تحليل إخباري | محمد الخامس و”هراوات الكلاوي” وخرافات المجتمع في زمن المقاومة
أزمة اليسار والفشل الديمقراطي في مذكرات قطب اليسار الحبيب طالب
تقول الحكمة: “الأشخاص العظام يناقشون الأفكار، والأشخاص العاديون يناقشون الأشياء، أما الأشخاص الصغار فإنهم يناقشون الأشخاص”، وقد اختار قطب اليسار، محمد الحبيب طالب، الذي لم يعد يجاريه أي باحث آخر في أبحاثه، بعدما استقال المفكرون والكتاب والصحفيون والسياسيون والنشطاء من مهمة البحث المضنية(..)، أن يصدر كتابه: “أوراق من تجربة اليسار” (عن منشورات النهضة) بالتزامن مع شهر رمضان الجاري، ولعلها المفارقة الأولى حيث تشاء الأقدار أن يصدر “الرفيق” كتابه في شهر رمضان.. ولم يعد هناك مجال للحديث عن الفرق بين “الرفيق” و”الأخ”، ولكن الكتابة من محبرة اليسار القديم تعني الكتابة من محبرة “الراديكالية” رغم كل التطورات، لذلك اختارت “الأسبوع” تنظيم رحلة في ما كتبه الرفيق طالب انطلاقا من مرحلة طفولته، وبعدها بعض المراحل التي تنطوي على شهادات في الوقت الراهن.. بعد ذلك الزمن الذي مضى، بانتصاراته وانكساراته، بخصوماته ومصالحاته وأحداثه الدموية والسعيدة.. ماذا لو تم الاستماع إلى “حديث يساري صادق” في هذا الشهر المبارك ؟
إعداد: سعيد الريحاني
الربيع العربي.. “تعبير كاذب”
لنبدأ بما يقوله الحبيب طالب عن الربيع العربي: ((لقد كثر استعمال هذا التعبير في التداول الإعلامي والسياسي، وهو تعبير مجازي أطلقه الإعلام الغربي على ما يجري في الوطن العربي من تحركات شعبية غير مسبوقة، والخطير أننا، نحن العرب، نحب التفكير بالمجاز بدلا من المفاهيم الصارمة.. ووجه الخطورة هنا أنه تعبير مجازي مخدر، يمنحنا الراحة النفسية والطمأنينة الفكرية والاقتناع السياسي الاسترخائي بما تم ويجري، بينما هذا الذي يجري في الوطن العربي يحتاج إلى التنبه واليقظة والمجاهدة الفكرية والعلمية.. يكفي أن أذكر هنا ما يجري في سوريا من مؤامرات دولية، وما يجري في فلسطين من إهمال وتهويد وصفقات من تحت الطاولة.. وما تعانيه كل الثورات في مصر وتونس وليبيا والبحرين واليمن، من محاولات إمبريالية ورجعية للإجهاض والاحتواء.. هذه وغيرها قضايا مصيرية خطيرة لا يليق التعبير عنها بعبارة الربيع وكأن الأمر استقر وانتهى في أحسن حال وأجمل صورة)).
المجتمع المغربي.. بعيون اليسار
يقول الحبيب طالب وهو يصف الأحوال المغربية: ((إن المجتمع المغربي (والعربي عامة) مجتمع إيديولوجي بامتياز، وليس في هذا الأمر ما يطعن في التصور المادي للتاريخ، فمن له بعض الاضطلاع على التراث الاشتراكي، سوف لن تفاجئه الأدوار المركزية للإيديولوجيا، والدينية منها على وجه الخصوص، في المجتمعات التي سميت بـ”ما قبل الرأسمالية”، ومجتمعنا بمعنى ما ينضوي تحت هذا العنوان بالنظر إلى تخلف وضعف وتفكك بنياته الاقتصادية وقواه المنتجة وضعفها وتفككها، وبالتالي، يكون للإيديولوجيا في هذا الوضع الدور الأكبر في تلحيم وانتظام مكوناته المجتمعية.. لذلك، فإن المزاعم القائلة بنهاية الإيديولوجيا هي مجرد مظاهر لإيديولوجيا برانية تعبر عن الاختراق الثقافي، وتخدم في الآن نفسه الإيديولوجيا المهيمنة، نعم سيتطلب منا تحليل البنية الإيديولوجية الدينية المهيمنة القيام بمسح تحليلي لكل الأجهزة الإيديولوجية للدولة والمجتمع في مراتبها، ومختلف مجالاتها وألوانها كافة، بدء من وزارة الأوقاف إلى المدرسة، والتعليم الجامعي، والتعليم العتيق، ومجالس العلماء، والجمعيات الأهلية الخيرية والاجتماعية والثقافية، والإعلام بكل أنواعه، وصولا إلى الأحزاب ذات المرجعية الدينية، والزوايا، والتدين الشعبي.. لكي نقف على الوظائف التي تقوم بها كل من هذه الأصناف، وعلى تفاعلاتها وتضارباتها، وتداخلاتها في إعادة إنتاج نفس الهيمنة واستمرارها، حتى وهي تختلف سياسيا أو، بدرجة ما، إيديولوجيا)) (المصدر: كتاب “أوراق من تجربة اليسار”/ الحبيب طالب).
من يريد القراءة لما يكتبه اليساريون الحقيقيون، عليه أن يصبر للضغط الذي تفرضه كمية المصطلحات، والاختزالات المعرفية.. لأن الأمر لا يتعلق بنشر التفاهة(..)، لنعود إلى “الأحوال المغربية” فنجد أن الحبيب طالب ينبه إلى المسألة المهمة التالية: ((إن ما تتمتع به المؤسسة الملكية من استقلالية نسبية عن باقي المصالح الاجتماعية – تتسع وتضيق بحسب التطور المجتمعي العام، وبحسب الإكراهات الخارجية – يجعل منها ضابطة لإيقاعات التوازنات الإيديولوجية في المجتمع، والأكثر مرونة في الاستجابة للإكراهات التحديثية الخارجية، بل يمكننا أن نلحظ، في العهد الجديد، كيف استطاعت المؤسسة الملكية أن تجعل من الخطاب الإيديولوجي التحديثي الوجه الأبرز في توليفتها الإيديولوجية الجارية، على غير ما كانت عليه في الماضي، وما ترتب عن ذلك من توسيع لقاعدتها الاجتماعية الإيديولوجية، إن صح التعبير، وليس فقط لقواعدها الاجتماعية الصرفة كما كان في الماضي)).

المثقفون.. من النقيض إلى النقيض
في معرض حديثه عن الكتلة، والمثقف الملتزم الراحل عبد السلام الحيمر، يصف الحبيب طالب الوضع الراهن للمثقفين قائلا: ((يمكن لي أن أصف الوضع الراهن للمثقفين بأنهم انتقلوا في العقود الثلاثة الأخيرة من النقيض إلى النقيض، أي من حالة الداعية الإيديولوجي، الملتزم على حساب الاستقلالية المعرفية، إلى حالة المثقف المعتزل، كما يسميه عبد الإله بلقزيز في كتابه “نهاية الداعية”.. والحقيقة أن ظاهرة الاستقالة الجماعية من الالتزام السياسي، ظاهرة فاقعة لدى المثقفين المنتسبين إلى الحداثة، والمعرفة العلمية الوضعية.. وعلى عكس ذلك ما نلاحظه لدى من نسميه بالمثقف التقليدي، وبالتأكيد، فإن لهذه الظاهرة مضاعفاتها السياسية والثقافية على ضعف القواعد الاجتماعية للمثقف الحداثي، وتفككها، في مقابل تفوق القواعد الاجتماعية للمثقف التقليدي، كما لها انعكاسها على الانفصام الحادث لدى الحداثيين والسياسة والثقافة.
الانتقال الديمقراطي والتناوب التوافقي والملكية البرلمانية
لا يمكن الحديث عن اليسار في المغرب دون الحديث عن “الانتقال الديمقراطي والتناوب التوافقي”، وتعد آراء محمد الحبيب طالب في هذا الباب متميزة من حيث سبق التشخيص(..)، حيث يقول (قبل فشل التناوب): ((منذ بدء حكومة التناوب التوافقي، أعطينا للانتقال الديمقراطي في تعريف بالسلب (إن صح هذا التعبير) مضامينه الشمولية، أي العمل على اقتلاع كل العوائق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية المانعة لنمو التطور الديمقراطي ولاستقراره وتجذره، ومن هذه العوائق:
– طبيعة الاقتصاد الوطني الهش والمفكك والتابع، والواقع في رتبة متخلفة ومتأخرة في منظومة التبادل العولمي؛
– منظومة اقتصاد الريع، وعلاقات المحسوبية والزبونية والرشوة، وكل أنواع الفساد؛
– خلل مؤسسات القضاء في استقلاليتها ونجاعتها؛
– هامشية المؤسسات المنتخبة في النظام السياسي، ولدى الوعي الشعبي في صراع المصالح الاجتماعية والسياسية؛
– الاختلالات الكبرى في التوازنات الجهوية والاجتماعية، وفي مؤشرات التنمية البشرية؛
– وضعية اللامساواة التي تعانيها المرأة في المجالات كافة؛
– الثقافة التقليدية السائدة في المجتمع؛
– فوضوية السياسة اللغوية.
وهكذا يكون كل تقدم نوعي في فك المعضلات السابقة أمرا يخدم جدليا، وبلا حد زمني مسبق، إقامة النظام الملكي البرلماني)) (نفس المصدر).
هل يمكن إعادة توحيد اليسار ؟
تحت عنوان: “نحو إعادة بناء وتوحيد القوى الشعبية في أفق الملكية البرلمانية والعدالة الاجتماعية”، قدم الحبيب طالب توضيحين لا بد منهما، حسب وجهة نظره.
– الأول: توضيح سياسي، حيث أن الأفق الذي ينبغي على اليسار أن يناضل من أجله من موقع المعارضة، ما عاد يقبل تلك المشاركات الحكومية التكميلية، ولا بد بصلاحيات عملية أقل مما هو وارد في الدستور. إن الحكومة الوحيدة التي سيقبل بها اليسار، في قادم الزمن، هي حكومة بقيادته وببرنامجه المستقل، وبكامل الصلاحيات الدستورية بناء على ما ستبنيه الخبرة العلمية والقانونية في تنزيل الدستور وتفعيله خلال التجربة الحكومية القائمة، بناء على ما ستتطلبه القيادة الحكومية الفعالة لليسار إذا ما نال الأغلبية البرلمانية التي تؤهله لذلك.
– التوضيح الثاني: حيث لا يمكن إعادة هيكلة القوى الشعبية وتوحيدها، في قطاعاتها المختلفة، إلا إذا امتلك اليسار برنامجا نضاليا مجتمعيا يستجيب للحاجيات الشعبية في كل قطاع، وينقل الخبرة النضالية المشتركة مع فئاته وقواعده، هذا البرنامج الذي سيعيد قراءة اليسار للتشكيلة المجتمعية عامة، ولتنوع تناقضاتها، ولخصوصيات المصالح الشعبية المتنوعة، وللخبرات التنظيمية، نوليه الأولوية في هذه المرحلة، ويختلف عن البرنامج السياسي العام الذي يقدم رؤية اليسار وبرنامجه الوطني في السياقات السياسية العمومية، والتجربة الحكومية، ومسارات الدولة ومؤسساتها، كما يختلف عن الأوراق القطاعية المجزأة، التي درجت على وضعها الأحزاب اليسارية، باعتبار البرنامج المجتمعي رؤية شمولية تركيبية إلى تناقضات المجتمع ولآفاتها النضالية، وتهم كل الحزب وليس القطاع المعني..

بين الكلاوي ومحمد الخامس ومجتمع الخرافة
اختار الحبيب طالب، في مذكراته التي تتشكل أساسا من مقالات سبق نشرها في مجلة “النهضة”(..)، أن يرسم بنفسه بروفايلا عن حياته الصغيرة، في مراكش، أيام “حكم” الباشا الكلاوي(..)، فبالإضافة إلى الوسط الأول وهو عائلته، رسم لوحة عن حيث “المواسين” بالمدينة الحمراء في ذلك الزمن حيث قال: ((لمدينة مراكش ميزة خاصة، في أنها، إلى جانب حكم الاستعمار، كانت خاضعة لسلطة الباشا الكلاوي المطلقة، ولهذا كانت مراكش مثقلة بأصناف قوى القمع عند كل مفاصل المدينة، فكنت تجد، إضافة إلى الحواجز الشائكة، الجنود الفرنسيين والمجندين السنغال، والكوم المغاربة، وجماعات كلاوة، الحاملين للهراوات الغليظة، أو السلاح، والتابعين لسلطة الباشا الكلاوي، وهو الحاكم بأمره في كل شيء حتى في ميدان المنازعات القضائية.. ولا أظن الخرافات التي نسمع عنها بغزارة في حياتنا اليومية كانت من جنوحات خيال الطفولة، كما هو معروف اليوم في سيكولوجياتها، بل الأرجح عندي أنها عقلية عامة ما زالت معشعشة في المخيال الشعبي، ومن أمثلتها:
• بعدما حاول المقاومون اغتيال بنعرفة والكلاوي في المسجد بمدينة مراكش، سمعت فقيها يقول، وأنا طفل أنصت، يؤكد للحاضرين، ومن بينهم فقهاء آخرون، أن فشل العملية يعود إلى أن الكلاوي يحمل معه “تبريد” سحري يحصنه من اختراق الرصاص وما يشبهه، وكان هذا شائعا في مدينة مراكش.
• وعندما تمكن المقاومون من الفرار من السجن، وتنكر أحدهم بعد الخروج، بجلباب ولثام امرأة، ولعله المناضل عبد السلام الجبلي، انتشر كالنار في الهشيم أن المقاومين لهم القدرة على أن “يتسيفوا”، أي أن يبدلوا شخصيتهم بالصورة التي يريدون..
• وعندما ورد خبر اغتيال المقاومين للقبطان الفرنسي المعروف بـ”الأعرج”، يوم الجمعة، وهو اليوم الذي كان يجول فيه ويصول لتكسير أبواب المتاجر، المضربة والمقفلة يوم الجمعة، تلبية لدعوة المقاومة، أذهلني كيف تحول الخبر المفرح، ونحن على مائدة الغذاء مع ضيوف آخرين، إلى رقص جماعي وزغاريد، ومن بينهم والدي، في مشهد لم تعتده الهيبة، والجلالة التي كنت أراهم بها، ومرة أخرى، لم يكن الخبر نظيفا من “رشة الملح” الخرافية، حيث قيل إن زوجة القبطان رمت بنفسها من علو السطح على جثته وهي تقول: “ياك كلت ليك فوت عليك المروك”)).
في حديثه عن الخرافة والمجتمع، يعرج الحبيب طالب على موضوع ظهور محمد الخامس في القمر وهو يقول: ((هذه عينة من عشرات الوقائع التي لم يكن سني يستطيع الفصل فيها بين ما هو “خرافي” وما هو “أسطوري” وما هو واقعي، وهي في الحقيقة ليست أكثر من مظهر لعالم يومي مليء بالخرافة والشعوذة والكرامات وخوارق هذا الفقيه أو ذاك، ولكنه أيضا مليء بالبطولة والروح الوطنية الشعبية العالية والكاسحة.. أليس من هذا المزج المتنافر الانسجام رأى الشعب المغربي محمد الخامس، رمز تحرره، في القمر؟ وكنت أنا ووالدي، الذي لا يصدق الخرافات، من الذين صعدوا إلى القمر لينعموا برؤياه وأنا لا أعرف بعد ملامح وجهه.. حدث أهمل مع أنه يستحق الدراسة، وهو ليس غير الصورة الصغيرة لمحمد الخامس التي ظهرت في الأسابيع الأولى من الاستقلال (كما يخلط البعض)، والتي اكتسب أصحابها أموالا: “تشتري الصورة لكي ترى محمد الخامس في القمر، بعد أن تركز النظر في الصورة لثوان))، فهذه لعبة مفضوحة غير الحدث الأصلي في الزمن الاستعماري..





