الحقيقة الضائعة | “هولتزمان” أصبح اسمه الحاج عثمان وتزوج من فاس
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 118"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

هل قام المولى عبد الحفيظ بالإعلان عن قبول مقررات الجزيرة، وهو الاعتراف الضمني بالتدخل الدولي في المغرب، قبل أو بعد معاينة الموقف ؟
قبل أو بعد؟ هذا اختيار ثانوي إذا ما ألقينا نظرة على الكشف السياسي والاجتماعي والعسكري والاقتصادي الذي قدمه له مستشاروه بعد تهنئته بالانتصار، وبعد أن أصبح السيد المطاع في المملكة المغربية.
إنه إذا كان الحكم ينهك، والمسؤولية تقتل، فإنه لا خلاف في أن وضع المولى عبد الحفيظ كزعيم للجهاد بلا قصور ولا كماليات باستثناء مسدسه وسيفه، كان أحسن بكثير، وأكثر طمأنينة من وضعه كسلطان في قصره وسط الخدم والحشم والوزراء والكبراء.
ولنراجع ذلك الكشف الذي فرض، أو كان عليه أن يفرض على مولاي حفيظ الاختيار:
– أولا: خلال مقابلته للوزير الفرنسي للخارجية رينيو، في 31 يناير 1909، قدم له المبعوث الفرنسي كشفا بالديون التي على جلالته أن يدفعها حالا، وهي:
• قرض فرنسا سنة 1904 وقيمته 62 مليون فرنك.
• قرض فرنسا سنة 1907 وقيمته 2 مليون فرنك.
• ديون أخرى متفرقة.
وتفضل الوزير الفرنسي ليبشر السلطان بأن القرض الأول (33 مليون فرنك) قد دخلت منه للحكومة الفرنسية عن طريق الموانئ 12 مليون فرنك، وهي بشرى لا تنقص من أهمية الالتزام بما تبقى.
وتحول الوزير رينيو إلى محاسب قابض، خبير في تحليل قوانين السلف والقرض، والفوائد والعائدات، وضرب الأخماس في الأسداد وجمع قروض الدولة الفرنسية، وأضافها إلى سلفات الأبناك.. المهم على المولى عبد الحفيظ أن يشرح للوزير الفرنسي الطريقة التي يراها مناسبة لدفع مجموع الباقي من ديون وقيمته 206 ملايين فرنك.
– ثانيا: وبعد خروج الوزير الفرنسي رينيو، ووعد السلطان له بأن يوجه الوزير المغربي المقري، للتدارس حول وسائل الدفع في باريس، استقبل المولى عبد الحفيظ لجنة فرنسية لمطالبته بدفع ثمانية ملايين فرنك كتعويض للأضرار التي لحقت بفرنسا من جراء غزوها وقنبلتها للدار البيضاء، وبالإضافة إلى تعويض الخسائر التي حصلت للمدنيين الفرنسيين، هناك قيمة محددة لما خسرته فرنسا من قنابل ورصاص ومفرقعات، هكذا.. بلغت قيمتها ستين مليون فرنك، بينما طالبت اللجنة بتعويضات الموظفين الفرنسيين الذين أعادوا النظام.
وطبعا، سمع الإسبانيون بهذا المطلب، فسارعوا لتقديم فاتورتهم لما “صرفوه” في مساعدتهم للفرنسيين في هجومهم على الدار البيضاء، وكانت قيمة الفاتورة الإسبانية ستة ملايين فرنك فقط.
– ثالثا: ولم يكن الإنجليز يهتمون بالضغط على مولاي حفيظ، فلقد خرج المغرب من منطقة نفوذهم، ولكنهم كقوة عالمية أعظم، مضطرون لمطالبة المولى عبد الحفيظ بأن ينقذ ضباطهم ونبيلهم، السير هنري ماك لين، مستشار المولى عبد العزيز وجاسوس الحكومة البريطانية، من قبضة الثائر الريسوني، الذي ضحك على الإنجليز وأخذ منهم فدية ولم يرد لهم ماك لين.
فالمولى عبد الحفيظ إذن، مطالب باستعجال، إما بتشكيل جيش لمحاربة الريسوني، أو للاتفاق معه وإعطائه منصبا (عامل طنجة) مقابل تهدئة الحكومة البريطانية، ورغم ما في الاختيار الأخير من برهان على عجز مولاي حفيظ وإهانة لعظمته، فإنه فضل هذا الحل على فتح واجهة جديدة ما كان أغناه عنها.
– رابعا: وعلى الواجهة الإسبانية، فتح الإسبانيون شهواتهم لاحتلال شمال المغرب بمقتضى الاتفاقيات الموقعة بينهم وبين فرنسا على حساب المغرب، وفعلا، غادرت جيوشهم حدود مليلية وتوغلت في التراب المجاور وفي مارتشيكا، وفي كاب دولو، وخرجت فرق من مدينة سبتة متعقبة بعض المغاربة حتى اقترابهم من تطوان، وهي بوادر حرب جديدة هي أيضا ما كان للمولى عبد الحفيظ استعداد لخوضها.
– خامسا: وعلى الجبهة الداخلية، احتدم الخلاف بين المولى عبد الحفيظ وعائلة الكلاوي، التي أصبحت تتعامل صراحة مع الفرنسيين، وحصل سوء تفاهم جعل السلطان يرفض استقبال قائدين هامين جاءا من الجنوب، وهما القايد المتوكي والقايد عيسى العبدي، فغضبا وعادا للانضمام للكلاوي، بينما استمرت ثورة جبالة، وثورة زمور، بالإضافة إلى بوحمارة، الذي كان لم يسقط بعد في الفخ، فكان يوجه ضربات قاسية إلى الجيش السلطاني بدعم من الفرنسيين والإسبان.
– سادسا: وحتى على صعيد القصر السلطاني، أعلن أخ المولى عبد الحفيظ، ويسمى مولاي الكبير، الثورة على أخيه وهرب من فاس يوم 5 ماي 1909 والتحق بالأطلس حيث جمع حوله عددا من القبائل البربرية، وخصوصا زمور، وأيت موسى، الذين كانوا مستائين من اعتقال زعيمهم الشريف الكتاني، وذهب مولاي الكبير هذا إلى أبعد الحدود، حيث اتفق مع بوحمارة على مهاجمة فاس من الشرق بينما يتولى هو مهاجمتها من الغرب.
– سابعا: وثار العلماء والأعيان ضد بعض التصرفات الجديدة الناتجة عن البدء في تطبيق مقررات عقد الجزيرة، وتزعم الوزير السابق، الكباص، حركة معارضة لشراء الأجانب للممتلكات بالمغرب، بدعوى أن في ذلك خروجا عن الدين، بينما ينص الفصل الستون من عقد الجزيرة، على السماح للأوروبيين بشراء الأملاك العقارية في المغرب، ورغم أن هذا الفصل إنما أكد ما جرى عليه الاتفاق في “معاهدة مدريد” قبل ربع قرن من ذلك التاريخ، فإن العلماء اتخذوا من هذا الفصل قميص عثمان.
– ثامنا: ولما كان الألمانيون هم السند الظاهر للسلطان عبد الحفيظ، إذ أقرضوه في يوليوز 1909 حوالي مليونين من المركات بواسطة شركة “مانزمان”، فإن الأيدي الخفية انطلقت تخطف الألمانيين وتغتالهم، وكان من بين المختطفين أحد أبناء مانزمان نفسه، كما اختطف من كان معه من المرافقين، واختطف تاجران بلجيكيان، وأصبح كل ألماني يتجول في سوس، منطقة المشاريع الألمانية، يتم اختطافه ولا يطلق إلا مقابل فدية مالية، مما اضطر الألمان لتغيير موقفهم من مولاي حفيظ ومطالبة تسليمهم مقاليد الأمور لفرض النظام ومعاقبة الفوضويين بمن فيهم الفرنسيين، وأمام تأخر السلطان عن إجابتهم، سارعوا – كالأطفال – لمطالبته برد ديونه لهم وبسرعة، وعندما لم يرد الديون بسرعة، ولم يأخذوا حتى الأجور عن الإنجازات التي قاموا بها نظرا لعدم توفر المال الكافي لدى مولاي حفيظ، فإنهم أعلنوا استقلالهم داخل المغرب، ورفعوا العلم الألماني على كل منشآتهم وأعلنوا المناطق التي يتواجدون بها أراضي ألمانية، فمثلا أعلنوا ميناء طنجة أرضا ألمانية ورفعوا عليه العلم الألماني وأقاموا بها إدارة سلطة وحكما ألمانيا.. منتهى الفوضى.
حتى رجل الاتصال بين المولى عبد الحفيظ وبين الألمان، وهو ألهر هولتزمان، الذي دخل في الركاب الملكي يوم دخول مولاي حفيظ لفاس، لم يلعب الدور الذي كان مولاي حفيظ ينتظره منه، بإسهامه على الأقل في التأثير على الألمان بالتعقل والاتزان، ونقص كيلهم من الأكيال، إلا أن هولتزمان فاجأ مولاي حفيظ بأنه أدرك مناه، فقد أعلن إسلامه وتزوج بفتاة فاسية واستبدل اسم هولتزمان باسم الحاج عثمان، وأصبح مديرا لمعمل السلاح بفاس.
تقرير فرنسي عن مولاي حفيظ
المظنون أن في هذا السيل من المشاكل والأزمات ما يكفي لأن يهد الجبال، وهي وضعية لو قورنت بالوضعية التي كان عليها المولى عبد العزيز، لما فرقت عنها بالكثير.
وعناصر الأزمة هاته تفصح كل واحدة منها عن هويتها، ولا يمكن لها أبدا أن تتنكر لانتمائها لإحدى الأيادي الأجنبية، أو تسلسلها من حلقة المناورات الاستعمارية.
فمولاي حفيظ لم يكن أبدا خليقا بأن تنصب عليه سيول النقد وشلالات المسؤولية، ولم يبق خفيا أن الأجهزة الاستعمارية كانت تؤلب عليه الرأي العام وتذيع عنه أبشع الشائعات وتجري على ألسنة الناس عبارات القذف، وما ذلك إلا لمسخ الأمر الواقع، وكان من الممكن تصديق تلك الدعايات لو لم تكن العناصر السابقة فوق إرادته، خارجة عن احتماله واحتمال أي رئيس أو مسؤول آخر.
حقا، كان مولاي حفيظ عصبيا لدرجة كبيرة، فكان يزيد يوميا من عدد أعدائه، منساقا وراء عصبيته، فكان يطرد الوزراء الفرنسيين ويشتم المبعوثين الإنجليز، ويترك الموفدين الإسبان خارج بوابة القصر ينتظرون، وهو أيضا معذور في تصرفاته هاته، ولم يكن ذلك – ولا شك – إلا انفجارا ظاهريا للصراع الخطير الذي كان يحتدم في أعماق هذا الرجل الذكي القوي، وللتناقض الجلي بين المهمتين اللتين كانتا تتنازعان الغلبة في داخل فكره، مهمة الجهاد والتحرير التي جاء من أجلها، ومهمة تسيير الأمور والخروج عن الورطة التي وجد نفسه مقحما فيها.
فالتعمق في كل أعمال مولاي حفيظ وقراراته وحربه وسلامه، إلى يوم إبعاده، تثبت كلها أن الرجل كان رافضا لحقيقة أمره ثائرا على نفسه وعلى محيطه، عاجزا عن التعبير عن آلامه، مفتقدا للحليف أو للصديق، عاجزا عن تأديب الأجانب الذين يتنازعون عليه، مما يفسر عنفه في عقاب الخائنين له من رعاياه، فكم مات في عهده تحت السياط من ثبتت خيانتهم، ولقد رأينا كيف مات الشيخ الكتاني تحت السياط، وكيف مات بوحمارة محروقا بالبنزين، وهذا الصراع الداخلي الذي كان يعاني منه مولاي حفيظ هو الذي أوحى للخبراء الاستعماريين بالأفكار التي اتخذوا منها حربا عليه لقضاء أغراضهم، والتي استنكرها في جلساته، وكتب عنها، حتى أنه قال فيها الشعر، وأخيرا سنرى في نهاية مطافه وهو في طريق المنفى كيف عبر عن سخطه على الظروف بأن أمسك مظلته السلطانية بين يديه وكسرها على ركبته.. وهو منتهى الانفجار.
سجل المؤرخ مارتان في كتابه “أربعة قرون من تاريخ المغرب” ما كتبته التقارير الفرنسية عن مولاي حفيظ ولخصه في الفقرات التالية:
((ثارت أعصاب السلطان وأصبح الفرنسيون يشعرون بأنه يرفض كل شيء ويغضب من كل شيء، ويواجه المستشارين الفرنسيين بالسخط والغضب والشتم، ويرفض بتاتا أن يمضي على أي شيء، وكان يرد على كل الاقتراحات بقوله: “من بعد، من بعد”، ولم يفهم الفرنسيون شيئا حين أصبح يردهم قائلا: “سوف أبعث الوزير المقري لباريس، اذهبوا الآن إلى حال سبيلكم”.
ولقد احترنا – يقول الفرنسيون – فبعثنا له الوزير رينيو، الذي جاء خصيصا من باريس، فاستقبله لفترة قصيرة وقال له: “سأخصص لك بعض الوقت عندما أتوجه للرباط”، وأصبح الفرنسيون – يقول مارتان- يشعرون أنه لا شك يلعب ورقة المعارضة المغربية، وتأكدوا من هذا عندما قدموا له سلسلة من الاقتراحات، فصعقهم بجواب قائلا: “سأجيبكم عن كل هذه المطالب عندما تسحبوا جيوشكم من وجدة والشاوية ومن الجنوب الشرقي”، ويقصد توات وتيدكلت وكورارة)).
غريب أن ينقل الفرنسيون في تقاريرهم هذه الحقائق عن مولاي حفيظ، ولكنهم ينهشون في سمعته عندما يتعلق الأمر بالرأي العام الوطني، إذ ليس من حقنا أن ننسى أن المناورات الاستعمارية والدعايات المغرضة في وسط الرأي العام، ذهبت بالبعض إلى الهجوم على القصر السلطاني بفاس، ولكن وبعد سنين طوال، لم يبق من حقنا أن نثق إلا بما كانت المؤامرات الاستعمارية تبثه في أدمغتنا.
ولندخل مع مولاي حفيظ في صراعه مع المناورات الاستعمارية انطلاقا من الحالة المزرية التي كان عليها المغرب في تلك الظروف الحالكة من تاريخ بلادنا.



