متابعات | تفشي الجرائم الخطيرة في رمضان “يبعث” النقاش حول عقوبة الإعدام

تزايدت حوادث الجرائم خلال الأسبوع الأخير بشكل كبير داخل المجتمع، مما يثير نقاشا كبيرا لدى الرأي العام حول الأبعاد والأسباب الحقيقية وراء قضايا العنف التي أصبح يعيشها المجتمع المغربي بشكل كبير، خاصة خلال السنوات الأخيرة، فهل هناك ارتباط بين الجريمة والظروف الاجتماعية، أم بالحالة النفسية والصحية للجناة ؟
إعداد: خالد الغازي
العديد من الجرائم وقعت مؤخرا في المغرب منها حالات الاعتداء على أئمة المساجد، بعد مقتل إمامين في إقليمي الدريوش وصفرو من طرف شخصين مختلين عقليا، بعدما سبق أن قتل إمام آخر في مدينة مراكش من قبل شخص مختل، فيما تعرض إمام آخر لمحاولة القتل بالناظور بعدما أقدم مختل آخر على محاولة ذبحه من رقبته، ثم جريمة قتل حارس للسيارات في القصر الكبير.. وأمام هذا الوضع يتساءل العديد من الناس عن السبب الحقيقي الذي يدفع رجلا في مقتبل العمر بالمحمدية إلى أن ينحر زوجته بشكل فضيع في الشارع العام، مما يعيد النقاش من جديد حول ضرورة تنفيذ عقوبة الإعدام في الجرائم الخطيرة التي تهز الرأي العام.
يبدو أن الإجرام يسير في تصاعد خلال الفترة الأخيرة، ربما لأسباب اجتماعية وأسرية ونفسية أو لأسباب أخرى.. حيث أثارت هذه الجرائم فضول العديد من الناس حول العنف الزوجي والعنف في الشارع العام، وعنف المختلين عقليا والمضطربين ضد أئمة المساجد وضد الناس، وتخلي الأسرة عن دورها في رعاية والتكفل بالمريض وحماية الناس منه، وغياب المجتمع المدني والمؤسسات الاجتماعية في مكافحة ظاهرة العنف والجريمة في المجتمع.

في هذا الإطار، يرى الخبير في علم الإجرام الدكتور حاتم السكتاني، أن شهر رمضان المفروض أن يكون شهر التسامح والمغفرة والتواد والتراحم بين الناس، إلا أننا نلاحظ ارتفاعا ملحوظا في نسبة الإجرام المقترن بالعنف اللفظي والجسدي وتعاطي المخدرات والحبوب المهلوسة، لأسباب يجب أن ينكب عليها علماء الإجرام والاجتماع والطب النفسي، بإشراف من السلطات الأمنية والفاعلين في المجال الجنائي، في شقيه القانوني والقضائي وفي شقيه الزجري والوقائي التحوطي، للحد من هذه الظاهرة والاستعداد القبلي لهذه الظاهرة على نفس القدر من الاهتمام الذي يولى للتدابير الاقتصادية والاجتماعية المتخذة لاستقبال هذا الشهر، مضيفا أن العودة إلى جرائم القتل المروعة التي ارتكبت مع بداية الشهر الكريم والتي تعتبر أخطر درجات الإجرام في كل مجتمع على اعتبار أنها تزهق روحا بغير حق في أيام فضيلة تكون فيها شحنة الإيمان عند غالبية أفراد المجتمع في أعلى مستوياتها، فيصدم الجميع بسماع هذه الأنواع من الجرائم المروعة، كما تكون الصدمة عند معرفة دوافعها والتعرف على ملابساتها.
وأكد نفس المتحدث، أن الدوافع كلاسيكية لا علاقة لها برمضان ولا بالأجواء المناخية التي تحدث حالة من الاكتئاب والهيجان عند بعض الأشخاص، وقد تكون الدوافع مرتبطة بالانقطاع عن التدخين وبعض المشروبات الكحولية وتعويضها بمخدرات وحبوب مهلوسة هي التي تؤجج بعض الأمراض العقلية والعصبية فتكون وراء عنف غير متحكم فيه، وقد يشمل هذا العنف عنفا أسريا وداخل أماكن العمل وفي الشارع وأثناء السياقة.. وفي كثير من الأحيان يكون انفعالا لحظيا ناتجا عن الاستفزاز والعنف اللفظي الذي يفضي إلى إزهاق روح دون تخطيط ولا ترصد، وهي جرائم قتل بالصدفة، كما أن التوترات المتراكمة بين الأزواج قد تنفجر مع دخول هذا الشهر الفضيل لأسباب اقتصادية واجتماعية ونفسية، وهو شهر قد تغادر فيه الزوجة بيت الزوجية هربا من العنف اللفظي والنفسي والجسدي والاقتصادي، ويكون فيه الزوج مقهورا بسبب الإعسار في المال لأن كثيرا من المهن تشهد ركودا مع ارتفاع منسوب الاستهلاك، وتكون عتبة الإهاجة في أدنى درجاتها، موضحا أن الجرائم المرتكبة ضد الأصول وأفراد العائلة تكون لكثرة الاحتكاك وترامي المسؤولية في من يقوم بماذا وتفريط البعض في واجباته واتكاله على الآخرين، كما أن الجرائم المرتكبة ضد الرموز الدينية والأئمة على يد بعض المرضى العقليين، تجد تفسيرها في الإجرام الرمزي الذي يدخل في بعض حالات الذهان الحاد والمزمن، كالشيزوفرينيا والهذيان الحاد الناتج عن الفطام من المخدرات أو تناولها، مؤكدا على أهمية التركيز على علاج المرضى العقليين وتمنيع الأسرة عبر مؤسسات تحمي المرأة من العنف وتسمع لمعاناة الرجال خلال الحياة الزوجية والقيام بالوساطات اللازمة، واتخاذ التدابير الزجرية في حينها وبالطريقة التي لا تؤجج الرغبة في الانتقام بعد ذلك، مع تكوين قبلي للمقبلين على الزواج بتدبير المشاكل في إطار ودي تحت إشراف مؤسسة الوسيط أو المساعد الاجتماعي والعلاج النفسي لمن ظهرت علامات العنف المرضي عليه وتدعيم مؤسسة حماية ضحايا العنف من النساء، والتي تشرف عليها المؤسسة الأمنية بإشراف من النيابة العامة.

من جانبه، يقول رضى المحاسني، خبير في علم النفس ومعالج نفساني: بخصوص هذه الحوادث، أولا هناك تغطية إعلامية تعطي الانطباع بتزايد العنف في المجتمع المرتبط بتداول الأخبار بشكل معين في الشبكات الاجتماعية، والذي يترك حضورا في الوعي العام ويمكن أن يتزايد كثيرا، ولكن العنف الذي نشاهده اليوم فيه تحولات اجتماعية ونفسية عميقة، وإن كانت الجريمة دائما فجائية بالنسبة للرأي العام، وتتسم بالغرابة، ولكن تاريخيا من منظور علم النفس الإجرامي، يمكن أن نفسر الجريمة بعوامل وليس بسبب مباشر، لا توجد علاقة سببية، ولكن مجموعة من العوامل: عوامل بنيوية (الهشاشة، البطالة، الإحباط، الشعور بالحرمان..)، كما يبقى العامل الاقتصادي من بين عوامل الجريمة، ثم العوامل الاجتماعية (التفكك الأسري، ضعف الروابط الاجتماعية، غياب الدعم الاجتماعي، والعنف داخل الأسرة..).
وأضاف المتحدث ذاته، أن العوامل النفسية والشخصية وصعوبة التحكم في العاطفة عموما، والتحكم في الغضب، والاندفاعية عندما تكون مع الصدمات النفسية، يمكن أن تشكل واحدا من عوامل الجريمة، رغم أنه ليس بالضرورة أن تؤدي هذه العوامل إلى الجريمة وإنما تكون هناك بيئة ضاغطة تجر بعض الأشخاص الأكثر قابلية للفعل الجرمي العنيف في لحظة معينة، كما لا يجب أن نغفل مفهوم المجرم بالصدفة، الذي هو الحاضر بكثرة فيما يخص الجريمة العنيفة الفجائية المرتبطة بالمرض النفسي، حيث أن حوادث القتل التي حصلت من قبل أشخاص لهم اضطرابات نفسية، هم أول ضحايا العنف في المجتمع، لأن المريض النفسي إذا كان في حالة هذيان ومصابا بمرض الدهان، أصبح مرتبطا بأمراض كبيرة وتمثلات ذهنية نفسية تظهر له بأنه يهاجم فيدافع عن نفسه تجاه شخص آخر، معتبرا أن المرض النفسي والعلة الاجتماعية أو الثالوث المظلم المجرم بالتسلسل السيكوباتي أو الماكيافيلي، وهذه ليست أمراضا وإنما بنية نفسية معينة، و”السيكوباتية” شخصية يتلذذ بأذى وألم الآخر، وليس بالمريض النفسي البعيد عن هذه التمثلات التي يريد المجتمع إلصاقها به، لأن المصابين بالاضطرابات النفسية لا يميلون للعنف، لأنهم أكثر عرضة لأشكال العنف الخطير: العنف المادي، الجسدي، الجنسي، الاقتصادي، الرمزي، الوصم، والإعلام يلعب دورا في تغيير معنى بعض الأشياء.
وأوضح نفس المتحدث، أن الحالات النادرة للعنف تكون في حالة غياب العلاج والدعم الأسري والاجتماعي، لذلك يفقد المريض السيطرة على الإدراك ويبدأ لديه الهذيان الذي يمكن أن يتحول إلى سلوك خطير دفاعي، في التمثلات المريض ليس مثل حالة المجرم أو السيكوباتي الذي له بنية نفسية معادية للمجتمع، مشيرا إلى أنه في حالة ضحية قتل الزوجة في المحمدية، وقعت حالة الصدمة، يقع نوع تبلد الحس الجماعي للمارة، ويقع تخدير عاطفي يمنع الناس من التدخل وليس الأمر جبنا أو قلة شجاعة، بل هو مرتبط بما يسمى “بنج عاطفي” يصيب الحاضر في وضعية الصدمة، فكل شخص يرى بأن الآخر سوف يتدخل ولكن لا يستطيع.

من جهتها، اعتبرت فاطمة الزهراء الإبراهيمي، محامية بهيئة الدار البيضاء، أن جريمة المحمدية التي راحت ضحيتها الزوجة، ليست مجرد جريمة عابرة يمكن إدراجها في سجل الوقائع الجنائية اليومية، بل كانت مشهدا صادما هز الضمير الإنساني قبل أن تهز الرأي العام، بعدما أقدم رجل على طعن زوجته طعنات متعددة بسلاح أبيض كبير الحجم، طعنات لم تترك في الفعل أي مجال للشك في القصد، قبل أن ينتهي المشهد بذبحها والفرار، في واقعة موثقة بفيديو انتشر على نطاق واسع، وأكدت أن الجرائم التي تقع في المجتمع، وبهذا القدر من العنف والوضوح في القصد الإجرامي، تعيد طرح النقاش حول حدود الردع الجنائي وفعالية العقوبات في حماية الحق في الحياة، وحين يتحول الشارع العام إلى مسرح للقتل، وحين تزهق روح إنسان بدم بارد وتحت وقع طعنات متتالية تنتهي بذبح الضحية، فإننا لا نكون أمام جريمة عادية، بل أمام اعتداء صارخ على النظام العام وعلى أمن المجتمع برمته، معتبرة أن تفعيل عقوبة الإعدام في مثل هذه الجرائم ليس خروجا عن القانون، بل هو تطبيق لنصوص قائمة أقرها المشرع أصلا لمواجهة الجرائم الأشد خطورة، وقالت: إن الواقعة المأساوية التي شهدتها المحمدية ليست فقط ملفا جنائيا معروضا على القضاء، بل هي أيضا مناسبة لفتح نقاش قانوني ومجتمعي صريح حول فلسفة العقاب، وحول قدرة المنظومة الجنائية على حماية المجتمع وردع الجريمة حين تبلغ هذا الحد من الوحشية، متسائلة: هل يمكن للمجتمع أن يشعر بالأمان إذا بقيت أقصى العقوبات المنصوص عليها في القانون معطلة حتى في الجرائم التي تصدم الضمير الإنساني ؟
وتظل أسباب الجريمة في المجتمع متعددة، نظرا للبنية الثقافية للمجتمع والمحيط البيئي والاجتماعي، الذي يعرف تفشي الفقر والبطالة بشكل كبير في صفوف الشباب والهشاشة في ضواحي المدن، حيث أن البطالة قد تدفع البعض لارتكاب جرائم أو الدخول في نزاع أو صراع بهدف مادي، زيادة على التهميش الاجتماعي، إذ هناك العديد من الفئات الاجتماعية التي تعيش في وضعية هشة، خصوصا في المناطق القروية والمهمشة في المدن الكبرى، حيث تعاني هذه الفئات من غياب فرص الشغل، إلى جانب الفئات التي تعاني من اضطرابات نفسية وعقلية والتي يصدر منها سلوك عدواني تجاه الآخرين، وقد يتطور إلى جريمة، بسبب اعتقادها أنها تتعرض للأذى في عقلها، لهذا، فالجريمة من القضايا المعقدة التي تتطلب تكاثف الجهود بين مختلف القطاعات الحكومية والمجتمعية. وبينما توجد العديد من المبادرات لمكافحة الجريمة، فإن النجاح في هذا المجال يتطلب معالجات شاملة تشمل تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز النظام الأمني والقضائي، وتطوير ثقافة مجتمعية رافضة للعنف والجريمة.



