تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | هل هي مقدمات لتحالف “العدل والإحسان” والعدالة والتنمية ؟

على هامش تحركات "الإسلاميين" في رمضان

كان عقلاء الدولة أذكياء جدا عندما حركوا الذراع الديني لإمارة المؤمنين في الأشهر الأخيرة، عبر إعطاء هامش من الحرية للمجلس العلمي الأعلى في مناقشة المؤسسات والمسؤولين، لا سيما فيما يتعلق بـ”تحصين التبليغ”، وكان العقلاء أكثر عقلا عندما أوقفوا النفخ في سلسلة خرجات المكلف(..) عبد اللطيف وهبي، بالدعاية لمشروع تعديل مدونة الأسرة، بل إن المشروع بكامله “توقف” بسبب تزامنه مع الزمن الانتخابي(..).

إعداد: سعيد الريحاني

    في عز الجمود، ورغم الحركات التسخينية الانتخابية المتكررة، بين الأحرار و”البام” والاستقلال.. اختار الجناح الدعوي لحزب العدالة والتنمية، وهو حركة “التوحيد والإصلاح”، استضافة جماعة “العدل والإحسان”، المعروفة بخلافها مع النظام(..)، كما جمعت هذه الضيافة الرمضانية أيضا ممثلين عن الحركة من أجل الأمة، المعطوف عليهم من طرف عدة قوى سياسية، في اليسار واليمين(..).

تتمة المقال تحت الإعلان

وجاء في بلاغ عممته جماعة “العدل والإحسان” وحركة “التوحيد والإصلاح” في مواقعهما الرسمية، بنفس الصيغة، ونفس الصور ما يلي: ((جريا على سنة حميدة دأبت عليها قيادات الحركة الإسلامية بالمغرب، نظم المكتب التنفيذي لحركة التوحيد والإصلاح يوم الجمعة 6 رمضان 1446 الموافق لـ 07 مارس 2025، لقاء تواصليا على مائدة الإفطار ضم قيادات عن كل من جماعة العدل والإحسان والحركة من أجل الأمة، وذلك بالمقر المركزي للحركة بالرباط..))، وفي التفاصيل التي لم تتضمن سوى معلومات عامة، قال أصحاب البلاغ من الجهتين: ((حضر عن جماعة العدل والإحسان: نائب الأمين العام الأستاذ فتح الله أرسلان، والسادة والسيدات عبد الكريم العلمي ومحمد حمداوي وعمر أمكاسو وأمان جرعود والسعدية جغلالي، وعن الحركة من أجل الأمة: الدكتور إدريس مستعد رئيس الحركة، والسيدان محمد المرواني ومحمد قورة، كما حضر عن حركة التوحيد والإصلاح، الدكتور أوس رمّال رئيس الحركة، ونائبيه الدكتور رشيد العدوني والدكتورة حنان الإدريسي، والسادة والسيدة عبد الرحيم شيخي وخالد المكينسي ومحمد إبراهمي والمختار مربو وعبد الكريم الموجي والدكتورة إيمان نعاينيعة.. وقد كان هذا اللقاء مناسبة لاستحضار المعاني التربوية والروحية لشهر رمضان المبارك، كما كان فرصة للتأكيد على عمق الروابط الإيمانية والأخوية وعلى جودة الصلات التعاونية التي تجمع مكونات الحركة الإسلامية بالمغرب، بالإضافة إلى تبادل وجهات النظر حول مجموعة من القضايا ذات الاهتمام المشترك، لاسيما تداعيات معركة طوفان الأقصى، وكذا التحولات الكبرى التي يشهدها العالم وأثرها على الأمة الإسلامية وضرورة التفكير في الأدوار المناسبة المنوطة بالحركات الإسلامية.. كما شكل اللقاء فرصة لتقاسم مجموعة من التجارب التربوية والدعوية والتكوينية في مجالات الشباب والأسرة والعمل المجتمعي، وقضايا الأمة، وتبادل وجهات النظر بخصوص بعض القضايا والمستجدات التي تعرفها الساحة الوطنية)) (المصدر: البلاغ المشترك بين العدل والإحسان وحركة التوحيد والإصلاح).

تتمة المقال تحت الإعلان
صورة تجمع فتح الله أرسلان نائب الأمين العام لحركة “العدل والإحسان” والأمين العام لحزب العدالة والتنمية بن كيران

يلاحظ أن أصحاب البلاغ سالف الذكر، حاولوا ربط اجتماعهم بسنة رمضانية حميدة، كما حاولوا إبعاده عن أي تأويل سياسي، لكن الأمر لم يكن كذلك في خاتمة البلاغ الذي جاء فيه: ((ختم اللقاء بالدعاء الصالح لما فيه نصرة ديننا الحنيف وخدمة القضايا العادلة لوطننا الحبيب وأمتنا الإسلامية وأهلنا في فلسطين)).

اللقاء رمضاني إذن، لكن أين الدعاء لأمير المؤمنين، هل يعقل أن حركة “التوحيد والإصلاح”، التي شاركت في حكومتين متتاليتين عن طريق العدالة والتنمية، لا تعرف هذه الجزئيات، أم أن هناك موافقة ضمنية على شروط جماعة “العدل والإحسان” غير المشاركة في اللعبة السياسية؟ وفي هذه الحالة، يطرح السؤال: هل يشكل هذا اللقاء بداية لتراجع حركة “التوحيد والإصلاح” عن مواقفها لصالح جماعة “العدل والإحسان”؟ هذه الأخيرة اشتهرت بتطور سياسي داخلها جعلها تعتمد “وثيقة سياسية جديدة”.

“العدل والإحسان” معروفة(..)، لكن الجانب الآخر من الأسئلة مطروح على حزب العدالة والتنمية، هل كان بالإمكان عقد هذا اللقاء دون أخذ موافقة الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بن كيران؟ هل هو بن كيران من يسخن الطرح باستعمال حركة “التوحيد والإصلاح”، أم أن حركة “التوحيد والإصلاح” هي من تتبنى التصعيد ضد الدولة وضد بن كيران معا، بعقد اجتماع من هذا النوع “التربوي السياسي”، مع الجناح الإسلامي المعارض ؟

صورة يظهر فيه أوس رمال صديق بن كيران والراحل عبد الله باها يتوسط الرجلين ذات زمان

القول بأن حركة “التوحيد والإصلاح” يمكن أن تتحرك لعقد لقاء من هذا النوع بدون إذن بن كيران، يبدو غير منطقي، كما أنه استسهال مبالغ فيه لرئيس الحكومة السابق ورجل الدولة حاليا، رغم المناوشات(..)، خاصة وأن قادة “التوحيد والإصلاح”، وعلى رأسهم رئيس الحركة الحاضر، ليس سوى صديقا حقيقيا لبن كيران، شأنه شأن الرئيس السابق الذي كان حاضرا أيضا، عبد الرحيم شيخي، بل إن أوس رمّال تجمعه صداقة تاريخية بالأمين العام لحزب العدالة والتنمية، والقيادي الراحل عبد الله باها، ولمن يريد أن يعرف عمق هذه الصداقة والعلاقة بين “التوحيد والإصلاح” وحزب العدالة والتنمية، يكفيه الرجوع إلى ما كتبه أوس رمال وقد استبدل الكتابة بدروس تربوية تلقى إقبالا مهما في “اليوتيوب”، عندما توفي الراحل عبد الله باها حيث قال: ((رحل الذي كان يسألني كيف حال الإيمان، وأضاف: الأخ أوس كيف حال الإيمان.. بهذه التّذكرة كان يلقاني طوال أزيد من ثلاثين سنة التي عرفته فيها، وكل مرة أجيبه بجواب، تارة: الحمد لله على كل حال، وتارة: نسأل الله العافية، وتارة… وتارة… لكنه لم يكن ينتظر جوابي ولا يبالي به، لأن الغرض عنده هو العبرة والتذكرة.. هذه العبرة التي عاش بها ولها هو وأخوه ورفيقه في الدرب الأخ عبد الإله بن كيران، الذي لا يمكن أن يتناول الكلمة في أي مناسبة أو محفل إلا إذا كانت دندنته حول الإيمان والورع والثبات والأخلاق… كلام وإن كنا ألِفناه وأصبح متوقعا لدينا، إلا أننا في كل مرة كأننا نسمعه للمرة الأولى، لم نمل منه لأن هذين الرجلين كانا وسيظلان – إن شاء الله – في شخص الأخ عبد الإله، الضمير الحي في الحركة وفي الحزب، والذي كلما دعت الضرورة دندن دندنته حول الإيمان والصدق والأمانة فسرعان ما ترجع الأمور إلى نصابها.. ولا شك أن الخاسر الأكبر في هذه المصيبة العظيمة هو الأخ عبد الإله بن كيران، الذي كان الله في عونه، كان له باها – رحمة الله عليه – الأخ الحميم الذي لا يخذله أبدا، ورفيق دربه وثاني اثنين في كل مراحل العمر وشريكه في أسراره والناصح الأمين الذي لا يبخل عليه بالرأي والمشورة، والذي إذا خالفه في الرأي عرف كيف يأخذه بالحكمة واللين والأناة..)) (المصدر: مقال أوس رمال/ 10 دجنبر 2014، موقع حزب العدالة والتنمية).

إمكانية الحديث عن علاقة مفصولة بين العدالة والتنمية وحركة “التوحيد والإصلاح” شبه مستحيلة(..)، فما الذي يمكن أن يجمع “الإخوة” سوى توافق غير معلن حول خط سياسي معين، خاصة وأن “التوحيد والإصلاح” قبلت بشروط اللقاء مع “العدل والإحسان” كما يؤكد ذلك البلاغ المشترك بينهما(..)، علما أن “الجماعة” عرفت تطورات كثيرة، فمن ((رسالة الإسلام أو “الطوفان”، والمعروفة بعنوان آخر هو “رسالة إلى ملك المغرب”، والتي كتبها الراحل المرشد الشيخ ياسين من مراكش سنة 1974.. وصولا إلى كتاب “Mémorandum à qui de droit” (مذكرة إلى من يهمه الأمر).. وهي طريقة أكثر لباقة استقبل بها مرشد جماعة “العدل والإحسان” بداية عهد الملك محمد السادس.. وصولا إلى نشرها رسالة “الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان” خلال السنة الماضية، ما أثار جدلا سياسيا كبيرا إلى حد اعتبارها شروطا من الجماعة للمشاركة السياسية.. هل العدل والإحسان تتجه نحو المشاركة، أم أن التوحيد والإصلاح تريد الخروج؟ لم يظهر أي جواب عن ذلك حتى الآن والزمن وحده يمكن أن يؤكد نوايا الإخوة، التي لا يفهمها عامة الناس، لكونها تنظيمات مغلقة وعقائدية، ويختلط فيها الحساب الدنيوي بالحساب الأخروي(..).

الموقع الرسمي لحركة “التوحيد والإصلاح” والموقع الرسمي لجماعة “العدل والإحسان” ينشران نفس البلاغ (المقال) بنفس الحروف والكلمات ونفس الصور دون زيادة أو نقصان(..).

كيفما كان الحال، فوجود وثيقة سياسية لجماعة “العدل والإحسان” يطرح السؤال حول إمكانية تبنيها من طرف حزب العدالة والتنمية في مرحلة لاحقة بعد حركة “التوحيد والإصلاح”، أو من خلال تحالف مشترك(..)، خاصة وأن “العدل والإحسان” لم تجعل من وثيقتها سوى مرجعا للنقاش بعد أن حددت معالمها في “بناء الإنسان، وتشييد مجتمع العمران الأخوي، وترسيخ القيم الإسلامية في تأسيس مفهوم المواطنة”، بهدف “بناء نظام شورى، وتحقيق العدل، وصوْن الكرامة، وتحقيق الحرية، وترسيخ الوحدة والتعاون”، كما أن الجماعة لا تعوزها المفاهيم الديمقراطية الحديثة، فهي أيضا تطالب بـ”دولة القانون والمؤسسات القائمة على الفصل والتوازن والتعاون بين السلطات، وعلى التداول السلمي للسلطة من خلال انتخابات حرة ونزيهة”، وهذا مطلب يلتقي فيه كثيرون(..)، ويبقى الخلاف في العلاقة مع الملكية، حيث أن الجماعة ترفض البيعة، وإن كان قياديوها يرفضون الحديث بهذا الخصوص علانية، تفاديا لسوء الفهم(..)، ولكن موقفهم من المسألة الدستورية يؤكد أن مربط الفرس يوجد في هذه النقطة، حيث تقول الجماعة أن “احتكار الملك للسلطة التأسيسية الأصلية يشكل أحد الأعطاب البنيوية التي تسهم في انغلاق النسق السياسي المغربي، وتحكم على مساره بالاختلال، وعلى نظام الحكم فيه بالْمَركَزةِ والسلطوية”، كما تدعو إلى “مشروع دستور، تشرف عليه جمعية تأسيسية منتخبة، يُعرض على الشعب في استفتاء عام، حر ونزيه”، وفي هذه النقطة الأخيرة قد تخسر الجماعة كثيرا، لأن المؤمنين بمركزية دور الملك لا حدود لهم(..).

هل يعقل أن جماعة “العدل والإحسان” وحركة “التوحيد والإصلاح” اجتمعتا دون استحضار هذه الأمور؟ ولنفترض أن لقاء بين الإخوة والأخوات، وهم بالمناسبة قيادات الصف الأول، ما هي دلالات قياديين من “العدل والإحسان” و”التوحيد والإصلاح” مع أعضاء حزب “الحركة من أجل الأمة”، المحاط بإشكالات قانونية تتعلق بالترخيص منذ سنة 2007(..)، وعلى رأسهم الأمين العام محمد المرواني (المتهم السابق في خلية بلعيرج)، ولم يطلق سراحه إلا ضمن التفاعل مع قضية المعتقلين الستة(..) وهم بالإضافة إلى محمد المرواني، الأمين العام لحزب “البديل الحضاري” محمد المعتصم، والناطق باسم الحزب الأمين الركالة، ومراسل قناة “المنار” عبد الحفيظ السريتي، وعضو حزب العدالة والتنمية بمنطقة الصحراء، ماء العينين العبادلة، وعضو الحزب الاشتراكي الموحد حمدي النجيبي)).

حتى الآن، على الجميع أن يصدق أن الأمر يتعلق بمائدة رمضانية احتضنها كوكب القمر(..) داخل المغرب، بعيدا عن كل الحسابات السياسية، وأي تشابه في الأحداث والصفات فهو من وحي خيال الكاتب، ومع ذلك يمكن القول إن إحدى الإشارات التي لا يمكن إغفالها، هي حضور نساء في هذا اللقاء بالتزامن مع الاحتفاء باليوم العالمي للمرأة، وهي إشارة لمن يهمه الأمر أيضا(..).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى