هامش المعرض الدولي للفلاحة، لكن لم يتم تحقيق الهدف، حيث استفاد المستوردون والكسابة الكبار فقط، والنتيجة أننا فقدنا نسبة كبيرة من رؤوس الماشية، حسب وزارة الفلاحة.
من جانبه، كشف نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، في مقال له، بعض الأرقام الرسمية المتعلقة بالموضوع، وحول القيمة المالية الحقيقية التي تكبدتها الميزانية العامة للدولة بسبب الإعفاءات التي منحتها الحكومة لمستوردي الأبقار والأغنام، وأوضح أن هذه الأرقام موجودة في الصفحتين 84 و196 من الوثيقة الحكومية الرسمية التي مصدرها وزارة المالية “المعطيات والبيانات الإضافية المطلوبة من طرف الفرق والمجموعة النيابية بمجلس النواب”، خلال مناقشة قانون المالية 2025، والتي تؤكد أن الميزانية العامة خسرت بفعل الإعفاءات عن استيراد الأبقار، حيث أن وقف استيفاء رسم الاستيراد المطبق على الأبقار من 21 أكتوبر 2022 إلى 31 دجنبر 2024، في حدود 120 ألف رأس، كلف 7.3 ملايير درهم، وتحملت ميزانية الدولة الضريبة على القيمة المضافة عند استيراد الأبقار منذ 3 فبراير 2023 وإلى غاية 22 أكتوبر 2024، في حدود 120 ألف رأس، ما قيمته 744 مليون درهم.
وأضاف بنعبد الله، أن عدد المستفيدين من هذه الإعفاءات المتعلقة باستيراد الأبقار، بلغ 133 مستوردا ما بين أكتوبر 2022 و2024، وبلغت خسارة الميزانية العامة بفعل الإعفاءات عن استيراد الأغنام منذ فبراير 2023 إلى أكتوبر 2024، ما قيمته 3.86 ملايير درهم، بينما تحملت الميزانية العامة للدولة الضريبة على القيمة المضافة عند استيراد الأغنام، بما قيمته 1.16 مليار درهم، مبرزا أن وقف استيفاء رسم الاستيراد والضريبة على القيمة المضافة بالنسبة للأغنام من 19 أكتوبر 2024 إلى 31 دجنبر 2024، كلف ميزانية الدولة 15.7 مليون درهم و1.6 مليون درهم على التوالي، بينما وصل عدد المستفيدين من هذه الإعفاءات المتعلقة باستيراد الأغنام، 144مستوردا ما بين 10 فبراير 2023 و22 أكتوبر 2024.
من جهته، يرى المحلل الاقتصادي رشيد ساري، أن الدعم كيفما كان صغيرا أو كبيرا، يدل على عدم حكامة تدبير الملف، والأرقام بالملايير أو ملايين الدراهم هي كارثة حقيقية، لأن التدبير من طرف الحكومة لم ينعكس على المواطن، حيث لازال المغاربة يعانون من ارتفاع أسعار اللحوم، رغم ما تتذرع به الحكومة بخصوص العملية التي كانت فاشلة، وقال أن المسألة الثانية تتعلق بالتراخيص التي منحت لعشرة أو 18 شخصا الذين حصلوا على الحصة الأكبر من عملية الاستيراد، متسائلا: ما هي المعايير التي تم اعتمادها لمنح البعض التراخيص، فالعملية شابتها خروقات واختلالات لم يتم إجراء أي بحث من طرف السلطات للتحقق من مصير هذه الأموال التي سرقت مادام أن أحدا من أعضاء الحكومة صرح بضياع ملايير الدراهم من خلال إعفاءات جمركية وضريبية ؟
في ظل التهرب الحكومي وصمت البرلمان، قررت الفرق النيابية بمجلس النواب، الإعلان عن مبادرة لتشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق حول عملية استيراد المواشي ومختلف أشكال الدعم والإعفاءات التي تقدمها الحكومة منذ نهاية سنة 2022 وإلى الآن لمستوردي المواشي، والمتمثلة أساسا في الإعفاء من الرسوم الجمركية وتحمل ميزانية الدولة للضريبة على القيمة المضافة، وكذا في شكل دعم مباشر لاستيراد الأغنام الموجهة للذبح في عيد الأضحى برسم سنتي 2023 و2024.
وكشفت فرق المعارضة أن الغرض من لجنة تقصي الحقائق هو الوصول للحقيقية الكاملة، حول حيثيات هذه القرارات الحكومية وجدواها، ومدى تحقق أهدافها، وكذا حول المبالغ الحقيقية والكاملة التي تكبدتها المالية العمومية من ورائها، وحول عدد وطبيعة المستوردين المستفيدين من هذه التدابير ومدى مراقبة الحكومة لمدى تقيدهم بالمعايير والشروط والغايات ذات الصلة، وكذا بخصوص شفافية المعلومة والمساواة وتكافؤ الفرص ارتباطا بهذه الإجراءات، وذلك من أجل تنوير الرأي العام بخصوص هذه القضية، ومعرفة مدى تحقق النتائج المعلنة بشكل فعلي، والتأكد من أن توجيه هذا الدعم متعدد الأشكال، يخدم المصلحة العامة وليس مصالح فئة محدودة.