
نقف على أبواب شهر أبريل، الذي كلما حل إلا وتوجهت أنظار المغرب إلى مجلس الأمن الدولي الذي يخصص هذا الشهر لدراسة تطورات الوضع في الصحراء واتخاذ قرارات بخصوص النزاع القائم في المنطقة، إذ يتوصل مجلس الأمن في شهر أبريل من كل سنة بتقرير الأمين العام للأمم المتحدة بناء على ما توصل به من مبعوثه الخاص إلى الصحراء، وبعد ذلك، يخصص جلسة لمناقشة الملف والتي غالبا ما تنبثق عنها قرارات لا غالب فيها ولا مغلوب.. لكن أبريل من هذه السنة يبدو أنه استثنائي، في ظل التغييرات الجذرية التي يقوم بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مستوى السياسة الدولية، حيث يتوقع الكثيرون أن يمس خفض الإنفاق الذي تمارسه إدارته الجديدة، بعثة “المينورسو” في الصحراء، ما قد يفتح الباب أمام مبادرات جديدة من أجل إيجاد حل لهذه القضية التي تعتبر من مخلفات الحرب الباردة، ومن بين الحلول التي أعيد طرحها السنة الفارطة “تقسيم الصحراء”، الذي يعتبر مقترحا جزائريا تم طرحه سنة 2002، غير أن تنقيبنا في الوثائق، وخاصة الأمريكية، كشف أن هذا المقترح قديم جدا، وأن أول من طرحه ليست الجزائر، بل تونس، ويحاول هذا الملف تقديم هذه الوثائق الأمريكية التي تشير إلى هذا المعطى.
أعد الملف: سعد الحمري
مناقشات وتطورات جديدة في ملف الصحراء..
نشرت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرا وثائق رفع عنها طابع السرية، تتعلق بقضية الصحراء خلال مرحلة الثمانينات من القرن الماضي (1981-1988)، أي مرحلة حكم الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، والمثير في هذه الوثائق، التي نشرت في ظرفية حساسة وحاسمة، أنها تشير بقوة إلى موقف أمريكا من هذا النزاع خلال تلك الحقبة، حيث كانت الولايات المتحدة تتخذ مبدأ الحياد، مقابل رفض إقامة دولة جديدة في المنطقة، إلى جانب اعتبار الجزائر طرفا رئيسيا في هذا النزاع.
وقد شهدت مرحلة الثمانينيات تطورات في قضية الصحراء، لعل أبرزها بداية طرح الحلول من أجل إنهاء هذا الصراع؛ فقد دفع المغرب بخيار تنظيم استفتاء ترعاه الأمم المتحدة ولا تتدخل فيه منظمة الوحدة الإفريقية، في حين رفضت الجزائر هذا المقترح، وقدمت كمقترح نوعا من الحكم الذاتي للمنطقة، وهو ما ظل المغرب يرفضه.
ومن هنا بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن حل وسط للأزمة، رغم أنها اختارت مبدأ الحياد، إلا أن هذا الصراع كان يقلقها كثيرا، لأنه كان بالنسبة لها في أي لحظة سيدخل المنطقة في انزلاق أمني خطير، وما زاد من تفاؤل أمريكا من إمكانية إيجاد حل وسط ينهي النزاع، هو دخول المغرب والجزائر في مفاوضات سرية، عن طريق وساطة سعودية، وفي ظل تقدم المفاوضات، سواء في منحى إيجابي أو سلبي، كانت أمريكا تنتظر حلا نهائيا، وهو ما لم يأت، حيث كان رهان الجزائر على بناء المغرب العربي ومعالجة القضية من داخله لا يرضي المغرب، الذي كان يرى أنه يجب بناء العلاقات الجزائرية المغربية بمعزل عن مشكلة الصحراء.
سنة 1988.. فرصة حقيقية لإنهاء الأزمة
وما إن وصلت نهاية سنة 1987، حتى رأت أمريكا أن سنة 1988 ستكون حاسمة لهذا الملف، وعلى هذا الأساس صدر تقرير سري أنجزه مكتب التحقيق الفيدرالي الأمريكي، يحمل عنوان: “الصحراء الغربية: 1988 نافذة لفرصة”، جاء في مقدمته أن الوضع في الصحراء كما يلي: من المقرر أن يزور المغرب الأمين العام للأمم المتحدة في مطلع شهر أبريل، كما أنه في ظل الضغوط السعودية على كل من المغرب والجزائر، من المنتظر أن يلتقي الحسن الثاني والرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، إلى جانب سعي تونس للتوسط بين البلدين في قضية الصحراء، ولخصت الوثيقة موقف المغرب من تطور الأوضاع بأنه يفضل فك ارتباط العلاقات الثنائية مع الجزائر بقضية الصحراء، والمضي قدما نحو تحقيق انفراج، بينما ترى الجزائر أنه يستحيل تحقيق انفراج حتى تُحل قضية الصحراء.
وفي تفاصيل التقرير: ترغب الجزائر في تسوية قضية الصحراء وفق شروطها، حيث يسعى الشاذلي بن جديد إلى إعادة انتخابه وهو يراهن على غلق قضية الصحراء، ومن تم يسعى إلى فتح البلاد أمام التعددية السياسية والانفتاح على التكنولوجيا والرأسمال الأجنبي، والابتعاد عن السوفيات، وتحقيق الوفاق والتعاون الاقتصادي مع المغرب، وستبلغ معركته السياسية ذروتها في مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم في دجنبر 1988، حيث من المرجح أن يُعاد انتخابه رئيسا.
وورد في التقرير أنه يمكن لبن جديد تطهير خصومه، لكنه يفضل إظهار تقدم جبهة التحرير الوطني في تسوية قضية الصحراء، إلى جانب انتعاش اقتصادي، وإعادة دمج ليبيا في المغرب الكبير المستوحى من النموذج الجزائري، الأول من شأنه أن يُخفّض الإنفاق على جبهة البوليساريو وعلى اللاجئين بمخيمات تندوف، الذين ترغب الجزائر في عودتهم إلى الصحراء، كما أنه سيفتح آفاق التعاون مع المغرب، الذي يعتبره العديد من الجزائريين مكملا اقتصاديا.
كما تنطوي استراتيجية بن جديد بشأن الصحراء على بعض المخاطر، فهو يعلم أن الحسن الثاني لا يمكنه القبول بأقل من السيادة، ولا منح البوليساريو أكثر من مجرد رشوة سياسية، كما أن رد فعل البوليساريو غير متوقع.. ففي مواجهة التنازلات الجزائرية للمغرب، قد يحاول متشددوها تحدي القيود الجزائرية على النشاط العسكري للبوليساريو، أو فرض وجودهم في موريتانيا، ومن المهم أيضا، وإن كان من الممكن التعامل معه، رد فعل الدول التي اعترفت بالبوليساريو، تحت ضغط دبلوماسي جزائري، وغالبا على حساب قطع العلاقات مع المغرب.

وفيما يخص المغرب، لم تتغير مصالح الحسن الثاني كثيرا منذ عام 1975، ولكنه هو الآخر مهتم بالتوصل إلى تسوية، وجاء في التقرير أنه من شأن اتفاق الصحراء أن يفتح آفاقا عديدة: تخفيف العزلة الدبلوماسية عن معظم دول العالم الثالث؛ تلبية رغبة السعودية في التقارب الجزائري المغربي؛ وإزالة العوائق أمام تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة والمجموعة الاقتصادية الأوروبية، مما قد يؤدي إلى زيادة المساعدات الاقتصادية والعسكرية، وهو ما قد يخفّض أيضا التكاليف العسكرية، فالتأثير الإجمالي للنفقات العسكرية قابل للنقاش، لكن أي إعادة توزيع للأموال على المناطق الحضرية التي تزداد تمردا، من شأنها أن تعالج المشاكل الداخلية المتفاقمة، ومع ذلك، وبينما يشدد الحسن الثاني على التزامه باستفتاء الصحراء، يدرك أن الوضع الراهن قد خدمه جيدا، فالحرب تُعطي الجيش المغربي مبررا لوجوده وتُحيد مصالحه عن السياسة، كما أن التعددية التي منحها مقابل دعمه الحزبي للحرب تُعزز صورته الدولية.
ومما جاء في التقرير، أن الحسن الثاني بنى حزاما أمنيا، ثم وسعه لاحقا، واعتمد استراتيجية دفاعية بعد الهزائم العسكرية عام 1981، ويضمن الحزام الأمني السيطرة على مناطق ذات أهمية في الصحراء، بينما يجنب دفاع ثابت نسبيا هزائم محرجة، كما يشغل أعدادا كبيرة من الشباب الذين ستفاقم عودتهم مشاكل التوظيف في المغرب وتولد موجة جديدة من السخط الشعبي، وطالما يبدو أنه يؤكد بنجاح على مطالب المغرب، فإن الحرب تشكل مصدر قوة سياسية داخلية للملك الحسن الثاني.
وفيما يتعلق بجبهة البوليساريو، فقد ذكر التقرير أنها مسلحة جيدا وقادرة على التكيف مع التقدم الدفاعي المغربي، ولا يمكنها هزم المغرب، لكنها تعتقد أنها قادرة على خوض حرب استنزاف ناجحة، فيما يدرك المعتدلون أنه من المرجح إجراء استفتاء، وقد حاولوا التأثير على قرار من سيُمنح لهم حق التصويت، كما أن بعض المتشددين في البوليساريو يؤيدون الإرهاب في المغرب، لكن من غير المرجح أن يكون أي من أعضاء البوليساريو قد استجاب لعروض المساعدة من دولة ثالثة، مثل تلك الواردة من إيران، وسرعان ما ستُمنع هذه المساعدة من قبل الجزائر، حيث يعتقدون أن الرئيس بن جديد يتجه نحو التسوية تحت ضغط سعودي ودول أخرى، لكن البوليساريو لن تخاطر قريبا بالانفصال عن الجزائر – مصدرها الرئيسي للدعم المالي والدبلوماسي واللوجستي – ولن يكون لديها مجال كبير للعمل بشكل مستقل على أي حال.
وفيما يتعلق بالاهتمام السعودي، فقد أعطت محادثات الملك فهد عام 1986 مع الحسن الثاني وبن جديد، زخما كبيرا لمفاوضات الصحراء الحالية، لم يكن العاهل السعودي منخرطا بنفس القدر من الانخراط المباشر مؤخرا، لكنه لا يزال يرغب بوضوح في تخفيف التوتر المغاربي، إذ تعتقد الرياض أنه يجب إيجاد آلية لدمج الصحراء في المغرب، ومنح ساكنة الأقاليم الصحراوية وضعا خاصا، ومساعدة الجزائر على حفظ ماء الوجه، ومن جانب آخر، تعتقد جبهة البوليساريو أن المساعدات المالية السعودية أصبحت الآن عاملا حاسما في سياسة الجزائر بشأن الصحراء.. هذا أمر غير معقول حتى في المغرب، حيث المساهمة المالية السعودية أكبر بكثير، فإن الضغط السعودي ليس سوى أحد العوامل المؤثرة على سياسة الصحراء.
وبخصوص آفاق حل الأزمة، ذكر التقرير أنه من الواضح أن الجزائر تعتبر عام 1988 عاما مناسبا لإبرام صفقة، وستحاول الضغط على الرباط بكثافة مع الاستعداد لتقديم تنازلات، ومع ذلك، يتمتع الحسن الثاني بهامش ضيق من المناورة، وقد يخشى رد فعل عنيف من الجيش والسياسيين الانتهازيين والمستوطنين المغاربة في الصحراء، ومع ذلك، قد يُظهر عدم رغبته في القيام بالمبادرات الدبلوماسية اللازمة لمنح الجزائر طريقا مشرفا للتخلي عن حرب الصحراء.
كما أكد التقرير أن فرصة عام 1988 تُعزى إلى طموحات الرئيس بن جديد السياسية الداخلية، ورغم أنه قد يحظى بدعم من مؤتمر جبهة التحرير الوطني (دجنبر 1988)، إلا أن حافزه الفوري للتوصل إلى اتفاق مع المغرب سيتلاشى، وستصبح التسوية أكثر صعوبة بحلول أوائل عام 1989، ولن تُفتح النافذة التالية الواضحة إلا بعد عام 1992، عندما تُفاقم قيود المجموعة الأوروبية على واردات المغرب العربي المشاكل الاقتصادية المغاربية، وتُعزز الحاجة إلى استراتيجية اقتصادية مغاربية موحدة.
وختم التقرير بالتأكيد أن حل نزاع الصحراء سيكون ميزة واضحة للمصالح الأمريكية، إذ سيفيد المغرب والجزائر اقتصاديا، ويزيل قضية خلافية وجدت الولايات المتحدة نفسها ملزمة بالتدخل فيها دبلوماسيا، كما سيُخفف هذا من حدة التوترات ويُسهم في ضمان استقرار شمال إفريقيا.
وبقدر ما يؤدي هذا الحل إلى تحرك نحو تعاون إقليمي موسع، ورؤية مغاربية للاقتصاد، أو الشرق الأوسط، أو أمن البحر الأبيض المتوسط، قد تصبح الدبلوماسية الأمريكية في المغرب أكثر تعقيدا، وقد تؤثر وجهات النظر الجزائرية والليبية على تفكير المغرب وتونس، المؤيدين للغرب، وقد تتأثر بدورها، ومن شأن التعاون المغاربي الناجح أن يضعف النفوذ السوفياتي في الجزائر، وربما في ليبيا، مما يعطي الولايات المتحدة مكسبا صافيا إجماليا.
المقترح التونسي الذي رفضته موريتانيا والمغرب والجزائر
بدأت التحركات السعودية والتونسية من أجل التوسط وإيجاد حل للأزمة، حيث قامت السعودية بجهود كبيرة من أجل جمع زعيمي البلدين، ونجحت في ذلك، بينما تكشف الوثائق السرية الأمريكية عن المقترحات التي تقدمت بها تونس من أجل حل الخلاف بين البلدين وإنهاء أزمة الصحراء، حيث تقدم وثيقة أمريكية مؤرخة بـ 29 فبراير 1988، مصدرها السفير الأمريكي بالجزائر أرسلها إلى وزارة خارجية بلده، يقول فيها أنه التقى بالسفير التونسي لدى الجزائر، وأخبره بأن بلاده عرضت استخدام مساعيها الحميدة للمساعدة في إيجاد حل لمشكلة الصحراء، وأن الجزائريين وافقوا، لكن الرباط لم ترد بعد.
وتقول الوثيقة أنه عندما سُئل عما يدور في خلد تونس، قال السفير التونسي أن أحد الاحتمالات هو إنشاء “دولة صحراوية” من ذلك الجزء من الصحراء الذي خضع لموريتانيا بعد الانسحاب الإسباني، بمعنى الداخلة ووادي الذهب، وأشار إلى أن موريتانيا تخلت عن مطالبتها بهذه المنطقة، بينما لم يطالب بها المغرب قبل دخوله لها سنة 1979 بعدما تخلت عنها موريتانيا.
وجاء في الوثيقة أن السفير التونسي اتفق على أن جبهة البوليساريو ستجد هذا الحل غير مناسب، لكنه يعتقد أنها قد تقبل مثل هذا الحل إذا تركت الباب مفتوحا أمام إمكانية إجراء مزيد من المفاوضات مع المغرب بشأن الجزء الشمالي من الصحراء.
وعلق السفير الأمريكي على هذا المقترح بما يلي: “يبدو هذا الاقتراح بعيد المنال إلى حد ما، ولكنه يحظى ببعض الجاذبية، لأن المغرب سينتهي به الأمر إلى السيطرة على جزء كبير فقط من الصحراء، بينما تتمكن الجزائر من ضمان الاعتراف بدولة صحراوية.. نحن مهتمون بآراء السفارة في الرباط ونواكشوط”.
وفعلا، وجهت الخارجية الأمريكية سفراء بلادها في كل من المغرب وموريتانيا والجزائر، إلى بحث إمكانية تطبيق هذا المقترح، وتشير الوثائق إلى أن المغرب لم يكلف نفسه عناء الرد على هذا المقترح، في حين قالت نواكشوط: “نحن نعتبر أنه من المسلم به أن موريتانيا سترحب بأي جهد معقول لإيجاد حل تفاوضي للنزاع، ومن ناحية أخرى، إذا كان التونسيون يحاولون التوسط حول فكرة إنشاء دولة بالثلث الجنوبي من الصحراء، فمن المرجح أن ينظر قادة موريتانيا إلى هذا الاحتمال بمشاعر متباينة للغاية”، أي أن هناك من سيقبل وهناك من سيرفض.
أما بخصوص مستقبل الوساطة التونسية، فقد جاء في إحدى الوثائق المؤرخة بـ 31 مارس 1988، أن المغرب والجزائر أحبطا هذه المحاولة.



