تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | قصة الحسن الثاني والزعماء العرب حول أولوية القضية الفلسطينية

ملف يفتحه المغرب مع كل إدارة أمريكية جديدة

انعقدت يوم الثلاثاء 4 مارس الجاري، قمة عربية استثنائية من أجل إعلان موقف عربي موحد يتصدى لطرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، القاضي بتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، وخطة مصر لإعادة إعمار القطاع، وسط مخاوف من أن تؤدي الخلافات العربية بشأن سلاح المقاومة وعدم قدرة الدول العربية على التوافق على خطوات واضحة، ومن ضمن ذلك إعلان بعض الدول العربية، وخاصة من شمال إفريقيا، عن عدم مشاركة رؤسائها في القمة التي انعقدت في مصر، بفعل عدم إشراكها خلال مرحلة التحضير، ويتطرق هذا الملف لمرحلة كان فيها المغرب فاعلا بقوة على الساحة العربية والإسلامية، وكيف كان الملك الحسن الثاني يدير الأمور مع الولايات المتحدة الأمريكية، باعتباره قوة اقتراحية في العالم الإسلامي، وكيف كان يضع القضية الفلسطينية أولوية على قضية الصحراء.

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال تحت الإعلان

طلب مغربي للتشاور مع إدارة رونالد ريغان حول القضية الفلسطينية

تتمة المقال تحت الإعلان

    كانت سنة 1981 على موعد مع بداية حقبة جديدة، منها صعود رئيس أمريكي جديد وهو الجمهوري رونالد ريغان، بينما كان يشهد العالم العربي والإسلامي عدة تحولات وتحديات، منها إيران بعد الثورة الخمينية، إلى جانب القضية الفلسطينية، إضافة إلى الصراع الليبي التشادي، وضمن كل هذا كان المغرب بزعامة الملك الراحل الحسن الثاني، يلعب دورا كبيرا من أجل تقديم مقترحات حول هذه الأزمات التي عمت العالم العربي والإسلامي.. فقد استضاف المغرب خلال تلك المرحلة أكبر عدد من القمم العربية والإسلامية، كما تولى الحسن الثاني رئاسة لجنة القدس، وفي مطلع تلك السنة، كان يجري التحضير لعقد قمة إسلامية بالمملكة العربية السعودية بخصوص حل مشكلة القدس بطلب من المغرب.

تتمة المقال تحت الإعلان

وفعلا، بدأ المغرب في الإعداد لوثيقة هذا المؤتمر من أجل عرضها على رؤساء الدول العربية، وقد صرح الملك لجريدة “دير شبيغل” الألمانية مطلع سنة 1981، حول هذا الموضوع بالتالي: ((لقد طرح هذا الموضوع أثناء اللقاء السابق، إن المغرب لا يدعي لنفسه الحكمة دون غيره ولا يدعي لنفسه الاستحواذ على مفاتيح الغيب لحل مشكلة القدس وحده دون غيره، لقد طلبت أن يمنح لي شيء من الوقت للتفكير والتأمل، وأنا الآن على اتصال مع بعض زملائي في مرحلة من الاستشارة، ومهما كان الأمر، فقد تقرر أن الوثيقة التي ستعرض بمكة ستأخذ بعين الاعتبار المحيط الجغرافي الراهن، حيث – مثلا – أن ما يقع بالمغرب ليس هو بالذات ما يقع في قطر، كما ستأخذ بعين الاعتبار الضغوط الممارسة بحكم الجوار وإمكانات كل واحد في الالتزام بموقف من المواقف والاستمرار في هذا الالتزام، وسيحتفظ بهذه الوثيقة لترفع إلى علم رؤساء الدول دون غيرهم، فلن توزع على المؤتمر لأنها تحتوي فقط على بعض الاقتراحات دون أن تتجاوز هذه المرحلة، وسيكون في وسع جميع الدول الأعضاء، أي جميع الدول الإسلامية، أن تأتي بكل التعديلات والتغييرات التي تراها صالحة)).

وبالموازاة مع ذلك، بدأ الملك الحسن الثاني في الإعداد لهذه القمة من ناحية أخرى، ويتعلق الأمر بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية، وخصوصا الإدارة الجديدة.. ففور تسلم الرئيس الجديد لمهامه كرئيس لأمريكا، أرسل الملك الراحل رسالة يوم 6 يناير 1981، يطلب من خلالها إرسال مبعوث ملكي خاص إلى أمريكا من أجل مناقشة الإدارة الأمريكية الجديدة حول عدة قضايا إقليمية، من ضمنها المؤتمر الإسلامي القادم، وعلى ضوء هذه الرسالة، كتب القائم بأعمال المخابرات الأمريكية إلى مدير المخابرات الخارجية الجديد، رسالة حول الموضوع أخبره من خلالها بأن الملك المغربي قد أرسل رسالة يطلب من خلالها لقاء مدير المخابرات الأمريكية ووزير الخارجية الجديدين، وأكد أن ((الغرض من اللقاء هو إبلاغ الولايات المتحدة على أعلى مستوى بمؤتمر القمة الإسلامي القادم، لمنع أي مفاجآت لصناع السياسات في الولايات المتحدة بشأن قضايا الشرق الأوسط وتنسيق الجهود المغربية مع أهداف الولايات المتحدة وأهدافها بشأن القضية الفلسطينية))، وكتب القائم بأعمال المخابرات الأمريكية للمدير الجديد ملاحظة ضمن الرسالة تقول بأنه ((من المفترض أن يكون الملك، وخاصة دوره كرئيس للجنة الفرعية للقدس في مجموعة المؤتمر الإسلامي، قادرا على التأثير بقوة على نتائج المؤتمر الإسلامي في المملكة العربية السعودية من 25 إلى 28 يناير)).

وأضاف القائم بأعمال المخابرات الأمريكية، أن ((الحسن الثاني طلب إبلاغ أعلى المسؤولين الأمريكيين فقط، كما ذكَّر بأن من سمات ملك المغرب المميزة أن يبدأ مرحلة التشاور مع تغيير الإدارات الأمريكية))، وختم رسالته بالتذكير بأنه ((إذا تم رفض الاقتراح، فمن المرجح أن يعتبره الملك رفضا، وقد تنطلق العلاقات بين الإدارة الجديدة والمغرب بطريقة خاطئة، وبناء على ذلك، أقترح أن توافق على مثل هذا الاجتماع.. إذا لم يكن التوقيت مناسبا، فقد ترغب في تأجيله قليلا، لكنني أوصي بأن لا يكون الأمر كذلك لدرجة أن يبدو وكأنه أمر مزعج)).

الحسين بن طلال // ياسر عرفات // حافظ الأسد

عندما صرح المبعوث الملكي لوزير الخارجية الأمريكي: أنا هنا لمناقشة القضية الفلسطينية وليس الصحراء

    قابل المسؤولون الأمريكان الجدد الطلب المغربي بشأن القضية الفلسطينية، بجدية كبيرة، لدرجة أنه فور تعيين وزير الخارجية الأمريكي الجديد بيوم واحد، استقبل هذا الأخير كأول عمل قام به يوم 22 يناير 1981، مبعوثي الملك الحسن الثاني، ويتعلق الأمر بمستشاره الخاص أحمد رضى كديرة والجنرال أحمد الدليمي، وتخبرنا وثيقة أمريكية مؤرخة بـ 24 يناير 1981، أن الاجتماع افتتح بتصريح السكرتير هيج، الذي قال أنه يدرك أهمية المناصب التي شغلها كديرة والدليمي في المغرب، أما ما دار في هذا الاجتماع، فقد بدأ وزير الخارجية الأمريكي الجديد حديثه بالتعبير عن إعجابه بالملك الحسن الثاني واعتبره صديقا حقيقيا وموثوقا به للغرب، ثم طلب من زائريه أن يقدما رأييهما بشأن شمال إفريقيا بما في ذلك تشاد وليبيا والمشاكل مع الاتحاد السوفياتي، وكذا بشأن المؤتمر الإسلامي، وأي مجال آخر قد يرغبان في التطرق إليه.

بدأ المستشار الملكي كديرة في شرح مطول لغرض الزيارة، فبدأ بملاحظة مفادها أن الملك الحسن الثاني تأثر بموافقة الوزير على مقابلة ممثليه في اليوم الأول من توليه منصبه، وأكد كديرة أن الإعجاب الذي أعرب عنه وزير الخارجية للملك الحسن الثاني، كان متبادلا تماما، وأوضح أن الملك كان يعرف وزير الخارجية الجديد وكان واثقا من أنه سيعمل لصالح المصالح الفضلى للولايات المتحدة وكذلك لصالح الأصدقاء التقليديين للولايات المتحدة، وتابع كديرة أن الغرض من الزيارة لم يكن الدفاع عن القضية المغربية، لأن المغرب كان مقتنعا بأن العلاقات الثنائية الجيدة بالفعل سوف تتحسن تحت قيادة الوزير الجديد، وصرح المستشار الملكي بأن الملك اعتبر أنه من المفيد والضروري تنسيق سياساته مع الإدارة الأميركية الجديدة في ضوء المشاكل الخطيرة التي تواجه العالم، وشعر الملك بأنه في حاجة إلى معرفة الاتجاه الذي يتخذه تفكير الإدارة الجديدة فيما يتعلق ببعض المشاكل التي تعتبر ملحة.

ثم وصف كديرة دور الملك الحسن الثاني بصفته رئيسا للجنة القدس في المؤتمر الإسلامي والاجتماع الذي دعا إليه في دجنبر 1980، لإعداد مقترحات بشأن الطائف، وأكد أن الملك الحسن الثاني سيقدم تقريرا ولا يريد ببساطة تكراره حرفيا، بل يريد تقديمه بعباراته الخاصة، وأضاف المستشار الملكي أنه أرسل رسائل إلى مختلف الزعماء العرب للحصول على آرائهم كأساس لمساعدته على تقديم عرض كامل وموضوعي قدر الإمكان في المؤتمر الإسلامي، وكان كديرة مبعوث الملك لهذا الغرض، وقد التقى بالملك خالد والأمير فهد في المملكة العربية السعودية، وأمراء قطر والإمارات العربية المتحدة والكويت، والملك حسين ملك الأردن، والأسد الرئيس السوري، وياسر عرفات، والآن يريد الملك الحسن الثاني أن يستمع إلى آراء الولايات المتحدة، مدركا أن الإدارة الجديدة ربما لم يكن لديها الوقت الكافي لوضع استراتيجيتها بالتفصيل، وخلص كديرة إلى أن النقطة الأساسية كانت أن الملك يريد أن يبذل كل ما في وسعه لجعل اجتماع المؤتمر الإسلامي واقعيا وفعالا، وليس مجرد تمرين بسيط في الديماغوجية، ثم حدد كديرة القضايا الرئيسية على النحو التالي: (أ) أفغانستان؛ (ب) الحرب بين إيران والعراق؛ (ج) الشرق الأوسط (بما في ذلك القدس التي تعطي المشكلة العربية/الإسرائيلية بعدا إسلاميا بالإضافة إلى البعد العربي البحت)؛ و(د) ليبيا وضمها لتشاد.

أما الموقف الأمريكي من هذه القضايا، فقد صرح وزير الخارجية الجديد بخصوص أفغانستان، وقال إن بلاده ستواصل معارضة الاحتلال السوفياتي هناك بقوة، وتتوقع جهودا متزايدة لجعل مثل هذا النشاط غير مقبول على نحو متزايد لدى السوفياتيين، وأوضح الوزير أنه ليس في وضع يسمح له بالقول ما هي الخطوات المحددة التي قد يقرر الرئيس أن حكومة الولايات المتحدة يجب أن تتخذها، ومع ذلك، فإن موقف الولايات المتحدة سيكون أكثر قوة ونأمل أن يكون أكثر فعالية مما كان عليه في الماضي..

وفيما يتعلق بالصراع بين العراق وإيران، قال الوزير إن الولايات المتحدة اتخذت موقفا متوازنا، ولا ينبغي لأحد أن يسيء فهم العودة الأخيرة للرهائن الأمريكان لدى إيران، باعتبارها إشارة إلى تغيير محتمل في موقف بلاده تجاه النظام في إيران، أما فيما يتصل بالعراق، فإن وجهة نظر الرئيس ريغان، هي أن المصالح الأمريكية سوف تخدمها تحسينات مضطردة في العلاقات، والجهود الرامية إلى مساعدة العراق على الانضمام إلى أسرة الدول العربية الأكثر اعتدالا، ويتوقع وزير الخارجية مبادرات أكثر قوة لتحقيق هذه الغايات، ولابد أن تقلق الدول الراسخة في المنطقة ليس فقط من النشاط الثوري، بل وأيضا من استغلال الاتحاد السوفياتي لهذه الحركات الثورية، وتابع قائلا: ((إننا جميعا نأمل أن يتقاسم القادة في إيران ذات يوم وجهات النظر التي نتفق عليها جميعا، ولكن هذا ليس هو الحال الآن))، وأضاف وزير الخارجية، أنه ((لا يرى أي مؤشر على أن هذا قد يكون ممكنا ما دام الوضع الحالي قائما، ومن المؤسف أن الأحداث الأخيرة في إيران فرضت عبئا أمنيا على الدول العربية المعتدلة كان الشاه يحمله في الماضي)).

وبخصوص الشرق الأوسط، قال وزير الخارجية: ((إن الرئيس ريغان أيد الإطار العام لـ”اتفاقيات كامب ديفيد” واستمر في دعمه))، وأضاف ((كنا على علم بالدور البناء الذي يلعبه المغرب في السعي إلى تحقيق السلام في الشرق الأوسط))، وقال إنه لا يتوقع في الأمد القريب أي نشاط غير عادي في عملية السلام، وهو يعتقد شخصيا أن المناخ يتطلب المزيد من العمل.

ريغان // الدليمي // كديرة

موقف الملك الحسن الثاني من القرار الأممي 242.. أول قرار خاص بالسلام في الشرق الأوسط يصدر في عهد الرئيس ريغان

    رغم انتهاء القمة الإسلامية في العربية السعودية، إلا أن الملك الحسن الثاني ظل متشبثا بالتعبير عن رأيه لأمريكا بمستجدات القضية الفلسطينية.. فقد صدر قرار أممي في شهر فبراير 1981، وهو القرار رقم 242، الذي أيد أن “اتفاقات كامب ديفيد هي الأساس الوحيد القائم لجهود السلام”، وهو الأمر الذي جعل الحسن الثاني يرسل رسالة يطلب من خلالها لقاء مبعوثيه بوزير الخارجية الأمريكي، من أجل مناقشة القرار الأممي الجديد، ومما جاء في الرسالة الملكية إلى وزارة الخارجية الأمريكية، أن ((قرار مجلس الأمن رقم 242 اعتبر أن اتفاقات كامب ديفيد توفر الأساس الوحيد القائم لجهود السلام))، كما حددت الرسالة الملكية أن ((هذه القرارات غير كافية، لأنها لم تأخذ في الاعتبار بشكل كاف مسألة ستة ملايين فلسطيني لا يمكن لأي حكومة مسؤولة أن تتجاهل حقوقهم الوطنية ومطالبهم المشروعة)).

ومما يستشف من الوثائق الأمريكية، أن الخارجية الأمريكية عرضت عوض أن يزور مبعوثا الملك الحسن الثاني أمريكا من أجل مناقشة هذه القرارات، فقد طرحت فكرة إرسال فيرنون والترز إلى المغرب، كمبعوث رئاسي خاص بدلا من زيارة الدليمي وكديرة إلى أمريكا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى