تحقيقات أسبوعية

رمضانيات | فضل العشر الأواخر من رمضان

إعداد: خالد الغازي

الصوم تزكية للنفس وتربيتها على الصبر وحسن الخلق

رمضان فرصة عظيمة لتهذيب النفس وتزكيتها، والصيام يعين المسلم على هذا ويساعده، ومن معالم تزكية النفس في رمضان:

تتمة المقال تحت الإعلان

1) أن الصيام يزكي النفس على معنى عظيم من معاني العبودية لله رب العالمين، الذي يكون فيه التسليم الكامل لله عز وجل، وهو امتثال أمره في ذلك، وقد أمرنا بالصيام فقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)).

تتمة المقال تحت الإعلان

2) أن الصيام يزكي النفس من خلال الغاية للصيام (لعلكم تتقون)، فإن النفس حين تنالها التقوى بالصيام، فإنها تزكو وتُنقى من الأفعال المانعة من كمال أجر الصيام، فالصوم كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم: جُنَّة، والجُنَّة وقاية تقي صاحبها ما يؤذيه من الشهوات، فالصوم يمنع ما يوقع النفس في الشهوات أو في المعاصي التي ترديها في النار، وذلك بأن يزكي له نفسه فترتقي على علية الفضائل، وتحقق العبودية الكاملة لله، والصيام يربّي النفس على الصبر، ويعوّدها على تحمل المشاق في سبيل الله عز وجل، فهو يجمع أنواع الصبر الثلاثة: الصبر على المأمور، والصبر على المحظور، والصبر على المقدور. ومن استكمل هذه الأنواع فقد استكمل حقيقة الصبر وبلغ ذروته؛ فيكون صبرا على المأمور، لأن الصائم يحبس نفسه على امتثال أمر الله له بالصوم؛ وعلى المحظور، لأن الصائم يجتنب ما حرم عليه؛ وصبرا على المقدور، لأن الصائم يحبس نفسه على الرضى بما قدر عليه من ألم الجوع والعطش.

3) أن الصيام يربي النفس على حسن الخلق والحلم والأناة، وتحمل إيذاء الناس، ويعودها على كَظم الغيظ وسكون الغضب، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِم))، فيحفظ الصائم نفسه من أن تمضي ما هي قادرة على إمضائه باستمكانها ممن غاظها، وانتصارها على من ظلمها. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “فلا يرفث، والمراد بالرفث هنا: الكلام الفاحش، وهو يطلق على هذا، وعلى الجماع، وعلى مقدماته، ويحتمل أن يكون لما هو أعم منها، قوله: ولا يجهل: أي لا يفعل شيئا من أفعال أهل الجهل، كالصياح والسفه، ونحو ذلك”.

فضل العشر الأواخر من رمضان

مع دخول العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، يزداد حرص المسلمين على اغتنام هذه الأيام المباركة التي خصها الله تعالى بنفحات إلهية عظيمة وفرص كبيرة لنيل المغفرة والثواب، خاصة وأنها تتضمن ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.

وليالي العشر في أحد تفسير أهل العلم، هي العشر الأواخر من رمضان، والشفع والوتر هو كل شفعٍ ووتر في هذه الحياة، ويدخل فيه الصلاة، صلاة الشفعِ وصلاة الوتر، ثم أقسمَ اللهُ باللَّيلِ إذا انقضى وذهب، وهو محل العبادة والطاعة والخلوة بالله سبحانه وتعالى، وهذا إشعار بأن العمر يذهب سريعا على صاحبه كما تذهب الليالي والأيام.

وتتضمن العشر الأواخر ليلة القدر التي جعلها الله خيرا من ألف شهر، وهي ليلة تتنزل فيها الملائكة وتفيض فيها البركات والمغفرة؛ فليلة القدر في شهر رمضان، والقرآن ابتدأ نزوله في شهر رمضان، وجاءت السّنّة الصحيحة تقول إن ليلة القدر هي في العشر الأواخر من رمضان وفي ليالي الوتر منها، وأن القرآن نزل فيها نزولا إجماليا من اللوحِ المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم ابتدأ نزول القرآن على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان وهو يتعبّد في غار حراء.

تبدأ ليالي العشر من غروب شمس اليوم العشرين، فإذا غربت شمس يوم العشرين من رمضان فقد دخلت العشر الأواخر، وتنتهي العشر بغروب آخر يوم من رمضان؛ هذه العشر قد تكون عشرا وقد تكون تسعا إذا كان الشهر تسعا وعشرين، وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “شَهْرا عيد لا يَنْقُصَانَ”؛ بمعنى: حتى ولو كان الشهر تسعة وعشرين، فإن الله يعطي أجر ثلاثين يوما لعباده فيها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتماسها في الليالي الوترية من العشر الأواخر، حيث قال: “تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر”.

سيدنا الصعب ذو القرنين رضي الله عنه

سيدنا ذي القرنين رضي الله عنه كان من أولياء الله الصالحين الكبار، فما اسمه؟ وماذا فعل ؟

اسمهُ الصعب بن الحارث وقيل الصَّعْب بنُ ذي مَرائِد، وهوَ أشْهرُ التّبابِعَة الذين هم ملوك اليمن، وقد حجّ ذو القرنين ماشيا من اليمن إلى مكة المكرمة والتقى بسيدنا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وطاف معهما حول الكعبة المشرفةِ وذبح الذبائح لله تعالى، ولما سَمِعَ سيدنا إبراهيم بقدومه استقبله ودعا له وأوصاه بوصايا، وجيءَ لَهُ بفَرس ليركَبَها فقال تأدبا: لا أركب في بلد فيه الخليل إبراهيم عليه السلام، فسخّر الله تعالى له السّحاب وبشَّرَهُ سيدنا إبراهيم بذلك، فكانت تحمله إذا أراد.

وكان من أمره أن الله مدّ له في عمره، ونصره حتى قهر البلاد وفتح المدائن وسارَ حتى أتى المشرقَ والمغرب فمن اتبعَ دين الإسلام سَلِمَ وإلا فقد أخزاه.

ومن النعم التي أُعطيت له أن سخّر الله له نورا وظلمة، فكان إذا مشى في الليل يُنَوَّرُ طريقُهُ ويكونُ الظلامُ خَلْفَهُ، وأحيانا تسلَّط الظّلمة بإذن الله على أقوام رفضوا دين الإسلام وحاولوا محاربة ذي القرنين، فتدخل الظلمة أفواههم وبيوتهم وتغشاهم من جميعِ الجهات حتى يتراجعوا.

انطلق سيدنا ذو القرنين غازيا مجاهِدا، منصورا مُظَفرا، حتى وصل إلى بلاد ما بينَ الجَبَلَيْنِ، وهما جَبَلانِ متقابِلَانِ عاليانِ أملسَانِ ويسكُنُ بينهُمَا قوم لا تكادُ تَعْرفُ لغتَهُم، قد جاوَرُوا قوما خُبثاء هم قوم يأجوج ومأجوج، وهم قوم في الأرض مُفسدون، ضالون مضلون.

ولما رأى أهل ما بين الجبلين أن ذا القرنين مَلِك قَوي، شديدُ المِرَاسِ، واسِعُ السُّلطانِ، كثيرُ الأعوانِ، التجأوا إليه طالبين أنْ يُقيمَ سَدا بينهم وبينَ جِيرانِهم، يفصِلُ بلادهم، ويمنَعُ عنهم عُدوانَهُم، على أنْ يُعطوه أجرَه، فقالَ ذو القرنينِ بِعِفة وصَلاحٍ: ما مَكَّنَنِي فيه ربي وأعطاني منَ المُلْكِ خير لي منَ الذي تجمعونَهُ، ولكنْ ساعدوني بِقُوَّةِ عَمَلِكُم وبآلاتِ البناءِ لعملِ السَّدّ، فجاءوهُ بقطَعِ الحديدِ الضَّخمةِ حَسَبَ طَلَبِهِ فكانَتْ كلُّ قِطعَةٍ تَزِنُ قنطارا أو أكثرَ، ووضَعَها بينَ الجبلينِ الواحِدَةُ فوقَ الأُخْرى منَ الأساسِ حتى إذا وَصَلَ قِمَّةَ الجبلينِ أحاطَ القِطعَ الحديديةَ بالفَحْمِ والخَشَبِ وأضْرَمَ النارَ فيها، وأمرَ بالنفخِ عليها بِالمنافِخِ حتى تُحَمَّى، ثمَّ جاءَ بالنُحاسِ المُذابِ معَ الرصاصِ فأفرغَهُما على تلكَ القِطَعِ الحديديةِ فالتأمتْ واشتدت والتصقت ببعضِهَا حتى صارَتْ سَدًا شامخًا أملَس سميكا جدًا يصِلُ ارتفاعُهُ إلى مائتين وخَمسين ذِرَاعًا يَصعب الصعود عليه إذْ لا نتوءَ ولا ثقوبَ فيهِ ويَصعبُ بالتالي ثَقْبُهُ.

وقدْ أخبرَ عنهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يموتُ أحَدُهم حتى يَلِدَ ألفًا منْ صُلبِهِ أو أكثَرَ، وسيصيرُ عدَدُهم قبلَ خروجِهِم كبيرًا جدًا، حتى إنَّ البَشَرَ يومَ القيامةِ بالنسبة لهم من حيث العددُ كواحد من مِائةٍ، ولم يثبت ما يُروى أن آذانَهُم طويلة ينامون على واحدة ويتغطون بالأُخرى وأنهم قِصَارُ القَامَةِ.

وهم يحاولون أن يخترقوا هذا السدَّ كلَّ يوم فلا يستطيعونَ، ويقولونَ كلَّ يومٍ بعدَ طول عمل وجهد: غدا نُكْمِلُ، فيعودونَ في اليومِ القابل فيجدونَ ما فتحوهُ قدْ سُدَّ، ويبقونَ هكذا يعملون كل يوم إلى أن يقولوا: غدًا نكمل إنْ شاءَ الله، فيعودونَ في اليوم القابل فيجدون ما بَدَأوا به قد بقيَ على حالهِ، فيُكمِلون الحفر حتى يتمكنوا من الخروج، ويكونُ خروجهُم علامةً من علامات القيامة الكبرى.

من أقوال الحسن البصري

قال الحسن البصري رحمه الله: “المؤمن قوام على نفسه يحاسبها لله تعالى وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا وإنما شق الحساب على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة”، و”إن أحباء الله هم الذين ورثوا الحياة الطيبة وذاقوا نعيمها بما وصلوا إليه من مناجاة حبيبهم، وبما وجدوا من حلاوة حبه في قلوبهم”، وقال أيضا: “فساد القلوب متولد من ستة أشياء، أولها: يذنبون برجاء التوبة، ويتعلمون العلم ولا يعملون به، وإذا عملوا لا يخلصون، ويأكلون رزق الله ولا يشكرون، ولا يرضون بقسمة الله، ويدفنون موتاهم ولا يعتبرون”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى