ملف الأسبوع | إحياء ظاهرة “الشناقة” في الاقتصاد والسياسة

الوسطاء والمضاربون و”الشناقة”، لهم معنى واحد، وهكذا يطلق عليهم في الإعلام والقاموس السياسي، هم السبب الأول والأخير في أزمة غلاء الأسعار في المغرب، سبب البؤس الاجتماعي، هم من يهددون السلم الاجتماعي، وربما ما خلقوه من أزمة قد يصبح تهديدا داخليا حقيقيا للبلاد ككل..
الكل يعلق أسباب الأزمة وما يعيشه المواطن من بؤس وغلاء فاتورة قفته اليومية على هؤلاء، هم موجودون ولا أحد يعرف من هم، لا يدفعون الضرائب ويجنون الأرباح الطائلة، بمعنى أنهم عبارة عن ورم خبيث في المجتمع، هل انتشر ولا أحد يستطيع الحد منه؟ وهل يكون تحدي وضع حد للوسطاء و”الشناقة” هو الشعار الذي سترفعه مختلف الأحزاب من أجل الظفر برئاسة حكومة المونديال ؟
أعد الملف: سعد الحمري
فوضى غير مألوفة
يشهد المشهد الداخلي بالمملكة غموضا وفوضى، فالكل ينادي بضرورة محاربة المضاربين والوسطاء، لأنهم سبب لهيب الأسعار، ومن عجائب الأمور أن تخرج أحزاب الائتلاف الحكومي، ويطالب كل واحد منها على حدة بوضع حد للوسطاء، في الوقت الذي نسوا فيه أو تناسوا أنهم هم من يقودون الحكومة الحالية وبيدهم الحل والعقد، وأن المشكل استفحل بقوة خلال عهدة الحكومة الحالية، حيث تضاعفت أسعار المواد الاستهلاكية أضعافا مضاعفة، وقد استفحلت الظاهرة بقوة ودقت ناقوس الخطر خلال سنة 2023، أي في عز الحكومة التي يقودها حزب الأحرار، ونتذكر جميعا كيف أن حزب الأصالة والمعاصرة دعا خلال شهر مارس من تلك السنة، عندما تعالت الأصوات المطالبة بوضع حد لهذه الظاهرة، ((قيادة الأغلبية الحكومية، إلى عقد اجتماع طارئ من أجل تدارس الوضعية الاقتصادية المستجدة وانعكاساتها الصعبة على الواقع المعاش للكثير من فئات المجتمع، وكذا مقاربة تقارير بعض المؤسسات الدستورية والاستراتيجية التي تعنى بالشأن المالي والاقتصادي))، كما طالب الحزب – في بلاغ له – ((لجنة خبراء الحزب، إلى تكثيف اجتماعاتها وانكبابها على القضايا الاقتصادية الطارئة وانعكاساتها الصعبة على الأوضاع الاجتماعية للمواطنين، ومن تم الإسهام في رسم مخرجات عامة وتشاركية حول هذه الوضعية)).
وناشد “البام” الحكومة من أجل “الحزم وتشديد المراقبة أكثر، والمواجهة الصارمة لجشع المضاربين وتصرفاتهم التي تصل درجة الخيانة الوطنية في مثل هذه الظروف الصعبة التي تمر منها بلادنا، حيث حرمان المواطنات والمواطنين من خيرات بلادهم بجشع وسلوكات مختلفة))، وأكد على ضرورة ((الضرب بقوة على أيدي الرافضين الانضباط لقرارات الحكومة التي تهم تأمين السوق الوطنية بالحجم الكافي من المواد الأساسية، وكذلك المتلاعبين في الأثمنة، لاسيما المتورطين في الاختلالات الكبيرة التي تسجل أحيانا في أسعار بعض المواد، ما بين أثمنة المنبع عند الفلاحين والصيادين والحرفيين، وما بين الأثمنة غير المفهومة عند نقط البيع الأخيرة)).
مرت على دعوة حزب الأصالة والمعاصرة سنتان كاملتان، وعوض أن تجد دعوته إلى حليفيه في الحكومة آذانا صاغية، ونشهد حلولا أو أنصاف الحلول، استفحلت الظاهرة أكثر، وظهرت بجلاء أكبر منذ بداية الحكومة في صرف دعم مالي مهم لمستوردي اللحوم الحمراء، الذي كان الغرض منه خفض أسعار هذه المادة الأساسية وتمكين المواطن من الوصول إليها بأسعار معقولة، إلا أن الأسعار ظلت مرتفعة، فكانت النتيجة توجيه التهمة بأن رخص الاستيراد والدعم المالي وجهت لأشخاص على رؤوس الأصابع، ودخلوا في الاحتكار والمضاربات من أجل استمرار غلاء الأسعار.

حلول الأحزاب المشكلة للحكومة
هل المشكلة كبيرة وتستعصي على الحل، أم أن هناك من يتستر عليهم وله مصلحة في استمرار ارتفاع الأسعار؟
غموض الوضع يجعل الإجابة صعبة جدا، ومن تجليات صعوبة إيجاد جواب، خروج الأحزاب المشكلة للحكومة ببيانات وخرجات إعلامية مؤخرا، تندد بارتفاع الأسعار وتدعو إلى محاربة الوسطاء و”الشناقة”، في ظاهرة غريبة تجعل المرء يطرح أكثر من سؤال، حول إذا كان أقصى ما تقوم به الأحزاب المشكلة للحكومة هو المناداة بمحاربة هذه الظاهرة، فما هو دورها؟ أليست هي السلطة التشريعية والتنفيذية وبيدها كل السلط؟ وماذا تركت لأحزاب المعارضة لتقول؟
بدأ الأمر مع اتهام نزار البركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، في لقاء حزبي خلال شهر فبراير الماضي في جماعة أولاد فرج بإقليم الجديدة، (اتهام) المضاربين في الأسعار بالسعي نحو الربح الكبير في المواد الأساسية، رغم الدعم الذي خصصته الحكومة لاستيراد عدة مواد، وخاطبهم قائلا: ((اتقوا الله في المغاربة، وباراكا ما تاكلو فلوسهم، نقصوا من هوامش الربح))، يومها أفادت عدة مصادر، أن هذا التصريح أغضب رئيس الحكومة الذي اعتبر أن هذه الخرجة الإعلامية ضرب من تحت الحزام.
لم تكن هذه الحادثة شاذة، بل كانت بداية لما هو أكبر.. فقد ابتكر حزب التجمع الوطني للأحرار فكرة عبقرية، وكأنه لا يعرف حلولا لهذه الأزمة، حيث نظم يوم 11 مارس الماضي بمدينة أكادير ندوة بعنوان: “ارتفاع الأسعار بالمغرب.. الأسباب وسبل تحقيق الاستقرار الاقتصادي”، وذلك في إطار النسخة الثالثة من “رمضانيات الأحرار”، وشهدت الندوة حضور نخبة من الفاعلين الاقتصاديين والخبراء الذين ناقشوا العوامل المؤدية إلى ارتفاع الأسعار، ويتعلق الأمر بكل من يوسف جبهة رئيس الغرفة الفلاحية بجهة سوس ماسة، وفؤاد بنعلالي رئيس غرفة الصيد البحري الأطلسية الوسطى، وهشام القيسوني أستاذ جامعي، وحسن ذنبي رئيس الهيئة الوطنية لجمعيات حماية المستهلك.
وقد كانت الندوة مناسبة للتنويه بجهود الحكومة في تموين الأسواق وضمان توفر جميع المواد الأساسية، إضافة إلى التحكم في معدلات التضخم رغم التحديات الاقتصادية العالمية، وكانت الخلاصات التي خرج بها المتدخلون من أجل محاربة هذه الآفة، مليئة بلغة الخشب، وهي ((تعزيز المراقبة وضبط الأسواق لمكافحة المضاربات، ودعم الإنتاج الوطني، وتقليل التبعية للخارج، إلى جانب تشجيع الاستثمار وتوسيع برامج الدعم الاجتماعي للحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين، كما شددوا على أهمية تعاون الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني لإيجاد حلول مستدامة تعزز التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي)).
أما حزب الأصالة والمعاصرة، فقد دعا الحكومة التي يشارك فيها، في بلاغ له، إلى ((تكثيف المراقبة والضرب بيد من حديد على بعض الوسطاء والمهنيين المفسدين الذين لازالوا يستغلون كل إمكانيات علاقاتهم لافتعال الأزمات والانتفاع من وضع المضاربات)).
تأكيد حكومي على أهمية الوسطاء والمضاربين
بين دعوات الأحزاب المشكلة للحكومة والمسؤولين الحكوميين فرق شاسع.. ففي الوقت الذي أطلقت فيه أحزاب الأغلبية هذه التصريحات والدعوات من أجل التملص من مسؤوليتها، نجد مسؤولين حكوميين يصرحون بغير ذلك؛ فقد صرح أحمد البواري، وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، في حوار مع موقع “هسبريس”، يوم 13 مارس 2025 بما يلي: ((من لديه مصلحة؟ فلا أحد له مصلحة في التهاب الأسعار.. هي تضر كافة المتدخلين من المنتج إلى المستهلك، ودعني أكون واضحا معك، لا نستطيع كوزارة التدخل لفرض منطق معين لمجابهة المضاربة أو الحد منها، حرية السوق هي الأصل والسلع الفلاحية تخضع لمعايير العرض والطلب.
دور الوزارة هو توفير المواد الفلاحية بكميات كافية لتموين السوق، والوسطاء لهم دور في جميع الأنشطة الاقتصادية، ولكن هناك بعض الانتهازيين يستغلون الأزمات لجعلها مصدرا للربح المبالغ فيه))، وقبله أكد رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي، أحمد رضى الشامي، أنه ((من الصعب التخلي عن الوسطاء والمضاربين نظرا لدورهم الحيوي في الوساطة والتوزيع)).
بأي منطق سيطرح هذا الملف مع النقابات ؟
يجب الإشارة إلى أننا على مشارف شهر أبريل، الذي تنطلق فيه جولة جديدة من الحوار الاجتماعي، حيث تستعد النقابات لطرح ملف الوسطاء والمضاربين على طاولة الحوار الاجتماعي، في ظل تصريح قيادات نقابية بأنه على السلطة الحكومية أن تقدم التزامات بشأن التحرك ورفع شبهة التواطؤ عن الجهاز التنفيذي، ومنهم بوشتى بوخالفة، نائب الكاتب العام للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، الذي قال: ((إن ملف الوسطاء والمضاربين صار اليوم متكشفا أكثر من أي وقت آخر، مضيفا أن مفعولهم في التلاعب بالأسعار لا غبار عليه، سواء من خلال ما كشفه رئيس مجلس المنافسة، أو كذلك القضايا التي نالت اهتمام الرأي العام المغربي مؤخرا، وزاد: هؤلاء السماسرة تغولوا أمام صمت مشبوه للحكومة، ولا بد من وضع الملف على طاولة جولة أبريل.. لقد أصبحوا مثل سرطان في جسم البلد)).
فكيف ستتعامل الحكومة في شأن هذه النقطة مع النقابات؟ هل بمنطق حزب الاستقلال الذي دعا الوسطاء إلى اتقاء الله في العباد، أم بمنطق حزب رئيس الحكومة الذي خرج بتوصيات في مؤتمره الأخير مليئة بلغة الخشب، أم بمنطق وزير الفلاحة الذي قال صراحة أن مهمة الوزارة هي توفير السلع وأن المنطق هو قانون السوق؟
كيفما كان الحال، فإن هذه النقطة ستشعل خلافا بين الحكومة والنقابات، وسيتم من خلالها إلصاق تهمة التآمر بالتغطية على الوسطاء للحكومة.
تجارب سابقة لمحاربة ظاهرة “الشناقة”
ليست هذه هي المرة الأولى التي يواجه فيها المغرب المضاربين والوسطاء، بل هناك عدة تجارب، ومنها ما وقع خلال ستينيات القرن الماضي، حيث كان الوسطاء يشترون المنتوجات المغربية من عند الفلاح بثمن زهيد ويبيعونها في الأسواق الدولية بأثمنة مرتفعة دون أن تستفيد منها الدولة أو الفلاحون، وعليه، ألقى الملك الحسن الثاني خطابا يوم فاتح يوليوز 1965، أعلن من خلاله: ((… ولهذا قررت أن نقوم بعمل ثوري بالنسبة لتجارتنا، وهو أن أؤمم جميع صادراتنا إلى الخارج من الحوامض والخضر ومنتوجات الصناعة التقليدية والسمك المصبر، وكما تعلم أيها الشعب العزيز، فإن هذا العمل كان يقوم به بعض الأشخاص أو بعض الشركات، يأتون إلى الفلاح ويشترون منه، وبعد ذلك يبيعون إلى الخارج بوسائلهم الخاصة، وفي بيعهم إلى الخارج يجد المغرب نفسه أمام عدة مشاكل)).
وبخصوص المشكل الأول، أوضح الحسن الثاني أن ((هؤلاء الأشخاص كانوا إذا صرحوا بثمن ما، لا تكون هناك مراقبة كافية أو كفيلة بأن نعرف أنهم باعوا بعشرين أو ثلاثين مليارا مثلا، وبذلك يمكنهم أن يدخروا في الخارج عددا من العملة الأجنبية ويمانعون في دخولها))، أما المشكل الثاني، فهو أن ((هؤلاء التجار كانوا يضعون أنفسهم وجها لوجه مع المنتج دون أن تكون عليهم مراقبة ولا اطلاع، وكل ما هنالك أنهم يعقدون مع المنتج عقدة وكفى، ولا يعرف أحدهم هل ما صرحوا به هو الربح الحقيقي أم لا؟))، وأضاف الملك: ((أخيرا، والأدهى والأمر من ذلك كله، هو أن هذه الشركات كانت تتصرف في الملايير أو في عشرات الملايير من أموال المغاربة، ولم يظهر لها، منذ وجودها، أي عمل تبرهن به على أنها صرفت الأموال الطائلة التي تربحها في مرافق حيوية من الاقتصاد المغربي، إذن، فما هي النتيجة؟ كل ما هنالك هو أن ذلك الوسيط أو المصدر لا يكلف نفسه إلا فتح مكتب واستخدام ضاربة على الآلة الكاتبة وآلة لاسلكية، ثم يربح مئات الملايين في السنة، ولم يفكر قط في أن يوظف تلك المئات من الملايين في معمل داخل المغرب أو عمل تجهيزي له، بل كان يحتفظ بأكثرها في بنوك الخارج والباقي يتمتع به بمفرده لا يوزعه نهائيا، لا كأجور ولا كعمل على الطبقات الكادحة، التي ترى أن ما بذلته في ذلك من عرق جبينها لا يبذل لصالح الدولة كبناء المدارس مثلا، أو تجهيز الأراضي أو القروض، وإنما نرى عددا من الملايير تضيع في أعمال غير منتجة أبدا من الناحية الاجتماعية)).




