بين السطور | شياطين رمضان

هناك خلاف حول واقعة تكبيل الشياطين في رمضان، ورغم أن جل الناس يميلون إلى القول بأن الشياطين تكون مصفدة خلال الشهر الفضيل، ما يطرح التساؤل حول استمرار مظاهر “تشيطانيت” ما دامت الشياطين مربوطة، أم هل الإنسان في حد ذاته قد يصبح شيطانا(..)؟ إلا أن الملاحظ، أن المغاربة اعتادوا على ربط كل الوقائع والتصرفات السلبية بالشيطان..
فعندما بدأت تظهر أولى الصعوبات الميدانية، أمام حكومة 2011، التي دخلت إلى عالم الحكم بأنفاس دينية(..)، اتهم رئيسها بن كيران العفاريت والتماسيح بعرقلته، ورغم أن المواطن لم يصوت إلا على بشر مثله، إلا أن رئيس الحكومة المنتخب أكد وجود عفاريت تعرقل عمل الحكومة المنتخبة(..)، وللعلم، فإنه لم يكن الأول الذي تحدث بهذا.. فلمن يعشق الغوص في بحور التاريخ السياسي، لهم ركام من فيض الحوادث والأحداث، ففي عهد حكومة الفيلالي مثلا، سبق أن ابتُدِعت في حق بعض الناس تسمية التشكيلة الحاكمة في المغرب بأنها كانت مكونة من الشياطين الخمس: الأعور والأقرع والأعرج والأسود والقزم، فريق يُقال في فترة ما(..) أنه فعل بشعبه ما لم يفعل العدو بعدوه.
اليوم، وبعدما كان الناس يأملون في تقديم صورة أخرى لرؤساء الجماعات المحلية في المغرب، من خلال تجربة الرياضي الأنيق مصطفى لخصم في جماعة إيموزار كندر، أعلن هذا الأخير عن شروعه في ترتيب الأمور لاستقالته، وبغض النظر عن كل المبررات، فقد أكد أن الاستقالة ليست ضعفا منه، بل هدفها خدمة مصالح الساكنة، لأنه لا يريد أن يكون سببا في توقف المشاريع التنموية بالمدينة، وقال جملة شبيهة بما كان يردده بن كيران: “توجد شياطين وقفت في وجهي وعرقلت مشاريعي التي كنت أريد إتمامها بالمدينة”.
لم يحدد لخصم المقصود بالشياطين، ولكن المعروف هو خلافه مع وزارة الداخلية على مستوى المنطقة، بل أكثر من ذلك، فهو معروف بخلافه مع أصحاب النفوذ، والمتحكمين في المدينة، منذ عشرات السنين، ممن كانوا يبنون بنايات بمئات الملايين دون أن يكون لها أي أثر على أرض الواقع، فهل المشكل في لخصم الذي لم يستطع التكيف مع الواقع، أم أن هناك شياطين فعلا، يراها المنتخبون ولا يراها المواطنون(..) ؟
إذا كان الشياطين يشاركون في السياسة، لماذا لا يتم أخذهم بعين الاعتبار في إعداد القوائم الانتخابية؟ وطالما أنهم يشكلون هذه القوة التي تظهر للبعض، لماذا لا تتم مأسسة نشاطهم بدل أن تتحول المواجهات مع المنتخبين إلى عرقلة للمشاريع الوطنية، بما فيها المشاريع الملكية أحيانا.. ولا شك أن القانون سيقنن هذه التدخلات بدل التحسر على انتشار الشياطين في كل مرة إن وجدت(..) ؟
الواقع، أننا لسنا وحدنا، ونتقاسم ملكا وشعبا، هنا في المغرب كما في عدد من الدول العربية، نتقاسم مسؤولية شياطين الأنظمة، الذين يحيطون بالملوك والرؤساء، ليوهموهم بأن الحكم هو الجبروت والطغيان، يصمون آذانهم، ويغلقون عيونهم، وتراهم في ضلالهم يعمهون، مستعملين الأجهزة البوليسية والمرتزقة والعملاء، لإشاعة الظلم، والسطو على مقدرات الشعب، حتى يباع العفو بالملايين، ما دمنا في حياة صاخبة صارت فيها الملائكة والشياطين تسير جنبا إلى جنب..



